"هرمز" انتهى… والآن الدور على "ملقا"

برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
نمرّ بمرحلة أصبح فيها كل ما كان يبدو مستحيلًا في السياسة العالمية والإقليمية ممكنًا. فالأزمة التي فجّرتها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز لم تعد إجراءً مؤقتًا، بل تتحول إلى واقع دائم. بل إنها تتحول إلى تطبيق قاتل سيشكّل سابقة لممرات الطاقة والتجارة الأخرى مثل ملقا، وتايوان، وباب المندب، وجبل طارق، ودوفر، ومضيق كوريا، وقناة بنما.
لم يعد أحد يتحدث الآن عن تغيير النظام في إيران أو عن إنتاج الصواريخ. فجدول الأعمال بات ينشغل، في شروط التفاوض والاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أكثر بمضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات. ويبدو أنه سيتم قريبًا التوصل إلى تفاهمات بشأن سائر الملفات، ولن يبقى سوى هرمز.
بل إن أزمة هرمز مرشحة للانتشار إلى المضائق الأخرى، لتؤدي دور حجر الدومينو في تشكيل وضع عالمي جديد أو فوضى عالمية جديدة.
وهناك استعدادات لذلك. لأن أزمة هرمز لم تكن مؤثرة بالقدر الذي قيل أو خُطط له. فهي لم تُحدث بعد الأثر التدميري الذي كانت الولايات المتحدة تنتظره.
فعند مقارنتها بالغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أو بالأزمة المالية عام 2008، يتبين أن أسعار النفط ما تزال ضمن مستويات يمكن تحملها رغم مشكلة هرمز.
فبسبب أزمة هرمز، يجري ضخ 14 مليون برميل نفط أقل إلى السوق. ومع ذلك، يبلغ سعر البرميل نحو 116 دولارًا. أما سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة فيدور حول 4.39 دولارات.
في حين أن أزمة أوكرانيا كانت قد دفعت أسعار النفط إلى 120 دولارًا رغم أن الانخفاض في الإمدادات لم يتجاوز 3 ملايين برميل. أما في الأزمة المالية عام 2008، فقد أدى تراجع الإمدادات بمقدار 8 ملايين برميل إلى ارتفاع سعر النفط حتى 140 دولارًا.
وفي أزمة هرمز، التي يتزايد خطر تأثيرها العميق على سلسلة الإمداد الغذائي العالمية وإنتاج الأسمدة والبتروكيميائيات الأخرى، لم ترتفع أسعار النفط إلى مستوى الأزمتين السابقتين رغم الانخفاض الهائل في الإمدادات.
لماذا؟ تُطرح أسباب عديدة. ومن أبرز العوامل: الانكسار في مفارقة العرض والطلب، وزيادة إنتاج النفط خارج منطقة الخليج، وضخ النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية إلى السوق، وتشبع السوق بالنفط قبل الأزمة. إذ يُذكر أنه عند اندلاع الأزمة كان هناك 580 مليون برميل نفط مخزنة في الناقلات والمستودعات عالميًا. أي إن السوق كانت تعاني أصلًا من فائض في المعروض قبل الحرب. كما ساهم رفع الولايات المتحدة العقوبات عن النفط الروسي والإيراني، إضافة إلى تراجع الطلب العالمي، في ذلك.
فبعد أزمة هرمز، حدث انخفاض في الطلب بمقدار 4 ملايين برميل. وعندما نضيف إلى ذلك قيام روسيا والولايات المتحدة وجهات أخرى بتفعيل احتياطياتها النفطية الاستراتيجية وضخ 8 ملايين برميل إضافية إلى السوق، نرى أن 12 مليون برميل من أصل 14 مليون برميل من العجز الناتج عن هرمز قد جرى تعويضها.
أي إن الصدمة الناتجة عن أزمة هرمز تقتصر فعليًا على نقص قدره مليونا برميل فقط. وأكبر المتضررين من ذلك هم دول الخليج المنتجة للنفط والدول الآسيوية المستوردة له. وبالتالي، فإن المشكلة الأساسية في أزمة هرمز ليست نقص النفط بحد ذاته، بل أزمة الإمداد التي يثيرها هذا النقص.
ولهذا، فإن الجانب المخيف في خطوة الولايات المتحدة المتعلقة بهرمز يكمن في قدرتها على إشعال أزمة تجارية أوسع من مجرد أزمة طاقة. والهدف الأساسي لهذه الأزمة التجارية والطاقة الجديدة هو الصين. كما تشمل الاستهدافات حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين الذين يعارضون التصميم العالمي الجديد الذي تسعى إليه واشنطن، إضافة إلى القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وآسيا التي ترفض استراتيجية تطويق بكين.
ولهذا، فإن الدور القادم سيكون لأزمات جديدة في طرق التجارة والطاقة، تُعد امتدادًا لأزمة هرمز، لكنها أكثر تأثيرًا وأكثر قدرة على إلحاق الألم والدمار على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، تقود جميع الطرق في الصراع العالمي الجديد إلى الصين. ففي الوقت الذي يتركز فيه اهتمام العالم على هرمز، يجري في الخلفية تنفيذ مشاريع أكثر فوضوية. وفي هذا الإطار، يُخطط لتطبيق حصار على الصين عبر مضيق ملقا، شبيه بذلك الذي فُرض على إيران في هرمز.
وبمعنى ما، يُتوقع أن تنتقل الولايات المتحدة، بالتوازي مع هرمز، إلى استراتيجية «حصار بحري عالمي» متكاملة تستهدف ملقا، الذي يُعد الشريان الاقتصادي للصين.
بل إن مسار الأحداث يشير بالفعل إلى ذلك. لأن خطر تصاعد أزمة هرمز وانتقالها إلى مضائق أخرى يزداد يومًا بعد يوم.




