... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
45742 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7232 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

حين تخون الذاكرة .. يبقى الحب

العالم
هسبريس
2026/03/28 - 22:54 501 مشاهدة

لم أكن أتخيّل يومًا أن اللغز الذي قلب حياتي رأسًا على عقب، وأغرقني قرابة عام كامل في الحيرة والدهشة والغيرة… لن يبقى لغزًا بعد الآن.

ألم يكن الأجدر بي أن أفتح رزمة رسائل والدي قبل اليوم؟

كانت رسالته أشبه باعتراف.

لكن… ما جدوى الاعتراف بعد الموت؟

بعض الرسائل تمنح أصحابها حياةً أخرى، وعمرًا إضافيًا.

لكن من يمنحني أنا رفاهية الاعتذار إليه؟

لقد رحل.

ولم يعد ذلك ممكنًا.

كيف سمحت لنفسي أن أقسو عليه؟

ربما أقسى ما قد يفعله إنسان… أن يُجبر رجلًا فاقد الذاكرة على الاعتراف والبوح.

لم تكن علاقتنا يومًا كأي علاقة بين أبٍ وابنته، خاصة بعد وفاة والدتي قبل عامين.

يومها شعرتُ أنني صرتُ المسؤولة عنه… وعن أخي الذي يصغرني بعامين.

لم يكن ذلك خياري. كان واقعًا فرضه مرضه.

في البداية، لم يكن نسيانه المتكرر يثير في نفسي قلقًا كبيرًا.

ظننته سهوًا عابرًا… إرهاقًا، أو ربما أثرًا للحزن.

لكن الأيام لم تمضِ كما أردت.

صار ينسى التواريخ… ثم الأيام… ثم الأسماء.

ومع كل صباح، كانت دائرة النسيان تتسع أكثر.

تذكرتُ حديثه القديم عن والدته، وكيف فقدت ذاكرتها في سنواتها الأخيرة…

كأن الفصل نفسه من العمر يعيد نفسه.

حين زرنا الطبيب، أخبرني بهدوء قاسٍ أن العلم لم يجد بعد علاجًا شافيًا…

وأن أبي قد ينسى كل شيء. حتى كيف يأكل… وكيف يشرب.

ثم أضاف:

قد تبقى في ذاكرته أشياء…أشياء محفورة بعمق، يعجز المرض عن محوها.

لكن كل ما علق في ذاكرته طوال عمره بدأ يتلاشى بسرعة غريبة،

كشريط كاسيت يدور في الاتجاه المعاكس…

لا ليسجل، بل ليمحو.

يمحو الصور،

والأسماء،

والأحداث.

أن تخونك الذاكرة… يعني أن تعيش بلا ماضٍ، بلا تاريخ، بلا هوية.

أن تعيش بهذا العري… هو أن تموت قبل موتك الأخير.

بعد وقت قصير، صارت ذاكرته مساحة شاسعة من الفراغ… صدىً وخواء.

لا يسكنها شيء… إلا اسم امرأة واحدة.

«موعود».

كان يردد الاسم طوال الوقت.

لم يعد يقبل أن أناوله الدواء، ولا الطعام، ولا حتى الماء.

كان يريد «موعود»… هي من تفعل ذلك.

وحين كنت أسأله: من تكون موعود؟

كان ينظر إليّ بدهشة، يتلعثم… ثم يصمت.

لأنه… لم يعد يتذكر.

أيّة امرأة أنتِ يا “موعود”؟

من أين لكِ هذه القدرة على الصمود والبقاء… رغم كل السيول التي اجتاحت ذاكرته وجرّفتها؟

هل كنت أقسو عليه حين أكرر سؤالي:

«من تكون موعود؟»

كنت أراه يتعذّب… وأدرك أنني أنا من أستفز ذاكرته.

ربما لم أكن أبحث عن الحقيقة فقط. ربما كنت أحاول أن أشبع شيئًا آخر في داخلي… شيئًا أنثويًا، غامضًا، مؤلمًا.

في لحظة ما، تذكّرت أمي.

ألم يكن الأجدر به أن ينادي باسمها؟

وهي التي شاركته أكثر من نصف قرن من حياته؟ أحمد الله أنها رحلت قبل أن ترى هذا.

كيف لامرأة أن تكتشف، في خريف عمرها، أن الاسم الذي يصمد في ذاكرة زوجها ليس اسمها؟

ولا تملك حتى حق الغضب… لأنه مريض. فاقد للذاكرة.

ليس من المروءة أن تعلن الحرب على رجل ميت…

أو على ذاكرة تحتضر.

لم أستطع أن أحدد حقيقة مشاعري تجاه “موعود”.

هل أكرهها… لأنها المرأة الوحيدة التي صمدت في ذاكرته؟

أم أحبها… لأنها الخيط الأخير الذي يربطه بالحياة؟

كانت ردة فعل أخي غريبة… غريبة إلى حد أزعجني.

لم يكن يهتم بتلك المرأة الغامضة التي صار اسمها يتردد ليلًا ونهارًا في غرفة والدي.

لم يسأل… لم يستغرب… لم يغضب.

بل على العكس.

رأيته ذات مرة، مصادفة، يقف عند باب الغرفة… يستمع إلى والدي وهو يغني:

«موعود… موعود يا قلبي…»

وكان… يبتسم.

لم أفهم تلك الابتسامة.

أكانت سخرية؟ أم شفقة؟ أم شيئًا أعجز عن تسميته؟

كيف يمكنه أن يتقبّل الأمر بهذه السهولة؟

كيف لا يزعجه أن تكون في ذاكرة والده… امرأة غريبة عنا؟

أما أنا… فكنت أشتعل من الداخل.

كنت أشفق على نفسي… على تلك الأنثى التي تستيقظ في داخلي رغمًا عني.

أنثى تغار، وتسأل، وترفض أن تكون بديلة… أو ظلًا.

ولأنني لم أستطع مواجهة والدي—

ذلك الرجل الذي لم يعد يملك حتى ذاكرته—

صببتُ غضبي على أخي. كان هو الهدف الأسهل.

بعد أيام… غادر والدي الحياة.

وكان يؤلمني أنني، في أيامه الأخيرة، لم أستطع أن ألبي طلبه…

أن آخذه إلى “موعود”.

من أين لي أن أعلم؟ وأين كنت سأجدها؟ وفي أي زاوية من هذا العالم يمكن أن تكون؟

بعد رحيله… تلاشت مشاعري القديمة.

الغيرة… الغضب… الأسئلة.

سقطت فجأة كأوراق خريف.

وانهار كبريائي، وعنادي، وكل ما كنت أتشبث به.

لم يكن ذلك شفقة عليه… بل حبًا له.

فالمرأة، حين تحب، تبالغ في الصفح. ولا أظن أن هناك حبًا يشبه حب الابنة لأبيها.

دخلت غرفته بعد رحيله.

لم أجد سوى الصمت… وبعض أشيائه التي فقدت معناها.

وفي زاوية الخزانة، كانت حقيبته القديمة.

تلك التي لم أفتحها يومًا. ترددتُ قليلًا… ثم فتحتها.

كانت مليئة برسائل… أوراق صفراء تفوح منها رائحة زمن لم أعشه.

بينها وجدت رسالة مختلفة.

أقدم… أخف حبرًا… كأنها كُتبت بالدمع لا بالقلم.

كانت موجهة إليها… إلى أمي.

بدأتُ أقرأ.

كان أبي يحكي عن يوم بعيد… عن أول لقاء جمعهما في حافلة الجامعة.

صدفة بسيطة… مذياع قديم… وأغنية كانت تُبث حينها:

«موعود…»

منذ تلك اللحظة، لم يعد يناديها باسمها.

اختار لها اسمًا آخر… اسمًا لا يعرفه سواهما.

“موعود”.

توقفتُ عن القراءة.

شعرتُ بشيء ينكسر في داخلي… شيء لم أكن أعلم أنه قابل للكسر.

“موعود” لم تكن امرأة غريبة.

كانت أمي. الاسم الذي غار قلبي منه…

كان سرّ حبٍ عاش بينهما أكثر من نصف قرن.

غادرتُ البيت على عجل،

أبحث عن مكانٍ يتّسع لما يضجّ في صدري؛

لفرحي… وبكائي،

لغبطتي… وحزني.

قادَتني قدماي إلى المقبرة.

هناك…كان يرقد أبي بسلام.

وبجانبه… كانت ترقد

“موعود”.

The post حين تخون الذاكرة .. يبقى الحب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤