... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
224014 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7789 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

هيمنة الدرون

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/20 - 10:48 501 مشاهدة


محمد بوخروبة


ليست الطائرات المسيرة مجرد اختراع عابر في سجل التكنولوجيا الحديثة، بل هي تحول نوعي أعاد رسم العلاقة بين السماء والأرض، بين من يراقب ومن يراقَب، وبين من يضغط الزر ومن يقع عليه الأثر، في صوتها الحاد الذي يشق الصمت، وفي ظلها العابر فوق المدن والحقول، تختزل الدرون سردية عصر كامل، عصر تتداخل فيه العبقرية التقنية مع هشاشة الإنسان، وتلتقي فيه وظائف الحياة مع أدوات الموت.
في بداياتها جاءت الطائرات المسيرة بوصفها امتدادًا بريئًا لحلم الإنسان القديم أن يرى من أعلى، فتحت آفاقًا غير مسبوقة أمام الصحافة والسينما والبحث العلمي والزراعة، صارت الكاميرا تحلق حيث تعجز الأقدام، وتوثق ما كان بعيدًا أو مستحيلًا، في التغطيات الإخبارية أضافت بعدًا بصريًّا جديدًا، وفي السينما صنعت جماليات مختلفة، بينما أسهمت في إدارة الكوارث ورصد الحرائق ومتابعة تغيرات البيئة، كان حضورها -آنذاك- أقرب إلى وعد تكنولوجي يخدم الإنسان ويعزز قدرته على الفهم والسيطرة..
غير أن هذا الوعد لم يلبث أن انقلب إلى معادلة أكثر تعقيدًا،فمع تسارع تطور أنظمة الملاحة الدقيقة والذكاء الاصطناعي، وجدت الطائرات المسيرة طريقها سريعًا إلى ميادين القتال، هناك لم تعد مجرد عين في السماء، بل تحولت إلى يد ضاربة، قادرة على التتبع والاستهداف والقتل، دون أن تعرض مشغلها لأي خطر مباشر، هذه النقلة لم تغير فقط أدوات الحرب، بل أعادت تعريفها، لم يعد التفوق مرهونًا بعدد الجنود أو ثقل العتاد، بل بمدى القدرة على امتلاك عين ذكية وضربة دقيقة.
في ليبيا شكلت الطائرات المسيرة أحد أبرز ملامح الصراع في سنواته الأخيرة، لم تعد السماء مجالًا محايدًا، بل تحولت إلى ساحة اشتباك مفتوحة، تدار فيها المعارك عن بعد، ضربات جوية دقيقة، استهداف لقوافل ومواقع، وتعطيل لتحركات الخصوم، كلها عناصر جعلت الدرون لاعبًا مركزيًّا في موازين القوى، والأهم من ذلك أنها نقلت القلق إلى الحياة اليومية، حيث باتت السماء مصدر ترقب دائم لا مجرد فضاء مفتوح.
وفي سوريا اكتسبت الطائرات المسيرة بعدًا أكثر تعقيدًا بفعل تعدد الأطراف الفاعلة، لم تعد حكرًا على الجيوش النظامية، بل دخلت في حوزة جماعات مختلفة استخدمتها بطرق متفاوتة، من الاستطلاع إلى الهجمات البدائية، هذا الانتشار الواسع ألغى -إلى حد كبير- احتكار القوة الجوية، وخلق نموذجًا جديدًا من الحروب مخففة الكلفة، لكنها عالية التأثير، حيث يمكن لأدوات بسيطة نسبيًّا أن تحدث نتائج كبيرة.
أما في أوكرانيا فقد بلغت الطائرات المسيرة ذروة حضورها كأداة حرب معاصرة، لم تعد عنصرًا مساعدًا، بل أصبحت في قلب الاستراتيجية العسكرية، تستخدم لتوجيه المدفعية وتعقب التحركات وتنفيذ ضربات دقيقة، بل وحتى في الحرب النفسية عبر بث مشاهد الاشتباكات بشكل فوري، هنا تتجلى الحرب بوصفها مشهدًا حيًّا تدار تفاصيله عبر شاشات، وتحسم لحظاته أحيانًا بطائرات صغيرة لا ترى بالعين المجردة، إنها حرب مرقمنة، تتداخل فيها الخوارزميات مع القرار العسكري.
وفي الشرق الأوسط خاصة في الحرب بين إيران وإسرائيل، وفي ساحات مثل لبنان وفلسطين، برزت الطائرات المسيرة كأداة ضمن ما يمكن وصفه بـحروب الظل، ليست دائمًا وسيلة لتدمير شامل، بل أداة لإرسال رسائل دقيقة، اختراقات جوية محسوبة، تحليق استعراضي واغتيالات، أو ضربات محدودة تهدف إلى تثبيت معادلات ردع جديدة، في هذا السياق تتحول الدرون إلى لغة سياسية بقدر ما هي أداة عسكرية.
غير أن أخطر ما في هذه التكنولوجيا لا يكمن فقط في قدرتها التدميرية، بل في سهولة انتشارها، لم تعد حكرًا على الدول الكبرى أو الجيوش المتقدمة، بل باتت في متناول أطراف أصغر، بل وحتى أفراد، بدرجات متفاوتة من التطور، هذا التحول يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة هجمات غير تقليدية استهداف منشآت مدنية أو استخدامات خارجة عن أي إطار قانوني أو أخلاقي، وهنا يتراجع الفاصل بين الحرب والإرهاب بين الدولة والفاعل غير النظامي.
ومع ذلك لا يمكن اختزال الطائرات المسيرة في بعدها العسكري وحده، فهي في وجهها الآخر أداة إنقاذ وبناء، في مناطق الكوارث تصل إلى حيث يعجز البشر، وتنقل صورة دقيقة تسهم في إنقاذ الأرواح، في الزراعة تتيح مراقبة المحاصيل وتحسين الإنتاج، في حماية البيئة ترصد التعديات وتتابع الحياة البرية، بل إن استخدامها في نقل الإمدادات الطبية إلى المناطق النائية يفتح أفقًا إنسانيًّا واعدًا، إنها في جوهرها تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام تحمل في داخلها إمكانات متناقضة.
هذا التناقض هو ما يجعلها قضية تتجاوز بعدها التقني لتصبح سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًّا في آن واحد، فالمسألة ليست في ما تستطيع هذه التكنولوجيا فعله، بل في كيف تستخدم، ومن يملك قرار استخدامها، وفي عالم تتسارع فيه الابتكارات بوتيرة تفوق أحيانًا قدرة القوانين على مواكبتها يصبح الفراغ التنظيمي خطرًا بحد ذاته.
إن الحاجة اليوم لم تعد تقنية، بل معيارية، كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يضع أطرًا واضحة لاستخدام الطائرات المسيرة؟ كيف يمكن حماية المدنيين في ظل سماء لم تعد خالية، بل مكتظة بأدوات قد تكون قاتلة؟ وهل يمكن تحقيق توازن حقيقي بين الاستفادة من هذه التكنولوجيا ومنع انزلاقها نحو مزيد من العنف؟
في المحصلة ليست الدرون مجرد آلة تحلق، بل هي تعبير مكثف عن روح هذا العصر، عصر تتقلص فيه المسافات وتتضاعف فيه القدرات، لكن تتعاظم معه أيضًا المخاطر، وبينما تواصل هذه الطائرات رسم مساراتها في السماء، يبقى السؤال مفتوحًا على الأرض: هل سننجح في توجيه هذه القوة نحو خدمة الإنسان، أم سنتركها تعيد تشكيل العالم وفق منطق القوة وحده؟

The post هيمنة الدرون appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤