حين صمتت الصفّارات: ذاكرة الإنذار الغائب في لبنان
في صورةٍ أرشيفية باهتة، تظهر صفّارة إنذار مثبتة على زاوية مبنى في بيروت، كأنها عين تراقب المدينة من علٍ. تحت الصورة عنوان لافت:"صفّارات إنذار… ولا ملاجئ". عبارة تختصر مفارقة لبنانية مبكرة: وجود الأداة، وغياب النظام.

ليست صفّارات الإنذار مجرد صوت حادّ يقطع رتابة اليوم، بل هي، في جوهرها، لحظة فاصلة بين زمنين: زمن الحياة الطبيعية، وزمن الخطر. منذ نشأتها الحديثة في الحروب الكبرى، تحوّلت هذه الصفّارات إلى جزء من بنية متكاملة لإدارة الطوارئ، لا تعمل وحدها، بل ضمن منظومة تشمل الرادارات والملاجئ وخطط الإخلاء. وقد ترسّخت هذه الوظيفة خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت المدن الأوروبية تعيش تحت وقع الغارات اليومية، ولم يكن أمام السكان سوى صوت الصفّارة للاحتماء.
هل توفّرت في لبنان؟
في لبنان، لم تكن الفكرة غائبة. منذ عام 1939، بدأت ملامح نظام إنذار تتشكّل تحت مسمى "الدفاع السلبي"، قبل أن يتطوّر لاحقًا إلى جهاز الدفاع المدني بعد الاستقلال. وُضعت الصفّارات على أسطح المباني الرسمية وفي المراكز الحيوية، واعتمدت بروتوكولات واضحة للنغمات: صوت متقطّع للغارات، وآخر ثابت لزوال الخطر. لم يكن الأمر عشوائيًا، بل جزءًا من ثقافة عامة شملت التدريب الشعبي، حيث تعلّم آلاف الطلاب في الستينيات والسبعينيات كيفية الاستجابة، في ظل ما عُرف حينها بـ"ثقافة الملجأ".
غير أنّ هذه المنظومة، التي بدت واعدة في بداياتها، لم تصمد أمام اختبار الحرب. مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، بدأ صوت الصفّارات يخفت تدريجيًا، لا لأن الخطر تراجع، بل لأن الدولة نفسها تراجعت. انقطاع الكهرباء، تدمير المراكز، وتفكك المؤسسات، كلّها عوامل جعلت الإنذار المنظّم يتلاشى، ليحلّ مكانه إنذار آخر أكثر قسوة: صوت القذائف نفسها. لم يعد اللبناني ينتظر صفّارة تحذّره، بل تعلّم أن يقرأ الخطر من دويّ الانفجار.
تكرّس هذا الواقع في المحطات اللاحقة، من اجتياح 1978 إلى حرب 1982، وصولًا إلى حرب تموز 2006، حيث غابت أي شبكة إنذار وطنية منظّمة، واعتمد الناس على الخبرة المتراكمة، أو الإعلام، أو حتى الحدس. هكذا، تحوّلت صفّارات الإنذار من أداة حيوية إلى مجرّد أثر في الذاكرة.
الوثيقة الأرشيفية من "النهار" تعكس هذا التناقض بوضوح. فهي تتحدّث عن قوانين تنظّم إنشاء الملاجئ، وعن واجبات الدولة في حماية المدنيين، لكنها في الوقت نفسه تكشف فجوة بين النص والتطبيق. كانت الصفّارات موجودة، لكن البنية التي تعطيها معناها لم تكن مكتملة.
قاطيشا: فعاليّة صفارات الإنذار محدودة في لبنان
في هذا السياق، يقدّم العميد المتقاعد وهبي قاطيشا قراءة موسّعة تتجاوز البعد التقني إلى البعد العسكري البنيوي لطبيعة الحرب في لبنان. ففي حديث إلى "النهار"، يوضح أنّ "المشكلة لا تتعلق فقط بوجود صفّارات أو عدمها، بل بنوع الحرب التي يخوضها البلد". ويضيف: “في العقيدة العسكرية التقليدية، كانت الجيوش تتفادى القتال داخل المدن قدر الإمكان، لأن البيئة الحضرية تُعقّد العمليات وتحوّلها إلى استنزاف طويل، لذلك كانت المواجهات تحصل في مسارح مفتوحة نسبيًا، ما يقلّص الحاجة إلى إنذار السكان".
لكن، وفق قاطيشا، ما تغيّر اليوم هو انتقال الحرب من نموذج "جيش ضد جيش" إلى نموذج “حرب غير متماثلة"، حيث تختلط الجبهة بالمدينة، ويتداخل الهدف العسكري مع النسيج المدني، ويوضح:"عندما تتموضع القوة العسكرية داخل مناطق سكنية، أو تستخدم هذه المناطق كغطاء، تصبح المدينة نفسها جزءًا من المعركة، وهنا يفقد التمييز التقليدي بين المدني والعسكري وضوحه".
ويرى قاطيشا أنّ هذا التحوّل هو ما يفسّر تصاعد الحاجة النظرية إلى أنظمة إنذار، لكنه في الوقت نفسه يفضح استحالة تطبيقها في الحالة اللبنانية، موضحًا أنّ "صفّارات الإنذار ليست جهازًا مستقلًا، بل هي الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ بالرصد المبكر، مرورًا بتحليل التهديد، وصولًا إلى قرار إطلاق الإنذار. هذه السلسلة غير متوافرة في لبنان".
ويضيف بلهجة حاسمة: "حتى لو توفّرت الصفّارات، فإن فعاليتها تبقى محدودة جدًا بسبب العامل الجغرافي. فالمسافة بين منصات الإطلاق والأهداف قصيرة للغاية، ما يعني أن زمن التحذير قد لا يتجاوز ثوانٍ معدودة. عمليًا، قد يصل الصاروخ من إسرائيل قبل أن ينتهي صوت الصفّارة".
ولا يتوقف قاطيشا عند الجانب التقني، بل يذهب أبعد في توصيف المشهد: "في بعض الحالات، يصبح الإنذار بحد ذاته إشكالية، لأن التحذير يفترض معرفة دقيقة بمكان التهديد، وهذا غير متاح دائمًا في حروب غير تقليدية، حيث تتحرّك الأهداف بشكل غير ثابت".

هنا، يصبح السؤال أعمق من مجرّد وجود صفّارة. إنه سؤال الزمن: كم ثانية تفصل بين إطلاق الصاروخ ووصوله؟ وكم من هذه الثواني يمكن تحويله إلى فرصة نجاة؟ في الدول التي تمتلك أنظمة متطورة، قد تكون هذه الثواني كافية لإنقاذ آلاف الأرواح. أما في لبنان، فغالبًا ما تختصر المسافة كلّ شيء.
لكن صفّارات الإنذار لا تحمل فقط وظيفة تقنية، بل بعدًا نفسيًا أيضًا. في مجتمعات عاشت الحروب، يتحوّل صوتها إلى محفّز للذاكرة، يستدعي الخوف والفقدان. وربما لهذا السبب، يبدو غيابها في لبنان مزدوج المعنى: غياب تقني، وغياب نفسي، كأن المجتمع يفضّل أحيانًا ألا يسمع صوت الخطر، حتى لو كان قائمًا.

اليوم، لم تعد صفّارات الإنذار مجرد أجهزة ميكانيكية، بل أصبحت جزءًا من أنظمة رقمية متقدمة، قادرة على العمل تلقائيًا وربط التحذير بالأقمار الصناعية والهواتف المحمولة. لكن امتلاك هذه التكنولوجيا يبقى رهينة قرار سياسي. فبناء نظام إنذار فعّال يتطلب دولة قادرة، ومؤسسات منسّقة، واستثمارًا طويل الأمد في السلامة العامة، وهي شروط لا تزال بعيدة المنال في الواقع اللبناني.
رولان أبي نجم:الحرب الحديثة تُدار بالخوارزميات… ولا أحد خارج دائرة الرصد
في قراءة تقنية–أمنية للتحوّلات التي فرضتها التكنولوجيا على ساحات النزاع، يشرح المستشار في أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم كيف باتت الحرب اليوم تُخاض على مستوى البيانات قبل الميدان، مؤكدًا أنّ ما نشهده ليس سوى نتيجة طبيعية لتراكم طويل في أنظمة الذكاء الاصطناعي وقدرات المراقبة.
ويقول أبي نجم في حديث إلى "النهار" إنّ "التكنولوجيا لم تعد عنصرًا مساعدًا في الحروب، بل أصبحت في صلب بنيتها. وأبرز مثال على ذلك ما شهدناه مؤخرًا في ما يتعلّق بأنظمة الإنذار". ويضيف: "في آخر تحديث لنظام التشغيل iOS، أدخلت شركة "آبل" تعديلات جوهرية على بنية الإشعارات والتنبيهات، بحيث باتت تسمح للحكومات بإرسال تحذيرات فورية ومباشرة إلى الهواتف المحمولة في حالات الطوارئ، كإطلاق الصواريخ أو وقوع أخطار داهمة. وهذا التطوّر يُكمل منظومة صفّارات الإنذار التقليدية، لكنه يتفوّق عليها بسرعة الوصول ودقّة التوجيه".
ويشير إلى أنّ هذه النقلة تعكس كيف أصبحت الهواتف الذكية جزءًا من البنية الأمنية للدول، لا مجرد أدوات تواصل شخصية".
ويوضح أبي نجم أنّ تحديد الأهداف العسكرية لم يعد قائمًا على التخمين، بل على تحليل متكامل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، الذي تزداد دقّته كلما تضاعفت البيانات وتنوّعت مصادرها. وتشمل هذه المصادر الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، ووسائل التجسّس المرتبطة بالهواتف وإنترنت الأشياء، إضافة إلى العملاء على الأرض. تُجمع هذه المعطيات وتُحلَّل عبر أنظمة قادرة على رصد الأنماط والسلوكيات الدقيقة، ما يسمح بكشف أهداف حتى لو كانت مخفية.
ويشير إلى أنّ هذه التكنولوجيا تفسّر الضربات الدقيقة التي تستهدف أشخاصًا محدّدين من دون تدمير محيطهم. كما تلعب الأقمار الصناعية دورًا أساسيًا عبر التقاط صور متكرّرة للمواقع، ما يتيح رصد تغيّرات طفيفة تدلّ على نشاط تحت الأرض، كتصنيع الأسلحة.
ويخلص أبي نجم إلى أنّ العالم دخل مرحلة مراقبة شاملة، حيث لم يعد ممكنًا الانفصال عن أنظمة الرصد، حتى من دون استخدام الإنترنت، ما يجعل الاختباء أكثر صعوبة في حروب تُدار بالبيانات قبل السلاح.
في النهاية، لا تختصر صفّارات الإنذار مجرد صوت تحذيري، بل تعبّر عن علاقة الدولة بمواطنيها: هل تسبق الخطر لتحذّرهم، أم تتركهم يواجهونه وحدهم؟ في لبنان، لا يأتي الجواب من صفّارة تدوي، بل من صمتها. بين أرشيف يوثّق حضورها، وواقع يثبت غيابها، تبقى الصفّارات شاهدًا على نظام لم يكتمل، وعلى دولة لم تحسم بعد كيف تحمي من يعيش تحت سمائها.




