... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
286973 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6473 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

حين أسقطني الجسد نهضت المبادئ

معرفة وثقافة
إيلاف
2026/04/30 - 01:15 502 مشاهدة
على سرير المرض، حين يهدأ ضجيج العالم فجأة، ويصبح صوت الأجهزة الطبية أعلى من أصوات المعارك التي خضتها، يواجه الإنسان الحقيقة التي طالما هرب منها الآخرون: من أنت؟ حين تُسحب منك الحركة، لا الموقف؟ من تكون حين يختبرك الألم، لا التصفيق؟ وحين تنظر إلى وجهك المنهك في مرآة المستشفى، لا ترى فقط ملامح التعب، بل ترى حصيلة العمر كله، كما هو، بلا رتوش، بلا جمهور، بلا مجاملات، وأنا هنا لم أجد في داخلي رجلاً مهزوماً. وجدت ذلك الفتى الذي لم يولد وفي فمه ملعقة ذهب، بل وُلد في زمن كانت فيه النجاة نفسها مشروع قتال، وجدت الرجل الذي لم يصنع نفسه على موائد المنافقين، ولا على أبواب أباطرة المال، ولا داخل غرف التآمر الرخيصة، بل شق طريقه وسط النار والدخان والخذلان، مؤمناً أن الكرامة أثقل من الراحة، وأن المبدأ قد يكلّف كثيراً، لكنه الثمن الوحيد الذي يستحق أن يُدفع. ثلاثة وثلاثون عاماً وأكثر، وأنا أعبر الحروب لا كسائح أخبار، بل كرجل دخل إلى قلب الجحيم وعاد منه محملاً بما هو أخطر من الإصابات، عاد محملاً بالحقيقة. رأيت الموت كما لم يره كثيرون، لا في الكتب ولا في نشرات الأخبار، بل رأيته في عيون الأطفال، في ارتجاف المدن، في صمت الأمهات، وفي ارتباك الجنود قبل الطلقة الأخيرة. وحين كان البعض يبيعون المواقف حسب السوق، كنت أتعلم أن المبادئ لا تُباع، لأنها إن بيعت مرة، مات صاحبها وإن ظل يتنفس. لم أكن رجلاً بلا أخطاء، لكنني كنت، وسأبقى، رجلاً بلا أجندات. وهناك فرق شاسع بين من يخدم فكرة يؤمن بها، ومن يُستخدم كأداة في مشروع لا يشبهه. لم أكتب لأنال رضا هذا الطرف أو ذاك، ولم أقف في الميدان لأنني أعشق الظهور، بل لأنني ببساطة كنت منحازاً لما أراه حقاً، حتى لو دفعت الثمن من صحتي، وراحتي، وعلاقاتي، وحتى من صورتي أحياناً. أنا من جيل يعرف أن الوقوف وحيداً أحياناً شرف. في زمن صار فيه كثيرون يبدّلون جلودهم أسرع من تبدّل العناوين، بقيت وفياً لشيء واحد: قناعتي. دفعت ثمنها هجوماً، وتشويهاً، وخيبات، وطعنات ممن ظننتهم الأقرب، لكنني اليوم، على هذا السرير الأبيض، أستطيع أن أنظر إلى سقف الغرفة بضمير هادئ، لأنني لم أبع نفسي كي أشتري تصفيقاً مؤقتاً. هذا المرض؟ ليس النهاية. إنه مراجعة قاسية، نعم. لكنه أيضاً اختبار نادر، يذكرك بمن أنت عندما تُنتزع منك كل الزينة الخارجية. وهنا فقط فهمت أكثر من أي وقت مضى، أن الإنسان الحقيقي ليس من لم يسقط، بل من يعرف، وهو على الأرض، أن روحه ما زالت واقفة. ربما ضعفت ساق. ربما أثقل الوجه تعب عابر. ربما احتاج الجسد إلى وقت ليستعيد بعض ما فقده، لكن المبادئ؟ لم تُصب. مكامن الكرامة؟ لم تتعثر. والانحياز للحق؟ لم يفقد الإحساس. هنا تكمن المعركة الحقيقية. ليس أن تهزم المرض فقط، بل أن تمنعه من إعادة تشكيلك بصورة لا تشبهك. أن تقوم، لا لأنك تكره السقوط، بل لأن لديك ما يستحق أن تقف لأجله من جديد. أبناؤك. تاريخك. كلماتك. معاركك التي لم تُخض لأجل مصلحة ضيقة، بل لأنك آمنت دائماً أن بعض الرجال خُلقوا ليكونوا شهوداً، لا أدوات. وأنا أكتب هذه المراجعة من سرير المرض، لا أبحث عن شفقة، ولا أرتدي ثوب الضحية. أنا فقط أكتب للتاريخ الشخصي: كنت هنا، كما أردت أن أكون. قد أتعب، قد أنكسر لحظة، قد أحتاج من يسندني، لكنني لم أكن يوماً تابعاً رخيصاً، ولا بوقاً مؤجراً، ولا رجلاً يبدّل شرفه مقابل عبور مؤقت. لقد عشت كثيراً بما يكفي لأدرك أن أخطر أنواع الموت ليس توقف القلب، بل موت الفكرة، وموت المبدأ، وموت احترامك لنفسك. ولهذا، حتى على سرير المرض، ما زلت حيّاً أكثر من كثيرين يمشون بكامل صحتهم. أنا مقاتل ربما أتعبه الطريق، لكنه لم يندم عليه. وربما أرهقته المعارك، لكنه لم يخجل منها. وربما خانه بعض من حوله، لكنه لم يخن نفسه. سيقول المرض كلمته، وسأقول أنا أيضاً. وسأقولها بوضوح رجل خبر الحياة كما هي: إن كنت قد دفعت من صحتي ثمناً لمواقفي، فهذا يعني أنني عشت كما أردت، لا كما أراد الآخرون. وحين أنهض، سأعود أكثر إدراكاً، لا أكثر خوفاً. أكثر صلابة، لا أكثر مرارة. أكثر انتقاءً، لا أكثر انعزالاً. لأنَّ الرجال الحقيقيين لا تصنعهم الراحة، بل اللحظات التي يختبرهم فيها الألم، ثم يقررون، بالرغم من ذلك، أن يبقوا أوفياء لأنفسهم. أنا لست رجل أجندات. أنا رجل مبادئ، حتى لو دفع الجسد فاتورة الروح. وهذا وحده، يكفيني فخراً!
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤