⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم●⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر●⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم●
AI اقتراحات ذكية
AI مباشر
334265مقال221مصدر نشط38قناة مباشرة4784خبر اليوم
آخر تحديث:منذ ثانية
حرب متوقعة ودولة غائبة.. كيف تُرك نازحو لبنان لمواجهة مصيرهم؟
شهدت خارطة النزوح في لبنان تحولاتٍ دراميةً بدأت مع “حرب الإسناد” في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023؛ حيث سجلت الموجة الأولى نحو 113 ألف نازح حتى منتصف سبتمبر/أيلول 2024، تركزوا أساسًا في الأقضية الحدودية كصور وبنت جبيل ومرجعيون، واعتمدوا في إيوائهم على شبكات القرابة والأصدقاء دون أن يشكلوا عبئًا مباشرًا على الإدارة الحكومية.
إلا أن المشهد ازداد قسوةً في الموجة الثانية بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، مع توسع الغارات لتشمل البقاع والضاحية وجبل لبنان؛ ما رفع أعداد النازحين إلى قرابة مليون و400 ألف شخص. وصولًا إلى الموجة الثالثة والحالية في مارس/آذار 2026، التي اتسمت بالنزوح الكلي وتحول مدن كبرى إلى “مدن أشباح” نتيجة سياسة “الحزام الأمني” والقصف السجادي؛ فاندفعت الكتل البشرية نحو صيدا وإقليم الخروب وبيروت وجبل لبنان، ليبلغ إجمالي النازحين المسجلين منذ تصعيد الثاني من مارس الأخير أكثر من مليون و300 ألف شخص، وقفًا لبيانات وحدة إدارة مخاطر الكوارث في الحكومة اللبنانية.
عودة بلا استقرار: نزوح يتكرر واستنزاف لا ينتهي
بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، عاد أغلبية النازحين إلى قراهم وبلداتهم في شمال نهر الليطاني، وباشروا إعادة ترتيب حياتهم خاليي الوفاض إلا مما قدّمه لهم حزب الله في السنة الأولى من مساعدات بلغت حسب تصريحات أمينه العام نعيم قاسم، 77 مليون دولار لمساعدتهم على إعادة ترميم بيوتهم أو استئجار منازل بديلة في مناطقهم، إلا أن واقع الحال وحتى اندلاع الحرب الحالية كشف عن بقاء كتلة بشرية ضخمة بعيدة عن ديارها قسرًا.
تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 124 ألف نازح داخلي عجزوا عن استعادة حياتهم الطبيعية نتيجة استمرار التوغل الإسرائيلي في القرى الحدودية، والذي يندرج ضمن سياسة العرقلة الممنهجة، والتي تهدف إلى فرض “منطقة عازلة” بحكم الأمر الواقع عبر الغارات المستمرة التي لم تتوقف، بالإضافة إلى استهداف إسرائيل كل شركات إعادة الإعمار في الجنوب، معلنةً أنّه يمنع عودة الحياة الى الشريط الحدودي بسبب النية الاسرائيلية تحويله إلى منطقة عازلة محاذية لمستوطناتها الشمالية؛ ما حوّل النزوح من حالة استثنائية مؤقتة إلى واقع قسري أبقى على شريحة واسعة من النازحين في الأماكن التي قصدوها خلال الحرب.
أما من استطاعوا العودة إلى مناطق شمالي الليطاني، والتي تُعدّ ضمن الأماكن الآمنة؛ فإن بيوتهم التي رممّوها أضحت عرضة للاستهداف من جديد بسبب الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، والتي كانت تستهدف منازل ومبانيَ تحت ذريعة وجود أسلحة أو بنية تحتية لحزب الله.
مع موجة النزوح الحالية، تفاقمت معاناة النازحين؛ فأكثر من نصفهم لم يجدوا مأوى في مراكز الإيواء الحكومية، واضطروا إلى ارتياد خيارات سكنية مكلّفة تستنزف قدراتهم المادية
وهكذا عاد هؤلاء لمواجهة واقع مأساوي غير متوقّع بعد أن استنزفوا مدخراتهم وأصولهم، أو بمساعدة الأقارب والاستدانة خلال جولات النزوح الأولى وخلال إعادة الترميم، ناهيك عن توقف العجلة الاقتصادية في مناطقهم المدمرة وتراجع مداخيل العائلات المعتمدة على الأعمال الحرّة، وجدوا أنفسهم في دوامة متكررة من إعادة البناء والتدمير؛ في ظل غياب تام للمساعدات الحكومية.
في حديثها لـ “مواطن”، تروي “حلا”، النازحة من بلدة الكفور في قضاء النبطية فصول معاناتها قائلة: “حين عدنا إلى منازلنا بعد وقف إطلاق النار، وجدت زجاج بيتي محطمًا بالكامل، والغبار الأسود الناتج عن الغارات يغطي الأثاث، ومن خلال المساعدة التي قدمها حزب الله رممّت ما يمكن إصلاحه. لكن الاستقرار لم يدم؛ إذ أغار الطيران الإسرائيلي مجددًا على منزل جيراني خلال فترة وقف إطلاق النار، مما ألحق ببيتي أضرارًا جسيمة تفوق المرة السابقة؛ فنزحتُ مع زوجي وأطفالي الثلاثة لنتشارك شقة واحدة مع عائلتين بمجموع عشرين شخصًا، وهي تجربة قاسية لا تحتاج وصفًا أو شرحًا. وبعد أن استدنت المال من شقيقتي لترميم البيت للمرة الثانية، اندلعت الحرب من جديد في الثاني من آذار؛ فنزحتُ مجددًا من مكان إلى آخر، وقضينا يومين نبحث عن بيت بإيجار مقبول في بيروت دون جدوى، حتى انتهى بنا المطاف في منزل إحدى صديقاتي”.
تجار الأزمات: أرباح خيالية على حساب النازحين
مع موجة النزوح الحالية، تفاقمت معاناة النازحين؛ فأكثر من نصفهم لم يجدوا مأوى في مراكز الإيواء الحكومية، واضطروا إلى ارتياد خيارات سكنية مكلّفة تستنزف قدراتهم المادية؛ حيث وقع الكثيرون فريسة لاستغلال يفرضه “تجار الأزمات” في سوق الإيجارات وتكاليف الطاقة والغذاء. وتروي “منتهى” لـ”مواطن”، وقد نزحت إلى إحدى بلدات المتن الجبلية، فصلًا من هذا الشتات قائلة: “استأجرت منزلًا قديمًا بـ 600 دولار، لكنني وجدت نفسي مضطرة لإصلاح كل شيء فيه؛ فقد كان مهجورًا لسنوات، وأنفقت مبالغ إضافية على صيانة البراد والغسالة ومدّ شبكات الإنترنت وتأمين المياه والكهرباء”. ولم تقتصر الأعباء على السكن فحسب؛ بل شملت تأمين الدفء في ظل طقس جبلي لا يرحم؛ حيث تضيف: “اضطررت لشراء الحطب لأن الأطفال لا يحتملون البرد القارس”. ورغم كل هذه المشقات والشروط المجحفة، لم تجد “منتهى” بديلًا متاحًا، مختتمةً بشعور يمزج القهر بالامتنان: “الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا”.
تبرز قصة “سلوى”، النازحة من بلدة البابلية، وجهًا آخر لاستنزاف مدخرات العائلات النازحة التي وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى أحد فنادق منطقة الحمرا ببيروت، عقب أوامر الإخلاء التي طالت الضاحية الجنوبية. تقول سلوى لـ”مواطن”: “ندفع 70 دولارًا يوميًا مقابل غرفة واحدة، ومع ذلك نعيش تحت قيود صارمة تمنعنا حتى من استقبال الضيوف”.
لم يكن خيار الفندق ترفًا بالنسبة لسلوى؛ بل ضرورة فرضتها الحالة الصحية الحرجة لوالدتها؛ إذ توضح لـ”مواطن”: “أمي مريضة، ولا يمكنها تحمل ظروف مراكز الإيواء في المدارس؛ حيث الحمامات المشتركة وخطر العدوى الذي قد لا يقوى جسدها على مقاومته”. وأمام غياب البدائل الآمنة صحيًا، تختم سلوى بمرارة المستسلم للواقع: “سنستمر في الدفع حتى ينفد ما لدينا، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا”.
تجذرت حالة العشوائية في سوق السكن نتيجة سياسات “التسليع” التي تركت هذا القطاع الحيوي رهنًا لسطوة القطاع الخاص، ليتحول الحق في المأوى من ضرورة إنسانية إلى سلعة مرتبطة حصرًا بالقدرة الشرائية، وموسمًا لمضاعفة الأرباح إبان الأزمات.
وقد تجلى هذا الاستغلال بوضوح في البيانات التي وثقها «استوديو أشغال عامة» خلال العدوان الإسرائيلي؛ حيث قفزت بدلات الإيجار في مطلع عام 2024 بنسب جنونية بلغت 650% في بعض المناطق، ليتراوح سقف الأسعار حاليًا بين 100 و3800 دولار وفقًا للموقع ومستوى التجهيز.
ولم يكتفِ المالكون والوسطاء برفع الأسعار؛ بل أمعنوا في فرض شروط تعجيزية مستغلين الظروف الأمنية الضاغطة، شملت طلب عمولات مرتفعة وتأمينات نقدية، وصولًا إلى اشتراط سداد إيجارات مسبقة لمدة تصل إلى 14 شهرًا، مما عمّق المأساة الإنسانية للنازحين وحصر الأمان السكني في فئة محدودة تملك القدرة على الدفع.
ونتيجة لما سبق، فضّل كثيرون البقاء في بيوتهم ضمن المناطق المهددة، تقول “إلهام”، التي فضلت أن تبقى في بلدتها في “أرزي” القريبة من مدينة صور لـ”مواطن”: “في المرة الماضية نزحت الى مدرسة في صيدا ومكثت عائلتي وأنا مع عائلة أخرى في غرفة واحدة، ولا أريد أن أعيش هذه التجربة التي “أحرقت أعصابي، البقاء في المنزل يوفر لي على الأقل “سترًا” وخصوصية”.
تضيف إلهام: “المسألة ليست مجرد عناد؛ فإن خطر القصف في البيت يتساوى مع خطر الموت ببطء من الحاجة والمهانة في أماكن النزوح”. فضلت البقاء في بلدتي رغم أوامر الإخلاء منتظرًة قضاء الله وقدره؛ فمن كان له عُمْر لا تقتله شدّة .
وفقًا للأرقام الواردة في تقرير نُشر على منصة “صِفر” حول البدائل الممكنة لإدارة أزمة النزوح في لبنان؛ فإن نحو 23% من النازحين انتقلوا إلى مناطق تقع ضمن المحافظات الأكثر تضررًا من القصف الإسرائيلي، أي الجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك/الهرمل. وأنّ قرابة 20% من النازحين الداخليين ما زالوا في مواقع تُعرّضهم لخطر الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، نتيجة عدم قدرتهم المادية على الانتقال إلى أماكن أكثر أمانًا.
الدولة الغائبة: من يدير أزمة النزوح في لبنان؟
على الرغم من أن نذر الحرب كانت واضحة منذ أشهر بعد تحذيرات عديدة وصلت الى الحكومة اللبنانية وتداولتها وسائل الإعلام، تفيد بأن إسرائيل حشدت 100 ألف جندي على الحدود مع لبنان، إلّا أنّ خطة الطوارئ الوطنية لم تكن فاعلة حيث فاق عدد النازحين في أيام قليلة كل التقديرات، وتحولت المدارس الرسمية من جديد إلى مراكز إيواء مرتجلة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة. وبدلًا من أن تكون الدولة هي المبادرة، وجدت نفسها في موقع “رد الفعل”.
تمثّل الدعم الحكومي للنازحين في دفع حدٍ أقصى يبلغ 145 دولارًا إلى 50,000 أسرة، بحسب حجم الأسرة، لكن النزوح الذي تسبّبت به الاعتداءات الإسرائيلية لم يطل فقط أولئك الذين كانوا أصلًا في أسفل السلم الاجتماعي؛ بل طال 20% من سكان لبنان. وقد دفع جزءًا كبيرًا من المجتمع إلى الهشاشة؛ لا سيما الأسر التي ليست فقيرة بما يكفي لتستوفي شروط الحصول على المساعدة، لكنها ليست غنية بما يكفي لتحمّل أشهر من الإيجار والكهرباء والمياه والغذاء والدواء والنقل وخسارة الدخل.
أظهرت الأزمة عجز ميزانية الدولة اللبنانية عن تمويل أي جهد إغاثي جدي؛ حيث اعتمدت الحكومة بشكل شبه كلي على ما تقدمه المنظمات الدولية والهيئات الأممية والمبادرات الفردية والحزبية، والأهلية التي سدت بعضًا من هذا الفراغ؛ خصوصًا عدم كفاية المساعدات في مراكز الإيواء وعدم وصول مساعدات الى مراكز الإيواء غير الرسمية، أو للعائلات التي نزحت إلى منازل مستأجرة، والتي سقطت غالبًا من حسابات الدعم الحكومي، أو تركت النازحين في الهواء الطلق لعجزهم عن مفاوضة تجار يمارسون الابتزاز في المناطق الآمنة.