حين تتحول منحة الطالب إلى “صدقة”.. وزير التعليم العالي يطلب “الصينية” وحكومة الأرقام الوهمية تتحدث عن الجودة!
في مشهد يلخص عمق الأزمة التي يعيشها التعليم العالي بالمغرب، خرج وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عزالدين ميداوي، مطالباً المحسنين والجماعات الترابية والسياسيين بالمساهمة في تمويل المنح الجامعية، واصفاً الأمر بـ”الصدقة الجارية”، وكأن الدولة تخلت رسمياً عن أحد أبسط التزاماتها الاجتماعية تجاه الطلبة أبناء الفقراء والمتوسطة.
تصريحات وزير التعليم العالي لم تكن مجرد زلة تواصلية عابرة، بل اعترافاً صريحاً بفشل الحكومة في تدبير قطاع يُفترض أنه ركيزة التنمية وصناعة الكفاءات، فكيف لدولة تصرف الملايير على مشاريع لا أثر لها في حياة المواطن، وتغرق في نفقات التسيير والامتيازات والتعويضات، أن تعجز عن توفير منحة جامعية تحفظ كرامة الطالب المغربي؟
المثير للسخرية، أن الوزير نفسه تحدث أمام البرلمان عن استفادة 95 في المائة من الطلبة من المنحة، بل وادعى أن النسبة تصل إلى 100 في المائة ببعض المناطق، قبل أن يعود في الجلسة ذاتها ليقر بوجود “إكراهات مالية” تعرقل تعميمها، أي منطق هذا؟ وهل يعيش المسؤولون فعلاً في نفس المغرب الذي يعرفه الطلبة الذين يواجهون الغلاء والإقصاء والهدر الجامعي اليومي؟
المثير أيضا، هو أن الحكومة لا تتردد في الحديث عن “تموقع المغرب” و”جودة التعليم العالي” و”الإصلاحات الكبرى”، بينما الواقع داخل الجامعات يكشف اكتظاظاً مهولاً، وخصاصاً في الأحياء الجامعية، وضعفاً في التأطير، وانعداماً لأبسط شروط التحصيل العلمي الكريم، أما الطالب المغربي، فقد أصبح مطالباً ليس فقط بالنجاح، بل أيضاً بالبحث عن “محسن” يضمن له حقاً يفترض أن تكفله الدولة.
دعوة الوزير إلى فتح باب تمويل المنح عبر “المحسنين” تعكس انتقال الدولة من منطق الحقوق إلى منطق الإحسان، وكأن متابعة الدراسة الجامعية أصبحت عملاً خيرياً لا استثماراً وطنياً في المستقبل، الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يكرس التراجع التدريجي للدولة عن أدوارها الاجتماعية، في وقت تواصل فيه المؤسسات الرسمية تسويق صورة وردية عن “الدولة الاجتماعية”.
فالطلبة اليوم لا يحتاجون إلى خطابات عن “الصدقة الجارية”، بل إلى سياسات عمومية حقيقية، وعدالة اجتماعية، وتوزيع عادل للثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل قطاع استنزف ميزانيات ضخمة دون أن ينعكس ذلك على جودة التكوين أو فرص التشغيل.
أما الحديث الرسمي عن الأرقام القياسية والجودة والريادة، فلم يعد يقنع أحداً في ظل واقع جامعي يزداد هشاشة سنة بعد أخرى، فالمغرب الذي تتحدث عنه الحكومة في تقاريرها وخطاباتها يبدو، بالنسبة لآلاف الطلبة، مجرد صورة افتراضية لا علاقة لها بمدرجات مكتظة، ومنح هزيلة، وأحلام معلقة على أبواب البطالة.




