حول كتابة السيرة الذاتية.. من القامشلي إلى كندا ـ رحلة في الزمن
كتب العديد من الشخصيات تاركين خلفهم للتاريخ مذكراتهم الشخصية. كتب السياسيون مثل تشرشل، وكتب العسكريون مثل الروسي جاكوف وديغول الفرنسي والألماني ثعلب الصحراء رومل، وكتب الفلاسفة مثل البدوي المصري بعد تسعين كتابا في الفلسفة، وكتب حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مذكراته بعنوان الدعوة والداعية، وكتب ادوارد سعيد الفلسطيني في خارج المكان، وكتب المغربي عابد الجابري حفريات في الذاكرة، وكتب الجزائري مالك بن نبي مذكرات شاهد القرن، وكتب المصري المسيري في سيرته وهو المشهور بالموسوعة الصهيونية بعد أن نشر كتابه في سلسلة عالم المعرفة عن الايديولوجية الصهيونية، وكتب العراقي الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة عن السجن بعنوان جدار بين ظلمتين، بل وترك الموسوعي التونسي ابن خلدون 14 مجلدا في التاريخ ولكن أهم من الكل مقدمته الشهيرة ذات القوانين الستة في تتبع الأخبار بعنوان سجعي (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، بل وترك لنا الرحالة الطنجاوي المغربي ابن بطوطة تحفته بعنوان (تحفة النظار في غرائب الأسفار وعجائب الأمصار) وهي كتب تمتعت بقراءتها أيما متعة، ولعل كتاب العراقي الوردي في موسوعته عن العراق التي بقيت معها ستة أشهر أتذوقها كانت نافذة على التاريخ والتيارات وتعرفنا من خلالها على السيدة بيل في السفارة البريطانية الني كانت تدير الأمور من خلف ستار من الأنوثة الكاذبة. وفي الجزء السادس من موسوعته تحدث بشكل جيد حيادي عن نشأة المملكة العربية السعودية وشخصية مؤسسها بأربع صفات وتعرض للاغتيال ولكنها نجا بعد أن ألقيت قنبلة على خيمته فلم تنفجر؟ وأهم مانختم به هذه المقدمة عن سيرة المصطفى ص وهي ما كتب عنها مايكل هاردت في كتابه اعظم مائة شخصية مرت على العالم توجها بشخصية نبي الرحمة ص.
أهمية كتابة السيرة الذاتية ثلاثا:
ـ التجربة الذاتية وما تحوي من أوهام وأوجاع و حقائق.
ـ ثم هي وصف من تجربة شخص يصف ما رآه وعاصره فهل هي الحقيقة؟
والجواب أنه هي ما رآها هذا الشخص. ولو سألت شخصا آخر لروى الرواية على نحو يقترب أو يبتعد، بل قد يرويها في إطار مختلف تماما.
هنا يدخل أيضا الكذب والمبالغة أمام اليقين الخطير، أو محاولة الصدق ما أمكن. أي انها رؤية شخصية وتجربة دخلها الشخص في هذه الحياة. هي تجربته لا أكثر ولا أقل.
ـ والأمر الثالث محاولة الإنصاف من خلال عملية النقد الذاتي. وفي النهاية المحصلة التي يصل إليها الكاتب أنها أشياء مرت في حياته وتركت انطباعا لا يزول، خاصة تلك التي ترافقت بالمعاناة فليس مثل المعاناة حفظا للذاكرة.
أنا شخصيا دخلت المعتقلات في زمن البعث الأسدي أربع مرات تركت في ذاكرتي ألما لا يمحى ولست الوحيد.
الأخ الفاضل باسل شيخو من السويد ـ وهو رجل قمة في التهذيب ـ ألحّ علي أن أسجل مذكراتي فهي أمانة ومسؤولية أمام جيل كامل، ومع أنني أعرف أن جيلنا كان يقرأ أمام الجيل الجديد الذي لا يقٍرأ سوى ما يسمع عبر التلفونات الذكية الحالية. نحن كما نرى أمام تحول خطير في التواصل الاجتماعي.
قال الأخ شيخو علينا أن نسجل فهي مسؤولية وهناك من يقرأ. اقترحت عليه أمام هذا التحول أن أسجل له على امتداد شهر كامل مذكراتي الشخصية على شكلين مكتوب ثم تسجيل كل حلقة كتابة ونطقا في فيديو مستقل . في النهاية سوف نجمع المكتوب في كتاب مستقل قد يطبع وقد يتحول إلى كتاب الكتروني يصل إليه من يريد. أظن بهذه الطريقة نكون قد واكبنا تطلعات الجيل القديم الذي يودع والجيل الجديد الذي يسمع أكثر مما يقرأ.
أنا رجل وصل حافة الثمانين من العمر ومر في خمس مراحل أساسية من حياته بين مدينة القامشلي التي ولدت فيها وترعرعت بين عامي 1946 ـ 1964م. وكان ذلك بين الطفولة والمراهقة، ثم ودعتها إلى دمشق بقيت فيها عشر سنين بين الأعوام 1964 ـ 1975 م حيث بنيت عائلتي وأنهيت دراسة كلا من كلية الطب وكلية الشريعة، ثم قفزت خائفا إلى ألمانيا وبقيت فيها تسع سنوات حتى عام 1983 حيث أنهيت التخصص الطبي في الجراحة مع التدريب المكثف في جراحة الأوعية الدموية في ثلاث محطات. وأخيرا لجأت الى السعودية حيث اشتغلت فيها في مرحلتين بين الجراحة العامة ثم التفرغ لجراحة الأوعية الدموية حيث تنقلت فيها بين ست محطات :
المنطقة الشرقية حيث مدينة الدمام، ثم العمل في جبال عسير بين مدينة النماص وأبها وخميس مشيط، ثم الانتقال الى العمل في منطقة القصيم حيث المشفى التخصصي في مدينة بريدة؛ لأختم عملي في ما سمي برنامج الدعم الطبي بين حائل وعسير المنطقة الجبلية في السعودية، وأخيرا الاستقرار في كندا .
وأكتب حاليا في المغرب حيث أصبحت اتنقل في موسم الصيف والشتاء بين أفضل ما يمنحه الله لفرد بين كندا ورقيها وبردها وبين الجنة المغربية.
فهذه هي فصول حياتي تعرفت فيها على الشرق الأوسط، ثم أوربا، ثم الخليج، ثم أمريكا الشمالية، ثم أفريقيا حيث المغرب؛ في خمس موجات من الترحال اختلطت فيها بالعديد من الثقافات واللغات والمناخات بين حرارة السعودية حيث تقفز إلى 54 في الظل، وبين كندا التي تهبط في مونتريال إلى حوالي الثلاثين تحت الصفر ولكن في بيوت معزولة مدفأة ولك الويل إن انقطعت الكهرباء ولم تكن مزودا بحطب كافي لموقد التدفئة.
The post حول كتابة السيرة الذاتية.. من القامشلي إلى كندا ـ رحلة في الزمن appeared first on أنباء إكسبريس.





