حرب غزة وتأثيرها العكسي.. عندما يتحول الجنود من منفذين إلى منتحرين!
السبيل – خاص
كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية أن موجة من الانتحارات تضرب صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية عام 2026، في مؤشر جديد على حجم الضغط النفسي المتراكم داخل المؤسسة العسكرية.
ووفق ما نقلته الصحيفة؛ فقد انتحر ما لا يقل عن 10 عسكريين منذ مطلع العام، بينهم 6 خلال شهر نيسان/أبريل وحده، إلى جانب حالتي انتحار في صفوف الشرطة التابعة للاحتلال.
وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن عام 2025 شهد بدوره تسجيل 22 حالة انتحار في صفوف الجنود في الخدمة الإلزامية، وهو أعلى رقم خلال 15 عامًا، في ظل حرب طويلة الأمد شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من استنزاف نفسي وعسكري متواصل.
وبحسب “هآرتس” فإن الأزمة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل تمتد إلى “سلسلة إخفاقات” داخل منظومة الدعم النفسي في الجيش، تشمل تقليص برامج الدعم، وضعف الحضور الميداني لفرق الصحة النفسية، وتراجع استجابة القيادات للعلامات المبكرة للأزمات النفسية لدى الجنود.
وتُظهر المعطيات أن ما يجري داخل جيش الاحتلال يتجاوز الحالات الفردية إلى نمط متصاعد من الضغط النفسي، يعكس بيئة عسكرية تعمل في ظل حرب طويلة بلا أفق حاسم. فهذا النوع من الاستنزاف لا يبقى محصورًا في جبهة القتال، بل يمتد إلى داخل البنية النفسية للجنود أنفسهم.
والجندي في هذا السياق لا يعود مجرد أداة تنفيذ عسكري، بل يتحول تدريجيًا إلى عنصر مستنزف نفسيًا، يواجه ضغطًا متواصلاً دون قدرة حقيقية على الانفصال عن بيئة الحرب.
ويكشف التراجع في أدوات الدعم النفسي، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ، عن خلل في فهم طبيعة الحرب الممتدة، التي تتطلب بنية احتواء نفسي موازية للبنية القتالية، وهو ما يبدو أنه غير متوفر بشكل كافٍ داخل جيش الاحتلال.
ومع استمرار العمليات؛ تتراكم الضغوط الفردية لتتحول إلى حالة عامة من الإرهاق النفسي، تعكسها مؤشرات مثل ارتفاع معدلات الانتحار وتراجع القدرة على التكيف داخل الوحدات العسكرية.
إخفاقات في إدارة الأزمة
وتشير “هآرتس” إلى وجود إخفاقات داخل منظومة الدعم النفسي، وهو ما يعكس أزمة أعمق في إدارة ملف الجنود خلال الحرب. فإن تقليص أيام الدعم النفسي لجنود الاحتياط، إلى جانب انخفاض حضور الأخصائيين في الميدان، يعكس ارتباكًا في التعامل مع حجم الأزمة.
ولا يمكن قراءة هذه الإجراءات بمعزل عن طبيعة الحرب الممتدة، إذ يبدو أن المؤسسة العسكرية للاحتلال لم تُعدّ أدوات كافية للتعامل مع حرب طويلة تستنزف الأفراد نفسيًا بقدر ما تستنزفهم ميدانيًا.
كما أن محدودية التدخل المبكر من القيادات الميدانية تشير إلى فجوة بين الواقع النفسي للجنود وبين آليات المتابعة داخل الجيش، ما يسمح بتفاقم الحالات الفردية إلى مستويات حرجة.
ويعكس هذا الإخفاق أيضا أحد أوجه العجز البنيوي في إدارة حرب تعتمد على استنزاف طويل دون قدرة على ضبط كلفتها الداخلية.
عامل استنزاف يرتد إلى الداخل
ويبدو أن آثار حرب غزة لم تعد آثارها مقتصرة على ساحة القتال، بل بدأت تظهر بوضوح داخل بنية الجيش نفسه. فارتفاع حالات الانتحار يعكس انتقال الحرب من كونها عملية خارجية إلى عامل ضغط داخلي متصاعد.
ويشير هذا التحول إلى أن الجنود يعيشون حالة استنزاف ممتد، لا تتوقف عند لحظة الاشتباك، بل تستمر داخلهم على شكل ضغط نفسي متراكم، يتغذى على طول أمد الحرب وغياب الحسم.
وفي هذا السياق؛ يمكن قراءة الظاهرة باعتبارها أحد انعكاسات فشل الاحتلال في إنهاء الحرب بسرعة أو تحقيق نتائج حاسمة، ما يجعل الجنود في حالة استنفار دائم بلا نهاية واضحة.
ومع الوقت؛ يتحول هذا الاستنزاف إلى عامل تفكك داخلي صامت، ينعكس في مؤشرات متعددة، من بينها الانتحار، وتراجع الدافعية، واضطراب التماسك الداخلي.
أزمة صامتة داخل البنية الأمنية
ورغم خطورة الأرقام؛ فإن التعامل معها في الخطاب الرسمي للاحتلال يبدو مجتزأً، حيث يتم تقديمها كحالات فردية أو مشكلات نفسية معزولة، بعيدًا عن السياق البنيوي للحرب.
وفي المقابل؛ تكشف التغطيات الإعلامية، كالذي نشرته “هآرتس”، عن وجود فجوة بين الصورة التي يسعى الاحتلال لتقديمها عن تماسكه العسكري، وبين واقع داخلي أكثر هشاشة وتعقيدًا.
ومن منظور تحليلي؛ فإن اختزال الظاهرة في بعدها النفسي الفردي يساهم في إخفاء علاقتها المباشرة بطبيعة الحرب الممتدة، وبفشل القدرة على إدارة كلفتها البشرية داخل الجيش.
وهكذا؛ تتحول حرب غزة إلى حالة استنزاف مزدوج: على الجبهة الخارجية في مواجهة المقاومة، وداخل البنية العسكرية نفسها حيث تتراكم آثارها النفسية بشكل متصاعد وصامت.
The post حرب غزة وتأثيرها العكسي.. عندما يتحول الجنود من منفذين إلى منتحرين! appeared first on السبيل.





