حين تسبق الضّربة الاستراتيجيّة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
“يسوع، ملك السلام، الذي يرفض الحرب، والذي لا يستطيع أحد أن يستخدمه لتبرير الحرب. هو لا يصغي إلى صلوات من يشنون الحروب، بل يرفضها، قائلاً: حتى وإن أكثرتم الصلاة، فلن أسمع لكم، لأن أيديكم ملأى بالدم.هذا ما قاله البابا في عيد الشعانين، لا بصيغة عظة عابرة، بل تنبيه أخلاقي متأخر إلى عالم يوشك أن يفقد آخر ما تبقى من رشده. لم تكن كلمته مجرد دعوة إلى السلام، بل اعتراضاً على الخلط بين الله والنار، بين الصلاة والقصف، بين المذبح وغرفة العمليات.ولعل ما منح هذه الكلمة ثقلها الاستثنائي، أنها خرجت من أول بابا أميركي. ليست المسألة هنا سيرة شخصية أو سابقة تاريخية، بل رمزية شديدة الحساسية: أن يأتي التذكير بأخلاق القوة من رجل ينتمي، جغرافياً وثقافياً، إلى البلاد التي لا تزال ترى في نفسها مركز القرار العالمي. كأن أميركا، وهي تتحدث إلى العالم بلغتها الصلبة، وجدت من داخلها من يهمس لها أخيراً، الإشكالية أنه لم يكن الوحيد.فبينما كان البابا يجرد الحرب من غطائها الأخلاقي، كان الشارع الأميركي يقول بطريقته الأكثر صخباً ووضوحاً، إن هناك شيئاً عميقاً لم يعد مقبولاً في هذه اللحظة. ولهذا لم تكن تظاهرات لا ملوك الأخيرة حدثاً احتجاجياً عابراً، ولا أول موجة اعتراض على مناخ التمركز السلطوي في عهد الرئيس دونالد ترامب، لكنها بدت هذه المرة أكثر كثافة، وأشد اتساعاً، وأكثر التصاقاً بسؤال الحرب نفسها، والأسوأ من كل ذلك أنها جاءت من ولايات نصيرة لفخامة الرئيس.فالمشهد لم يقتصر على الهتافات وعدد المتظاهرين الذي تجاوز ثمانية ملايين شخص، بل إن أكثر ما منح هذه الموجة رمزيتها، أن موقع انطلاقها من مينيسوتا بوصفها مركزها الأبرز، لا من واشنطن ولا نيويورك. وهذا ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل إشارة سياسية مشحونة. فمينيسوتا لم تتحول في الأسابيع الأخيرة إلى مجرد ولاية غاضبة، بل إلى مرآة مبكرة للتوتر الأميركي كله: بين الدولة الفيدرالية والشارع، بين القوة التنفيذية والمجتمع، بين خطاب الأمن ومنطق الإفراط فيه.لكن الأهم أن هذه الاحتجاجات لم تكن ضد الرئيس وحده، بل ضد عبثية استراتيجية الحرب التي أُدخلت إليها البلاد. وهنا تتكشف المفارقة الأميركية على نحو فادح: فالمحللون داخل الولايات المتحدة لا يرون عبثية الحرب في تكلفتها أو مخاطرها فحسب، بل في أنها بدأت قبل أن تُعرَّف. لم يكن هناك من البداية وضوح حقيقي في ما تريده واشنطن من هذه المواجهة:هل الهدف إنهاء البرنامج النووي؟ أم ردع إيران؟ أم إضعاف النظام؟ أم الذهاب إلى إسقاطه؟ لأن تصريحات الرئيس أكدت ونفت كل ما ذُكر أعلاه، ما أظهر خللاً في تعريف الحرب نفسها. لأن الدول قد تدخل المعارك تحت ضغط اللحظة، لكنها لا تستطيع أن تُديرها طويلاً إذا كانت لا تعرف، على وجه الدقة، ماذا تريد أن يبقى بعد الضربة.أخطر ما في غياب الاستراتيجية أنه يخلق تلك الفجوة المرعبة بين الضربة والنتيجة؛ بين ما تستطيع القوة أن تدمره، وما تعجز السياسة عن أن تبنيه بعد الدمار.ثم إن الحرب مع إيران ليست ملفاً يمكن التعامل معه بعقلية: “اضرب ثم قرر لاحقاً”. فإيران ليست جزيرة معزولة في الفراغ، بل عقدة مشدودة في شبكة شديدة الحساسية.الخليج يتأثر أمنياً واقتصادياً، وإسرائيل تتأثر عسكرياً واستراتيجياً، والعراق وسوريا ولبنان يتأثرون ميدانياً، وأسواق الطاقة ترتجف عالمياً، وروسيا والصين تراقبان كيف تُدار القوة الأميركية، وأوروبا تخشى انفجاراً أمنياً واقتصادياً جديداً على حدود عالمها الهش.لهذا ربما لم تكن كلمة البابا بعيدة عن الشارع كما تبدو. فبين منبر الكنيسة وهتاف المتظاهرين، هناك خيط واحد واضح: أن العالم لم يعد يحتمل حرباً بلا روح، ولا أميركا تحتمل حرباً بلا عقل.وإذا كانت الرئاسة في واشنطن لا تزال تصر على مخاطبة النار باللغة نفسها التي أشعلتها بها، فربما حان الوقت لأن يقال لها، بهدوء يليق بخطورة اللحظة:فخامة الرئيس: لا يكفي أن تعرف كيف تبدأ الحرب، الأهم أن تعرف لماذا بدأت؟ وإلى أين تريد أن تأخذ العالم بعدها؟ فالاستراتيجية ليست ترفاً في الحروب، بل الحد الأدنى من الرشد قبل إشعالها.


