حشرات تولد الحرارة لمقاومة التجمد في البرد القارس
كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة "نورثويسترن" (Northwestern University) الأمريكية عن آلية مذهلة تمكن "ذبابة الثلج" من البقاء نشطة في درجات حرارة تحت الصفر.
وتوصل الباحثون إلى أن هذه الحشرة الصغيرة عديمة الأجنحة لا تكتفي بتحمل البرد، بل تمتلك القدرة على توليد الحرارة داخل جسمها وإنتاج بروتينات مضادة للتجمد، في مزيج غير معتاد من التكيفات البيولوجية.
وتعيش ذبابة الثلج على سطح الثلوج، حيث تتحرك للبحث عن شركاء للتزاوج ووضع البيض، في ظروف تعد قاتلة لمعظم الحشرات الأخرى.
درجة حرارة البيئة
إلا أن هذه الذبابة تستطيع البقاء نشطة حتى عند درجات حرارة تصل إلى 6 درجات مئوية تحت الصفر، وهو ما يثير دهشة العلماء ويفتح الباب لفهم أعمق لكيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات القاسية.
ويقول المؤلف المشارك في الدراسة ماركو جاليو، أستاذ البيولوجيا الجزيئية وعلم الأعصاب في كلية "واينبرج" للآداب والعلوم بجامعة "نورثويسترن"، إن الحشرات عادة ما تكون "ذات دم بارد" وتعتمد بشكل كامل على درجة حرارة البيئة المحيطة، ما يدفعها إلى الدخول في حالة سكون عند انخفاض الحرارة. إلا أن ذبابة الثلج تتبع سلوكاً مختلفاً تماماً، إذ تفضل البيئات الباردة وتختبئ عند ارتفاع درجات الحرارة، ما يجعلها حالة فريدة في عالم الحشرات.
ولفهم هذه القدرات الفريدة، قام الفريق البحثي لأول مرة بتسلسل الجينوم الكامل لذبابة الثلج، ثم قارنه بجينومات حشرات أخرى لا تمتلك القدرة على تحمل البرد. كما حلل الباحثون الحمض النووي الريبي لتحديد الجينات النشطة التي تستخدمها الحشرة في مواجهة الظروف القاسية.
وأظهرت النتائج وجود مجموعة غير مألوفة من الجينات، وصفها جاليو، بأنها "تشبه جينات كائن فضائي" نظراً لعدم وجود تطابقات واضحة لها في قواعد البيانات العلمية.
وتبين لاحقاً أن هذه الجينات مسؤولة عن إنتاج بروتينات مضادة للتجمد، تعمل بطريقة مشابهة لتلك الموجودة لدى أسماك القطب الشمالي، حيث ترتبط ببلورات الجليد وتمنع نموها، ما يحمي الخلايا من التلف الناتج عن التجمد.
بروتينات ضد التجمد
كما اكتشف الباحثون وجود جينات مرتبطة بعمليات إنتاج الطاقة والحرارة داخل الخلايا، تشبه تلك الموجودة في الأنسجة الدهنية البنية لدى الثدييات، مثل الدببة القطبية. هذه الأنسجة تساعد الحيوانات على توليد الحرارة خلال فترات السبات، وهو ما يشير إلى أن ذبابة الثلج تمتلك آلية مشابهة على مستوى الخلايا.
وأكد جاليو أن هذه الحشرة تجمع بين استراتيجيتين تطوريتين مختلفتين، هما إنتاج الحرارة كما في الثدييات، ومنع التجمد كما في الأسماك القطبية، ما يمثل مثالاً فريداً على تطور حلول متشابهة لمشكلات بيئية مشتركة.
وللتحقق من دور البروتينات المضادة للتجمد، قام الباحثون بتعديل ذباب الفاكهة وراثياً لإنتاج أحد هذه البروتينات، ثم عرضوه لدرجات حرارة منخفضة داخل المختبر. وأظهرت النتائج أن الذباب المعدل كان أكثر قدرة على البقاء مقارنة بالذباب الطبيعي، ما يؤكد فعالية هذه البروتينات في منع التجمد.
كما أجرى الفريق تجارب لقياس درجة حرارة جسم ذبابة الثلج أثناء خفض درجة حرارة البيئة المحيطة، ووجدوا أنها تحافظ على حرارة أعلى قليلاً من المتوقع مقارنة بحشرات أخرى، دون وجود أي دليل على الارتعاش، ما يشير إلى أن إنتاج الحرارة يتم على المستوى الخلوي.
وكشفت الدراسة أيضاً أن ذبابة الثلج أقل حساسية للألم الناتج عن البرودة مقارنة بحشرات أخرى، إذ تبين أن أحد البروتينات الحسية المسؤولة عن استشعار المؤثرات الضارة أقل حساسية بنحو 30 مرة مقارنة بما هو موجود لدى البعوض أو ذباب الفاكهة، ما يسمح لها بتحمل ظروف قاسية دون تعطل وظائفها الحيوية.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج لا تساهم فقط في فهم كيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات المتطرفة، بل قد تفتح المجال أمام تطوير تقنيات جديدة لحماية الخلايا والأنسجة والمواد من أضرار البرودة، وهو ما قد يكون له تطبيقات في مجالات الطب الحيوي والتخزين الحيوي.
ويخطط الفريق البحثي لمواصلة دراسة آليات إنتاج الحرارة لدى هذه الحشرة، بالإضافة إلى استكشاف المزيد من البروتينات المضادة للتجمد لديها، لمعرفة ما إذا كانت كائنات أخرى تستخدم استراتيجيات مشابهة للبقاء في الظروف القاسية.







