حين تقول فلسطين لا: "من حافة الزنزانة إلى الشوارع"
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في فلسطين، لا يُختزل الإضراب في الامتناع عن العمل، بل يتجاوزه إلى امتناعٍ عن الانكسار؛ لحظةٌ يقرّر فيها الإنسان أن يستردّ نفسه من عالمٍ يحاول تعريفه خارج إنسانيته. وحين يُضرب شعبٌ عن تفاصيل يومه، عن خبزه وصوته وضجيج حياته، فإنه لا يمارس فعلاً احتجاجياً عابراً، بل يكتب نفسه من جديد في مواجهة المحو. هو انقطاعٌ واعٍ عن العادي، عن ذلك التدفق اليومي، لكنّه يخفي في عمقه تكيّفاً قاسياً مع القهر؛ امتناعٌ عن القبول بأن يصبح الموت حكماً إدارياً، وأن تتحول الحياة إلى بندٍ في لائحة عقوبات. حين يُضرب الشعب، لا يتوقف عن الحياة، بل يتوقف عن الشكل الذي فُرض عليه أن يعيشها به؛ كأنّه يقول: لن أكون النسخة التي تريدونها لي، حتى لو كلّفني ذلك أن أعلّق حضوري مؤقتاً في هذا العالم. في هذا المعنى، الإضراب ليس فعلاً سياسياً فقط، بل تجربة وجودية كثيفة؛ مواجهة بين الإنسان وحدود احتماله، بين الكرامة والخوف، بين الحاجة إلى الخبز والحاجة إلى المعنى. هو لحظة يُعاد فيها طرح السؤال الأكثر بداهة والأكثر خطورة: ماذا يعني أن نكون بشراً في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الإنسان ككائن قابل للمحو؟ وحين يُطرح هذا السؤال جماعياً، يتحول الإضراب إلى مرآة كبرى يرى فيها الشعب نفسه—لا كما هو مضطر أن يكون، بل كما يجب أن يكون. حين يُضرب الفلسطيني تضامناً مع الأسرى ورفضاً لقانون الإعدام، فإنّه لا يحتج فقط على احتمال الموت، بل على فكرة أن يصبح الموت إجراءً، وأن تتحول الحياة إلى بندٍ قانوني. هنا، لا يكون الإضراب صمتاً، بل لغة؛ ولا يكون فراغاً، بل امتلاءً كثيفاً بالمعنى. إنّه استعادةٌ لما سُرق من الكلمات: أن تعود العدالة عدالة، وأن يعود الإنسان إنساناً، لا ملفاً، ولا رقماً، ولا جسداً قابلاً للإلغاء. في السجون، حيث يُعاد تشكيل الزمن على هيئة انتظار، تتكثف هذه الحقيقة أكثر. هناك، في زنزانةٍ ضيقة، يجلس أسيرٌ على حافة سريره المعدني، يعدّ ليس الأيام فقط، بل احتمالاتها. ضوءٌ خافت يتسلل من نافذةٍ عالية، كأنّه تذكيرٌ بعيد بأن العالم ما زال موجوداً، لكنّه مؤجَّل. خطوات السجّان في الممر ليست مجرد صوت، بل إيقاعٌ ثقيل يُنظّم القلق. بابٌ يُفتح فجأة، نداءٌ باسمٍ ما، لحظة صمتٍ تتسع حتى تكاد تبتلع المكان. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال: من سيُنتزع؟ بل: ماذا يعني أن يُنتزع الإنسان من حياته بهذه البساطة؟ في ساحة الفورة، حين يلتقي الأسرى لدقائق، تتكسر الجدران قليلاً. نظراتٌ سريعة، ابتساماتٌ مقتضبة، كلماتٌ تُقال على عجل كأنّها تُهرَّب من زمنٍ آخر. هناك، يُصنع المعنى من فتات اللحظات: سيجارةٌ تُقسم بين اثنين، كتابٌ يتنقل كأنّه حياة إضافية، حكايةٌ تُروى لتؤجل انهيار الصمت. وفي اللّيل، حين يثقل السكون، يصبح التفكير نفسه نوعاً من المقاومة؛ أن تتذكر، أن تتخيل، أن ترفض أن تكون مجرد حاضرٍ مُغلق. قانون إعدام الأسرى، في هذا السياق، لا يضيف موتاً جديداً بقدر ما يحاول أن يمنح الموت شرعيةً نهائية. إنّه لا يستهدف الجسد فقط، بل يستهدف المعنى: أن يُقنع الجميع بأن هذه النهاية طبيعية، بل ضرورية. وهنا، يتحول الإضراب إلى فعلٍ مضاد للعدم؛ إلى تمردٍ على فكرة أنّ الحياة يمكن أن تُدار كملف، وأنّ النهاية يمكن أن تُكتب سلفاً. لكنّ فلسطين لا تقف عند الحاضر وحده؛ فهي تحمل ذاكرتها كدليلٍ أخلاقي لا يسقط بالتقادم. وهنا، تتقاطع اللحظة الراهنة مع تاريخٍ لم ينقطع. حين أُعدم فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم، لم تكن حبال المشانق مجرد أدوات قتل، بل كانت محاولة لردع ذاكرة شعب كامل. لكن ما حدث كان العكس تماماً: تحوّل الموت إلى نشيد، والشنق إلى بداية رواية لا تنتهي. لم يمت الثلاثة في لحظة الإعدام، بل وُلدوا في وعي الفلسطينيين كرموز تتجدد كلما ظنّ المحتلون أنّ الحكاية انتهت. بين مشانقهم وقوانين اليوم، يمتد خيطٌ واحد: إرادة إخضاع الحياة لتعريفٍ واحد، وإرادة الفلسطيني في كسر هذا التعريف. هناك، كان الجسد يُساق إلى الحبل؛ وهنا، يُساق المعنى إلى حافة التلاشي. وفي الحالتين، يولد الرد ذاته: أنّ الإنسان أكبر من نهايته، وأنّ الموت، مهما كان منظّماً، لا يستطيع أن يحتكر الحكاية. الإضراب، في عمقه، ليس دفاعاً عن البقاء البيولوجي فقط، بل عن حق الحياة في أن تكون جديرة بالإنسان. هو رفضٌ لأن يُدفع الفلسطيني إلى خيارين قاسيين: موتٌ سريع، أو حياةٌ بطيئة تحت الإلغاء. في الإضراب، يُفتح أفقٌ ثالث: أن تعيش وأنت تقاوم تعريفك، أن تظل حاضراً رغم محاولات المحو، أن تحوّل الامتناع ذاته إلى فعلٍ يربك آلةً كاملة. وفي الخارج، حين تصمت المدن، لا يكون الصمت غياباً، بل مشاركة. أبوابٌ مغلقة، شوارع أقل ازدحاماً، محالٌ لا تفتح—لكن خلف هذا السكون، ينبض معنى كثيف: أنّ الشعب، ولو للحظة، قرر أن يعيش على إيقاع الأسرى، أن يعيد ترتيب يومه وفق وجعهم، أن يقول لهم: لستم وحدكم في هذا الزمن الثقيل. الإضراب أيضاً مرآةٌ للداخل الفلسطيني: امتحانٌ لمعنى الجمعي، لسؤالٍ قديم يتجدد—هل نبقى شعباً حين يُختبر معنى الشعب؟ هل نرى في الأسير امتدادنا، أم نتركه ليواجه وحده آلةً لا ترى فيه إلا رقماً؟ في هذا الامتحان، لا تُقاس الإجابة بالشعارات، بل بالفعل: بالفعل الذي يختار أن لا يكون عادياً في زمنٍ صار فيه العادي شكلاً من أشكال القبول. وهكذا، يتكشف الإضراب بوصفه أكثر من احتجاج: إنّه إعادة صياغة للعلاقة بين الإنسان ومعناه. وقوفٌ على حافة العدم، لا للسقوط، بل لمنع العدم من أن يصبح قدراً. لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يموت الإنسان، بل أن يموت معنى أن يكون إنساناً. في فلسطين، حيث يُدفع الإنسان دائماً إلى هذه الحافة، يصبح الإضراب ضرورةً أخلاقية قبل أن يكون خياراً سياسياً؛ ضرورة أن يقول الشعب "لا" في وجه قانونٍ يريد أن يجعل الموت طبيعياً، وأن يجعل الحياة استثناءً. فلسطين، في هذا الفعل، لا تستجدي عدلاً؛ هي تعلن، بصمتٍ عالٍ، أنّ كرامتها ليست قابلة للتفاوض، وأنّ الأسير، مهما أُحيط بالجدران، يظل أوسع من سجنه، لأنّ وراءه شعباً يعرف أنّ الحرية لا تُقاس بما يُمنح، بل بما يُنتزع من قلب الاستحالة. وهكذا، يصبح الإضراب صلاةً جماعية بلا كلمات، طقساً يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومعناه—حيث تتجدد فلسطين لا كجغرافيا فقط، بل كفكرة: فكرة أنّ الإنسان، مهما ضاق عليه العالم، يظل قادراً على أن يقول "لا"… وأن يجعل من هذه الـ"لا" حياةً كاملة.