ومن جانبه، سعى الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم إلى تصوير الهجمات المتواصلة التي يشنها "الحزب" على إسرائيل بوصفها دفاعا عن لبنان. ويرى أنصار الجماعة أن إسرائيل كانت تخطط أصلا لاجتياح الجنوب بهدف اقتلاع التهديد الذي يمثله "حزب الله". في الواقع، واصلت إسرائيل طوال عام 2025، ورغم ما وصف باتفاق وقف إطلاق النار، استهداف "الحزب" عبر ضربات شبه يومية على لبنان طالت مقاتليه ومستودعات أسلحته ومواقعه العملياتية. ورغم إدراك "حزب الله" وإيران عمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لمواقع الجماعة، فقد راهنا على قدرتها على امتصاص هذه الضربات المتلاحقة.
وسعى "حزب الله" وإيران إلى كسب الوقت من خلال التظاهر بالاستجابة لدعوات الحكومة اللبنانية المتكررة إلى نزع سلاحه. ومع تصاعد التوقعات بتجدّد الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران في مطلع عام 2026، ازداد "الحزب" تصلبا في موقفه الرافض للتخلي عن سلاحه.
وأدّى تدخّله في مارس/آذار إلى دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة، تمثّلت في حظر أنشطته العسكرية والأمنية. إلا أن الحكومة لم تستطع تطبيق هذا الحظر، بفعل محدودية قدرات الجيش اللبناني، والخشية من أن يفضي أي صدام مع "الحزب" إلى فتنة طائفية، خصوصا أن "الحزب" سيقدّم ذلك بوصفه اعتداء على المجتمع الشيعي في لبنان.

وفي 16 مارس/آذار، وجّه محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في "الحزب"، تهديدا إلى الحكومة اللبنانية حين قال: "بوسعنا قلب البلد والحكومة رأسا على عقب، وصبرنا له حدود". ثم استحضر مثال المقاومة الفرنسية التي أسقطت حكومة فيشي وانتقمت منها بإعدام "خونتها"، في تحذير مبطن يذكّر بسلسلة الاغتيالات التي استهدفت خصوم "حزب الله" في لبنان.
وأعقب ذلك، في 22 مارس/آذار، تهديد مماثل صدر عن وفيق صفا، الذي تولّى حتى يناير/كانون الثاني رئاسة وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله". وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، كان صفا نقطة اتصال "الحزب" الأساسية في بيروت. وكان من المفترض أن ينقل مهامه إلى شخصية أخرى في إطار إعادة ترتيب داخلية، مع بقائه في موقع استشاري. غير أن عودته إلى الواجهة في هذا التوقيت بدت، في نظر بعض المراقبين، محاولة متعمدة من "الحزب" لترهيب السياسيين اللبنانيين. وتفيد مؤشرات بأن بعضهم تلقّى بالفعل تهديدات غير مباشرة، في مسعى لدفع الحكومة إلى التراجع عن حظر أنشطة "الحزب" العسكرية.
ومن خلال هذا المسار، يحاول "حزب الله" استعادة سيناريو الأعوام 2005 إلى 2008، حين اغتال عددا من خصومه في لبنان، وجرّ البلاد إلى مواجهة مع إسرائيل، وعطل عمل الحكومة، قبل أن يفرض عليها، للمرة الأولى، الإقرار به جزءا من منظومة الدفاع الرسمية في البلاد، من غير أن يخضع لأي مساءلة أو رقابة من الدولة اللبنانية. لكن أي تراجع من الحكومة اللبنانية عن حظر أنشطته العسكرية قد يفتح الباب أمام توسيع الهجمات الإسرائيلية على لبنان، انطلاقا من اعتبار إسرائيل أن البلد بأكمله أصبح شريكا داعما للجماعة.
في المقابل، يرى منتقدو "الحزب" أن الجماعة ما تزال تقدّم مصالح إيران على مصالح لبنان، على الرغم من الكلفة الباهظة التي دفعتها البلاد نتيجة سياساتها. ومع تحمّل شيعة لبنان في الجنوب القسط الأكبر من الهجمات الإسرائيلية، بدأت البيئة الداعمة لـ"حزب الله" نفسها تعبّر عن إحباطها من الخسائر الكبيرة التي لحقت بممتلكاتها وسبل عيشها جراء القصف الإسرائيلي.



