حرب إيران واختبار استراتيجية التحوّط الخليجية
وضعت الحرب مع إيران دول الخليج في قلب الصراع. وقد نظرت طهران إلى هذه الدول باعتبارها ورقة ضغط محتملة على الولايات المتحدة لتقصير أمد الحملة. ومع ذلك، ورغم تعرّض أراضيها لهجمات إيرانية، امتنعت حتى الآن عن الانخراط العلني في الحرب، مفضّلة اتباع سياسة حذرة تقوم على السماح لقوى أخرى بالعمل انطلاقًا من أراضيها، مع تنفيذ خطوات هجومية قابلة للإنكار.
وبحسب تقرير معهد “دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي، تعكس هذه المقاربة مزيجاً من الخشية من تصعيد الأذى الإيراني، ومن الغموض الذي يلف أهداف الولايات المتحدة. ومن منظور دول الخليج، لا يُقاس نجاح الحملة فقط بحجم الضرر الذي يلحق بإيران، بل أساسًا بمدى إمكانية قيام إطار إقليمي ـ دولي يمنعها من إعادة بناء قدراتها.
السؤال المحوري هو: هل تقوّض الحرب منطق “التحوّط” الذي اعتمدته دول الخليج تجاه إيران، أم أنها تؤكد ضرورته؟ كما تطرح الحرب تداعيات معقّدة على طبيعة العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، بما تحمله من فرص ومخاطر قد تحدّ من فعاليتها.
على مدى السنوات الماضية، استثمرت دول الخليج بكثافة في بناء منظومات دفاعية متطورة، خصوصًا في مجال الدفاع الصاروخي، وعزّزت شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ووسّعت تعاونها الإقليمي. وفي الوقت نفسه، عملت على تحسين علاقاتها مع إيران كجزء من سياسة إدارة المخاطر، بهدف تقليل احتمالات التصعيد وخفض دوافع طهران لاستهدافها.
لم تُسحب دول الخليج إلى الحرب بسبب شكوك في مبرراتها، بل نتيجة إدراكها أنها ستدفع ثمنها. وقد عارضت التصعيد خشية عدم تحقيق نتائج حاسمة، سواء في تغيير سلوك إيران، لا سيما في ملفي الصواريخ والوكلاء، أو في إحداث تغيير سياسي داخلي. لذلك، سعت إلى الدفع نحو تسوية تفرض قيوداً على إيران، وتمنع في الوقت نفسه الانزلاق إلى التصعيد، متجنّبة الخوض في ملف الاحتجاجات الداخلية الإيرانية، ومعلنة حيادها ورفض استخدام أراضيها لشن هجمات.
لكن إيران، منذ بداية الحرب، استهدفت دول الخليج، بما في ذلك أهداف مدنية. ومع ذلك، لم يدفعها ذلك إلى الانخراط المباشر، بل تمسّكت باستراتيجية التحوّط، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، وتجنّب خطوات قد تفضي إلى مواجهة أوسع. ويعود هذا السلوك إلى محدودية قدراتها العسكرية نسبياً، وهشاشتها الاقتصادية، إضافة إلى عدم وضوح الأهداف الأميركية وإمكانية تحقيقها.
بناءً عليه، تفضّل دول الخليج أن تنتهي الحرب بإيران ضعيفة ومقيّدة، ومنشغلة بأزماتها الداخلية، من دون أن يتوحّد مجتمعها خلف النظام. كما تسعى إلى تقصير أمد الحرب وتفادي استنزاف طويل قد يضرب استقرار الطاقة والاقتصاد في المنطقة، ويقوّض مشاريعها التنموية الطموحة. والنتيجة المفضّلة لديها ليست نصراً عسكرياً كاملاً، بل تسوية مستقرة مدعومة بآليات رقابة وتنفيذ موثوقة.
ورغم أن الحرب أوجدت تقارباً ظاهرياً بين دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا التقارب مرشّح للتلاشي، مع توقع عودة الخلافات، خصوصًا بين السعودية والإمارات، وربما حتى قبل انتهاء الحرب.
تُعدّ السعودية طرفاً مركزياً في فهم هذه الديناميات. فبرغم اعتبارها إيران تحدياً استراتيجياً أساسياً، سارعت إلى تكثيف الحوار معها وتجنّب المواجهة المباشرة، خشية الانزلاق إلى صراع متعدد الجبهات. وترى أن الانخراط العسكري المباشر لن يغيّر موازين الصراع جذريًا، لكنه سيستدعي ردوداً إيرانية أشد. لذا سمحت باستخدام قواعدها من قبل الولايات المتحدة بعد تعرضها لهجمات، لكنها تجنّبت المشاركة العلنية، في إشارة واضحة للدول الخليجية الأصغر بضرورة ضبط النفس.
الحرب لا تكشف واقعاً جديداً بقدر ما تُبرز واقعاً معروفاً: التفوق الإيراني في أدوات الحرب غير المتكافئة، خصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد أظهرت الحرب فجوات في قدرات الدفاع الجوي والتصدي للهجمات الكثيفة، وهي فجوات تعاني منها حتى قوى كبرى. وهذا الخلل بنيوي في طبيعة الحروب الحديثة، حيث إن الهجوم أرخص وأسهل من الدفاع، ومن غير المتوقع أن يختفي قريباً.
حتى الآن، لم ترَ دول الخليج جدوى في اتخاذ مواقف تصعيدية علنية ضد إيران، خشية أن تُترك لاحقاً في مواجهة نظام إيراني متضرر لكنه أكثر اندفاعاً للانتقام. كما أن كلفة الاصطفاف العلني مع الولايات المتحدة وإسرائيل تبدو مرتفعة في ظل الشكوك حول الالتزام الأميركي طويل الأمد. لذلك، تفضّل دعم الجهود العسكرية بشكل غير مباشر، دون بلوغ عتبة الحرب.
وبهذا المعنى، لا تعكس الهجمات الإيرانية فشل استراتيجية التحوّط، بل تؤكد ضرورتها، مع إبراز حدودها أيضاً. غير أن استمرار ضبط النفس يحمل بدوره كلفة، إذ قد يُفسَّر كعلامة ضعف.
في المحصلة، لا تُسقط الحرب منطق التحوّط الخليجي، بل تعيد تأكيده، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدوده، وتفرض على دول الخليج إعادة موازنته بين الأمن، والاقتصاد، والسياسة الإقليمية.
The post حرب إيران واختبار استراتيجية التحوّط الخليجية appeared first on 963+.





