حين يصبح التفاوض تقنية للإذلال: السيادة بين القرار والاستتباع
كتب باسم الموسوي
لا تكمن أزمة النظام الدولي المعاصر في اختلال توزيع القوة فحسب، بل في الطريقة التي يُعاد عبرها تحويل هذا الاختلال إلى معنى سياسي دائم. فالعالم لا يُدار فقط بمنطق المصالح، بل بمنطق المكانة والاعتراف، أي بمنطق من يُعامل كندّ ومن يُطلب منه إثبات أهليته للندية. بهذا المعنى، لا يكون الإذلال نتيجة عرضية للصراعات، بل مكوّنًا بنيويًا في طريقة اشتغال النظام نفسه.
التمييز بين “اللاعدالة” و”الإهانة” هنا أساسي. فاللاعدالة تُفهم عادة كاختلال في الموارد أو التمثيل، ويمكن نظريًا معالجتها بإصلاحات مؤسسية. أما الإهانة، فهي إعادة تعريف للفاعل السياسي بوصفه أقل أهلية، وأدنى منزلة، ومشروط السيادة. في هذه الحالة، لا يعود الطرف الضعيف مجرد خاسر في توازن القوى، بل يصبح موضوعًا لإدارة خارجية، تُحدَّد له أولوياته، وتُرسم له حدود المقبول.
هذا النمط ليس جديدًا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من السيطرة الاستعمارية التي لم تكتفِ بالهيمنة المادية، بل أنتجت أيضًا تراتبية رمزية بين من يملك حق تعريف العالم ومن يُطلب منه الامتثال لهذا التعريف. لذلك لم يؤدِّ الاستقلال السياسي في كثير من الحالات إلى تفكيك هذه البنية، بل أعاد تشكيلها في صورة مؤسسات دولية وخطابات قانونية تستبطن التفاوت نفسه، ولكن بلغة أكثر حيادًا ظاهريًا.
في هذا السياق، تساعدنا قراءة ميشيل فوكو على فهم كيفية اشتغال السلطة الحديثة. فهي لا تعتمد فقط على الإكراه المباشر، بل تعمل عبر إنتاج أنماط من المعرفة تحدد ما هو “عقلاني” و”واقعي”. النظام الدولي، بهذا المعنى، لا يفرض شروطه فحسب، بل يحدد أيضًا ما يُعتبر حلًا مقبولًا، وما يُصنّف بوصفه خروجًا عن العقل. هذه القدرة على تعريف الإطار نفسه هي أحد أشكال الهيمنة الأكثر فعالية.
كما يضيء مفهوم الاعتراف عند هيغل على بعد آخر من المشكلة. فالذات السياسية لا تكتمل إلا عبر اعتراف متبادل بينها وبين الآخرين. وعندما يُمنح هذا الاعتراف بشروط، أو يُحجب جزئيًا، لا تكون النتيجة مجرد ضعف في المكانة، بل اختلال في الكينونة السياسية نفسها. تصبح الدولة موجودة قانونيًا، لكنها فاقدة لصفة الندية الفعلية.
غير أن النقطة الأكثر حسمًا تظهر في تصور كارل شميت للسيادة. فبالنسبة له، لا تُختزل السيادة في النصوص الدستورية، بل تتجلى في القدرة على اتخاذ القرار في الحالة الاستثنائية. أي أن السيادة تُختبر حين يواجه الكيان تهديدًا وجوديًا، لا في لحظات الاستقرار. من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يحدد طبيعة التهديد، هو صاحب السيادة الفعلية.
انطلاقًا من هذا التعريف، يصبح من الممكن التمييز بين السيادة الشكلية والسيادة الفعلية. فقد تحتفظ دولة ما بمؤسساتها الدستورية وتمثيلها الدولي، لكنها تكون فاقدة للقدرة على اتخاذ القرار في لحظات الخطر. في هذه الحالة، تتحول السيادة إلى غطاء قانوني لواقع مختلف، حيث يُتخذ القرار في مكان آخر.
في هذا الإطار يمكن فهم ما يمكن تسميته “الاستذلال تحت اسم التفاوض”. فالتفاوض، في حد ذاته، أداة طبيعية في العلاقات الدولية، بل قد يكون ضروريًا لتفادي الصراعات أو إنهائها. غير أن هذه الأداة تفقد معناها حين تُمارس في سياق اختلال جذري في موازين القوة، وحين يُجرَّد أحد الأطراف من القدرة على الرفض أو التأثير.
التفاوض، لكي يكون تعبيرًا عن السيادة، يفترض حدًا أدنى من التكافؤ في القدرة على الفعل، أو على الأقل امتلاك أوراق ضغط تتيح للطرفين تعديل شروط الاتفاق. أما حين يُطرح بوصفه الخيار الوحيد المتاح، في ظل نزع أدوات القوة وتجريم استخدامها، فإنه يتحول من أداة سياسية إلى آلية لإدارة نتيجة مفروضة مسبقًا.
هنا لا يكون التفاوض عملية مفتوحة على الاحتمالات، بل مسارًا مقيدًا بإطار محدد سلفًا. يُطلب من الطرف الأضعف أن يقبل هذا الإطار بوصفه “واقعيًا”، وأن يكيّف مطالبه ضمن حدوده. بهذا المعنى، لا يُلغى القرار كليًا، بل يُعاد تعريفه ضمن هامش ضيق، ما يعطي انطباعًا بوجود سيادة، فيما تكون محدودة فعليًا.
تتضح خطورة هذا النمط حين يُترجم داخليًا في شكل سياسات رسمية. فعندما تُقرن الدعوات إلى التفاوض بقرارات حكومية تجرّم المقاومة أو تنزع الشرعية عن أي شكل من أشكال الرد، فإن المجال السياسي نفسه يُعاد تعريفه. يصبح الدفاع عن المجتمع محل مساءلة، بينما يُقدَّم الامتثال لشروط خارجية بوصفه الخيار العقلاني الوحيد.
وفقًا لمنطق شميت، فإن نزع القدرة على اتخاذ القرار في الحالة الاستثنائية يعني عمليًا نزع السيادة. فإذا كانت الدولة لا تملك تحديد كيفية الرد على التهديدات، ولا تملك حتى تعريفها، فإنها تفقد جوهر سيادتها، حتى لو احتفظت بمظاهرها الشكلية.
في هذا السياق، لا يعود الإذلال مفروضًا من الخارج فقط، بل يُعاد إنتاجه من الداخل. إذ تتحول السلطة المحلية إلى وسيط ينقل شروط النظام الدولي ويعيد صياغتها في شكل سياسات داخلية. وهذا ما يجعل الإذلال أكثر استقرارًا، لأنه لم يعد يُفرض بالقوة المباشرة فقط، بل يُدار ضمن مؤسسات محلية.
تساعدنا هنا قراءة فرانتز فانون على فهم البعد النفسي والسياسي لهذه العملية. فالإذلال، في تحليله، لا يقتصر على السيطرة المادية، بل يمتد إلى تشكيل وعي المقهور بذاته. حين يبدأ هذا الأخير في تبني صورة نفسه كما يرسمها له الآخر، يصبح الخضوع أكثر رسوخًا، لأنه لم يعد يُفرض من الخارج فقط، بل يُعاد إنتاجه داخليًا.
في هذه الحالة، يتغير معنى “الواقعية السياسية”. فهي لم تعد تعني تقييمًا عقلانيًا لموازين القوى، بل تتحول إلى إطار معياري يحدد ما يُسمح بالتفكير فيه وما يُستبعد. يُعاد تعريف الممكن بحيث يتطابق مع ما هو مقبول دوليًا، لا مع ما هو مطلوب وطنيًا.
هذا لا يعني أن كل رفض للتفاوض أو لكل تسوية هو بالضرورة تعبير عن سيادة، فالمسألة ليست في رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل في شروطه وسياقه. التفاوض قد يكون أداة سيادية إذا كان جزءًا من استراتيجية أوسع، وإذا كان الطرف المعني يمتلك قدرة حقيقية على التأثير في نتائجه.
لكن حين يُطرح التفاوض كبديل عن امتلاك هذه القدرة، أو كتعويض عن فقدانها، فإنه يتحول إلى شكل من أشكال الاستذلال. لا لأنه ينطوي على تنازلات، بل لأنه يُمارس في سياق يُفرغ هذه التنازلات من طابعها الاختياري.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين السيادة والتفاوض. فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي التفاوض أم لا، بل ما إذا كانت شروط هذا التفاوض تتيح الحفاظ على حد أدنى من القدرة على القرار. لأن السيادة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بما يُعلن في النصوص، بل بما يُمارس في لحظات الحسم.
خلاصة القول إن النظام الدولي المعاصر لا يكتفي بإنتاج التفاوت، بل يحوّله إلى بنية معنوية تُعيد تعريف موقع الفاعلين داخله. وحين يُترجم هذا المنطق داخليًا عبر سياسات تنزع القدرة على الفعل وتعيد تقديم الامتثال بوصفه عقلانية، فإن الإذلال لا يعود علاقة خارجية فقط، بل يصبح جزءًا من طريقة إدارة السياسة نفسها. عند هذه النقطة، يغدو التحدي الأساسي ليس في تعديل شروط التفاوض فحسب، بل في استعادة القدرة على القرار التي تمنح هذا التفاوض معناه.
The post حين يصبح التفاوض تقنية للإذلال: السيادة بين القرار والاستتباع appeared first on Beirut News Center.




