حركة "فتح" من الغبار العظيم إلى طريق الخلاص
سبع حلقات، يقدّم المتوكل طه من خلالها رؤيته حول الصخب الدائر حول حركة فتح. ففي الحلقة الأولى: قراءة نقدية جريئة لمسيرة حركة فتح، منطلقًا من موقف فكري يرفض تواطؤ النصّ مع السلطة، ويؤكد أن دور المثقف الحقيقي هو النقد والمساءلة، لا التبرير والتجميل. ويشدّد على ضرورة بقاء الكاتب مستقلًا، متشككًا، عابرًا للحدود، وفق رؤية أخلاقية تستلهم أفكار إدوارد سعيد وأدورنو.
ينتقل الكاتب إلى مراجعة تجربة حركة فتح بعيدًا عن الشخصنة، معتبرًا أن فتح شكّلت في بداياتها رافعة المشروع الوطني الفلسطيني، بفضل عقيدتها التحررية واعتمادها الكفاح المسلح، ما منحها المصداقية والقدرة على الفعل. غير أن هذه المسيرة اصطدمت مبكرًا باستهداف عربي وغربي وصهيوني، دفع الثورة الفلسطينية تدريجيًا نحو التفاوض المجرد من عناصر القوة، وأدخل القضية الفلسطينية في مربع الحصار والتفتيت الجغرافي والسياسي
يشير طه إلى تفكك المشروع الوطني وتباين أولويات الفلسطينيين بين الشتات، وداخل أراضي 1948، وفي أراضي 1967، مع تعقّد المشهد في غزة والقدس، رغم نجاح الشعب الفلسطيني في الحفاظ على هويته الوطنية ومنظمة التحرير كإطار سياسي جامع
ويحدّد الكاتب ثلاثة أخطاء استراتيجية كبرى: فقدان التمثيل المرتكز على شرعية المقاومة، الدخول في التفاوض مع التخلّي عن أدوات الكفاح، والتحوّل بعد الخروج من بيروت من مواجهة التطبيع إلى توظيفه. كما يعدد أخطاء أخرى، أبرزها إضعاف الوحدة الوطنية، تحويل المؤقت إلى دائم، تضخيم الإنجازات الرمزية، وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال
ورغم كل ذلك، يرى طه أن حركة فتح ما زالت القوة الأقدر على تجديد المشروع الوطني، شرط أن تعيد تعريف ذاتها، وتتحرر من قيود الاتفاقيات ومن الارتباط بالسلطة التي تحولت – برأيه – إلى عائق أمام التحرير، وأسهمت في جعل الاحتلال أقل كلفة واستقرارًا.
ويخلص إلى أن مشروع السلطة بصيغته الحالية قد فشل ووصل إلى طريق مسدود، محذّرًا من الاستمرار في الوَهم السياسي، ومؤكدًا أن الصمت شراكة في المسؤولية عن المصير القاتم، وأن استعادة فتح لدورها الثوري شرط أساسي لإحياء نظرية التحدي والبقاء الفلسطيني.
أما مختصر الحلقة الثانية؛ فَيركّز المتوكل طه على دور المثقفين والكوادر الفكرية داخل حركة فتح، منتقدًا عجزهم عن تشكيل تيار فكري مؤثّر قادر على مواجهة تخريب الوعي الجَمعي الذي يمارسه الاحتلال وأدواته. ويرى أن غياب هذا الدور أسهم في تمرير ثقافة التعايش مع المحتل، بدل ترسيخ الوعي المقاوم بوصفه شرطًا أساسيًا للتحرير.
ويؤكد الكاتب أن الثورة الحقيقية تبدأ ببناء وعي جمعي متين، وأن استهداف التعليم والثقافة ليس عرضيًا، بل يهدف إلى تفكيك الهوية الوطنية واستبدالها بانتماءات قبلية ضيقة تقوم على الطاعة والعصبوية، لا على الوعي الحرّ. ويعتبر أن تحويل فتح إلى “قبيلة” هو آلية استخدمتها فئات متنفذة للاختباء خلف الحركة ومصادرة إرادتها، مقدّمةً مصالحها الخاصة على مصلحة فتح والمشروع الوطني.
ويدعو طه إلى مؤتمر فتح الثامن بوصفه محطة ضرورية للمكاشفة، وعلى رأس مهامه الاعتراف الصريح بفشل مشروع التسوية وتحميل القيادة مسؤولية إنزاله عن كاهل الشعب الفلسطيني، والعودة إلى منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جامع واستعادة الوحدة الوطنية.
وفي مقارنته بين مفهومي التحرير والتسوية، يرى أن انتقال فتح من شعار “لا صلح ولا تفاوض” إلى الاعتراف والتطبيع جرى دون ثمن حقيقي، وأدّى إلى إضاعة مشروعي التحرير والدولة معًا، وتحويل التسوية إلى فخ يهدد منجزات الثورة وتضحيات الشعب، في ظل غياب إرادة جادة للتغيير واستمرار النخب في التمسك بالسلطة.
ويؤكد أن فتح ما تزال ضرورة وطنية كبرى، وأن إصلاحها شرط لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني، لكنها تحتاج إلى نقد ذاتي شجاع يعترف بالأخطاء الكبرى، وفي مقدمتها التنازل عن الأرض والثوابت، تفشي الفساد، الارتهان للسلطة، وغياب المأسسة والرؤية السياسية.
ويخلص طه إلى أن تداخل فتح مع السلطة أفقدها هويتها ومصداقيتها، وأن استنهاضها يتطلب هامش استقلال حقيقي عنها، وثورة داخل الثورة، تعيد لفتح دورها كحركة تحرر وطني تقود المقاومة، وتتحرر من أوهام التسوية، لتعود إلى جوهرها الأول: مشروع التحرير.
وتناقش الحلقة الثالثة جدلًا فكريًا شائعًا داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، يرى أن أي حركة تعمل تحت الاحتلال محكومة بالعجز أو الانزلاق نحو الهاوية، ليواجه المتوكل طه هذه المقولة بالنقد والتحليل، داعيًا إلى مراجعة عميقة لمسار حركة فتح بدافع الحرص والانتماء، لا الخصومة، وضرورة إيقاف التدهور المتسارع في دورها الوطني.
يركّز الكاتب على اتفاق أوسلو بوصفه مجازفة تاريخية كبرى دخلتها فتح دون إعداد كافٍ أو خطة بديلة، ففشلت في حماية بنيتها وهويتها كحركة تحرر وطني. ويعتبر أن القيادة انشغلت بالسلطة والحكم أكثر من تفكيك الاتفاق وشروطه، ما أدى إلى تهميش النظام الأساسي للحركة، والارتهان لمنطق التسوية، والخلط الخاطئ بين استراتيجية السلام والثورة، فخسرت فتح أدواتها الكفاحية دون أن تحقق سلامًا أو إنجازًا حقيقيًا.
يعدد طه نتائج هذا المسار، ومنها: إضعاف منظمة التحرير لصالح السلطة، قطع الصلة مع العمق العربي والجماهيري، نشوء طبقة مستفيدة، تفكيك الكوادر، تفشي الفساد، غياب الثقافة الفتحاوية الثورية، الاعتماد على المساعدات المشروطة، والاكتفاء بإنجازات رمزية، ما أدى إلى ابتعاد الجماهير وفقدان فتح لشرعيتها الثورية والانتخابية.
كما ينتقد تحوّل فتح، بفعل قيادتها المتنفذة، من حركة تحرر إلى نخبة سياسية أمنية، منخرطة في مشاريع إقليمية ودولية، وتفككها الداخلي بفعل المال السياسي والتيارات المرتبطة بأجندات متعارضة، إضافة إلى ترهل الهياكل التنظيمية وغياب الرؤية والكاريزما، ما انعكس سلبًا على الصورة الفلسطينية ككل.
ويخلص الكاتب إلى أن فتح تواجه حقائق صادمة: سقوط حلّ الدولتين، خطر الأبارتهايد في حلّ الدولة الواحدة، تصاعد عنف المستوطنين، تفكك الفصائل الفلسطينية، غياب الدعم الدولي والعربي، وأزمات داخلية خانقة سياسية واقتصادية واجتماعية. وفي ظل هذه الوقائع، يطرح السؤال الجوهري: أين تقف فتح اليوم، وهل تمتلك رؤية شاملة، واقعية، وقادرة على مواجهة المرحلة القادمة وإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني؟
وتتناول الحلقة الرابعة التحوّلات العميقة التي أحدثها اتفاق أوسلو في المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، مبيّنةً التناقض الحاد بين المسارين؛ إذ أسهمت فتح، تحت ثقل اللحظة التاريخية، في دفع المجتمع الفلسطيني نحو القبول بتقسيم الوطن ومخرجات “الشرعية الدولية”، بينما اتجه المجتمع الإسرائيلي، وخصوصًا اليمين المتطرّف، إلى مزيد من الرفض والتوحّش والاستيطان والقتل، حتى ذابت الهوامش اليسارية داخله. ويخلص الكاتب إلى أن أوسلو جعل المجتمع الفلسطيني قبوليًا، والمجتمع الإسرائيلي رافضًا بالكامل، ما يؤكد عجز إسرائيل البنيوي عن صنع السلام.
وينتقد طه الدور الغربي الذي روّج داخل المجتمع الفلسطيني لثقافة القبول والتطبيع عبر الدعم المالي وصناعة النخب، دون أن يطالب المجتمع الإسرائيلي بالمثل، ما ساهم في تصاعد التطرّف الإسرائيلي. كما يبيّن أن الالتزام الفلسطيني بـ”الواجبات الأمنية” لم يُقابل بأي التزام إسرائيلي، بل بمزيد من الابتزاز والمطالب بالتهدئة والتنازلات، بعد تدمير غزة وتوسيع الاستيطان.
ويشير إلى أن فتح وقعت في مأزق الجمع بين “منجز السلطة” و”منجز التحرر الوطني”، فخسرت الاثنين معًا: لم تحمِ السلطة التي هي خيار دولي أكثر منها إنجازًا وطنيًا، وفقدت ثقة جمهورها في لحظة مفصلية. كما ينتقد المؤتمَريْن السادس والسابع لفتح، لما شابهما من ارتجال وشعبوية وغياب المراجعة والمحاسبة، وتراجع دور الأطر التنظيمية، وتأثير الجغرافيا ومراكز القوى في القرار.
يؤكد الكاتب أن مستقبل فتح يتوقف على طبيعة نقاشاتها القادمة: هل ستكون تملّقًا وتصفيقًا، أم حوارًا جادًا ينتج قرارات جامعة؟ ويدعو إلى استعادة القيم المؤسسة لفتح: التعددية، الحرية، الاستقلالية، والتضحية، محذرًا من أن الاستقطابات ستقود إلى تقاسم النفوذ بدل استنهاض الحركة.
ويرى طه أن فتح، رغم تفسّخها الراهن، تمتلك قدرة كامنة على النهوض إذا توفّر شرطان أساسيان: توجيه البوصلة نحو القدس، وإشاعة العدل داخل الحركة. ويحمّل القيادة الحالية المسؤولية الأساسية عن التصدّعات والتكلّس، داعيًا إلى فتح باب النقد والمحاسبة، وتمكين الشباب والمرأة والديمقراطية الحقيقية.
ويطرح مفهوم “الكتلة التاريخية” كمدخل لإنقاذ فتح، أي نواة مقاومة أخلاقية وفكرية قادرة على تجديد الحركة، محذرًا من استمرار الغيبوبة القيادية وغياب مبدأ الثواب والعقاب. ويخلص إلى أن البؤس الوطني الفلسطيني مرتبط ببؤس حركة فتح، مع التأكيد أن الاحتلال عامل أساسي، لكن السؤال الجوهري يبقى: أين دور فتح في الردّ، وبناء الفعل المقاوم القادر على الصمود والوحدة والإنهاض؟
وتمثّل الحلقة الخامسة خلاصة نقدية وبرنامجًا عمليًا لإعادة بناء حركة فتح، ينطلق فيها المتوكل طه من قناعة راسخة بأن فتح حركة عظيمة تستحق البقاء والدفاع عنها، حتى وإن استدعى ذلك نقدًا جارحًا بقصد المداواة لا الهدم.
يطرح الكاتب مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها ضرورة إعادة تعريف فتح كحركة نضالية تقود المشروع الوطني، لا كتنظيم تابع للقائد أو غارق في السلطة، واستمداد شرعيتها من برنامج التحرير لا من منجزات الحكم. كما يشدد على حسم علاقتها بالسلطة ومنظمة التحرير، وتحديد ما إذا كانت حركة تحرر وطني أم حزب سلطة، أو محاولة فاشلة للجمع بين النقيضين.
ويدعو طه إلى القضاء على ظواهر النفوذ والمال والتيارات والوجاهات، ومعالجة أزمة الأجيال والجهويات، عبر المكاشفة والمحاسبة العادلة، مقرونتين بقيم الأخوّة النضالية، وإعادة هيكلة الحركة تنظيميًا من القاعدة إلى القمة، عبر صيغ بنيوية جديدة تتلاءم مع اللحظة التاريخية، بدل الأطر القديمة التي أثبتت هشاشتها.
ويؤكد أن إصلاح فتح هو المدخل لإصلاح الحالة الوطنية عمومًا، لما لذلك من أثر على الفصائل الأخرى وعلى الوحدة الوطنية، داعيًا إلى بناء أطر ثقافية وإعلامية وتربوية حيوية، تصل القاعدة بالقيادة، وتوحّد الخطاب والموقف. كما يشدد على تحرر فتح من أي استطالات احتلالية أو ارتهانات، مع التمسك بعمقها العربي والإسلامي بوصفه بعدًا حضاريًا جامعًا لا نكوصًا قطريًا.
يحذّر الكاتب من خطر التفكك واللامبالاة، داعيًا إلى جعل الحوار، وحده، أداة إدارة الخلاف داخل فتح، ومنع فرض الأجندات الجاهزة أو تهميش الآراء المختلفة. ويرى أن فتح تواجه مشروعًا إقليميًا يسعى إلى تفريغها من محتواها وتحويلها إلى أداة هامشية، ما يجعلها أمام امتحان وجودي: إما استعادة روحها الأولى، أو السقوط في الفراغ والتلاشي.
ويشدد طه على أن الاعتراف بالأخطاء شرط للإنقاذ، وأن غياب الفروق بين المقاوم والمفاوض في زمن الهزيمة دليل أزمة عميقة تتطلب التروي والدقة في الحسم والمصطلحات. ومع ذلك، يؤكد أن جذوة فتح لم تنطفئ، وأنها قادرة على النهوض إذا تحررت من الامتيازات والحمولات الزائدة، وعادت إلى جوهر التضحية.
ويختم بتشخيص التحديات الكبرى أمام فتح، ومنها: شيخوخة الخطاب والقيادة، الإفساد الممنهج، الارتهان للسلطة، الأزمة البنيوية والتنظيمية، وتشتت الخطاب السياسي. ويدعو إلى تحكيم النظام الداخلي، وإنهاء سياسات الإقصاء والتهميش، ومنع تعدد القوائم الفتحاوية في الانتخابات، باعتبارها تعبيرًا عن أزمة داخلية يجب معالجتها لا إنكارها.
وتبقى الرسالة المركزية للحلقة: فتح لا تزال قادرة على الانبعاث والانتصار على أزمتها الذاتية، شرط امتلاك الشجاعة للاعتراف، والقدرة على التغيير، والإرادة للعودة إلى دورها كقوة تحرر وطني تقود الشعب نحو الوحدة والحرية.
يناقش المتوكل طه في الحلقة السادسة طبيعة ما سُمّي بـ«السلطة الوطنية الفلسطينية»، معتبرًا أنها ليست سلطة وطنية حقيقية، بل كيان إداري مفوّض من الاحتلال، يعمل ضمن ولاية محدودة منحها المحتل بقوة الأمر الواقع، وليس استنادًا إلى الشرعية أو إرادة الشعب. ويرى أن قبول هذا التفويض شكّل إضفاءً غير مباشر للشرعية على الاحتلال، وأبقى السلطة عاجزة عن ممارسة حكم فعلي أو سيادي.
يوضح الكاتب أن البنية الديمقراطية الفلسطينية معطّلة وغير مكتملة، إذ لا توجد سلطة تشريعية حقيقية، ولا تنفيذية مستقلة، ولا ولاية قضائية شاملة، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض والحدود والموارد والأمن. كما ينتقد مفهوم «الأمن الوطني» الذي اختُزل إلى وظيفة أمنية محدودة تخدم الاحتلال، في الوقت الذي يفتقد فيه الفلسطينيون الحماية، رغم تضخم موازنة الأجهزة الأمنية.
ويتناول النصّ حالة الالتباس السياسي التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني، نتيجة تراجع الاعتماد على المرجعيات الأساسية للحقوق الفلسطينية، وهي الحق التاريخي والشرعية الدولية، ما أتاح للاحتلال منازعة الفلسطينيين على الرواية والحق القانوني، وتحويل القضية من أرض محتلة إلى «أرض متنازع عليها». كما ينتقد تخبط الأداء السياسي، وخاصة في ملف المفاوضات، وغياب استراتيجية وطنية واضحة تحكم القرار الفلسطيني.
ويرى الكاتب أن المجتمع الفلسطيني تعرّض لإعادة تشكيل قسرية أبعدته عن جوهر الصراع مع الاحتلال، من خلال تضخيم الدور المدني على حساب النضال الوطني، وإغراقه في هموم معيشية وتنظيمية، ما أدى إلى مصادرة طاقات الشعب والفصائل والجماهير العربية والداعمين الدوليين، وخلق حالة من الاغتراب والإحباط وتآكل المناعة الأخلاقية والوطنية.
ويخلص المتوكل طه إلى أن الخروج من هذه الحالة يتطلب أولوية قصوى للوحدة الوطنية والمصالحة الصادقة، وإعادة تعريف المهمة الأساسية للشعب الفلسطيني بوصفها مهمة تحرر وطني لا إدارة حكم منقوص. ويدعو إلى بناء رؤية استراتيجية جديدة، تستند إلى المرجعيات الدولية، وتحرر السلطة من قيودها، أو تعيد توظيفها في خدمة مشروع التحرير، مع تطوير أدوات النضال وفتح اشتباك سياسي شامل مع الاحتلال في كل ميادين الحياة، ورفض قمع الرأي النقدي تحت ذرائع المصلحة الوطنية.
ويتناول المتوكل طه في الحلقة السابعة إشكالية إصلاح حركة فتح، مشككًا في إمكانية تحقيق إصلاح حقيقي بالآليات التقليدية، نظرًا لغياب ثقافة المراجعة والنقد والتجاوز داخل الحركة، وكونها إطارًا وطنيًا فضفاضًا يحمل سمات “العشيرة” أكثر من كونه تنظيمًا مؤسسيًا حديثًا. ويرى أن العمل تحت شرط الاحتلال يجعل أي إصلاح داخلي معقّدًا ومحاصرًا، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن غياب الإصلاح لا يمكن تبريره إلى ما لا نهاية. ويطرح الكاتب تساؤلات حادة حول أسباب تعثّر الإصلاح:
هل فتح مختطفة من فئة ضيقة؟ أم أن غياب الرؤية والقرار هو السبب؟ ويشير إلى أن كثرة الدراسات والمبادرات الإصلاحية لم تلقَ آذانًا صاغية من القيادة، ما خلق حالة من الإحباط والتذمر، وفتح الباب أمام الشائعات والانفلاش التنظيمي، مع التحذير من خطورة دفع الغاضبين إلى تشكيل تيارات جديدة تعمّق التفتيت.
ينتقد طه اعتماد القيادة على منطق القبيلة، والترهيب والترغيب، والاصطفافات الجاهزة، محذرًا من “كارثة فتحاوية” إذا استمر الجمود، سواء عبر الانهيار الذاتي أو إعادة هندسة الحركة من الخارج وفق مصالح قوى أخرى. كما يلفت إلى غياب هوية فكرية وسياسية ثابتة لفتح، وتحول “الثوابت” عبر الزمن، ما منحها مرونة عالية، لكنها أفقدها التماسك والوزن التنظيمي.
ويؤكد أن فتح اليوم ليست فتح الانطلاقة، ما يستوجب إعادة تعريف ذاتها للإجابة عن أسئلة جوهرية: سؤال التحرير، وسؤال علاقتها بالسلطة، وسؤال بنيتها وهيكلها ومضمونها السياسي والفكري، خاصة في ظل تصاعد الاستيطان، والعدوان، والأزمات الاقتصادية، وانسداد الأفق الوطني.
وينتقد الكاتب خيار “النأي بالنفس” عن المواجهة، معتبرًا أنه حوّل الحركة إلى ضحية صامتة، بلا خطاب سياسي يشرح للناس القرار ويمنع انتشار الشكوك. كما يرفض الاكتفاء بإصلاحات شكلية أو إنجازات انتخابية محدودة تُقدَّم كنجاحات كبرى.
ويقترح مخرجًا عمليًا يتمثل في قرار شجاع من القيادة بفتح حوار جاد ومحدّد زمنيًا، ومحاسبة حقيقية، وتشكيل لجنة موسّعة من شخصيات فتحاوية مستقلة تقود مسار الإصلاح، مؤكدًا أن المسؤولية تقع حصريًا على اللجنة المركزية والمجلس الثوري.
ويختم طه بالتأكيد أن المواجهة مع الاحتلال هي العامل القادر على توحيد فتح واستعادة حيويتها، لا انتظار المعجزات، داعيًا إلى شحذ الإرادة، وتفعيل أدوات الاشتباك السياسي والحضاري، لأن الجمود سيؤدي حتمًا إلى الانفجار أو فرض أجندات الآخرين على الحركة.





