حميد غونو يكتب.. النسب والشرعية في ميزان السياسة
في موسم انتخابي تشحذ فيه الخطب كما تشحذ السيوف القديمة، خرج علينا أحد السياسيين بتصريح يلمع فيه نسبه كما يلمع درعا في معركة متخيلة، ملوحاً بخيط نسبه الممتد نحو أحد صحابة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن صناديق الاقتراع تحسم بشجرة النسب لا ببرامج العمل.
والحال أن السياسة، في دولة حديثة، لا تدار بمنطق من كان جده أسبق إلى الإسلام، بل بمنطق من كان مشروعه أصلح للناس.
غير أن البعض لا يزال يعتقد أن الناخب المغربي يمكن أن يستمال بجرعة من البركة الوراثية، وكأن المواطن سيتحول فجأة إلى مريد في زاوية، يبايع لا برنامجا بل سلالة.
هنا، لا يصبح التصريح مجرد زلة لسان أو حماسة لحظة خطابة، بل خطابًا مشحونًا بإيحاء خطير: التمايز بالنسب.
وهذا، في عمقه، نكوص عن روح الدستور الذي لم يترك بابا للتفاضل إلا بالكفاءة والمسؤولية.
فهل نحن بصدد حملة انتخابية سابقة لأوانها أم مباراة في أنساب العرب؟.
ثم، إذا كان قانون الحالة المدنية يتدخل أحيانا لمنع أسماء تحمل إيحاءات غير ملائمة، أفلا يجدر به، رمزيا على الأقل، أن يقف متأملا هذا “الاسم السياسي المركب” الذي يراد له أن يمرر بلا تدقيق؟ أم أن النسب، حين يستعمل كوسيلة إقناع، يصبح فوق المساءلة، كأنه نص مقدس لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه؟.
ولأن التاريخ لا يرحم من يسيء استعماله، يكفي أن نستحضر حكاية بوحمارة، ذلك الذي أقنع أتباعه زمنا أنه صاحب شرعية ما، قبل أن تنكشف الحيلة وينقلب السحر على الساحر.
الفارق اليوم أن الوسائل تغيرت، لكن منطق “التغرير” لا يزال يجد له سوقا كلما غابت اليقظة.
وليس بعيداً عن ذلك، تبرز قصة محمد بن عرفة، الذي حاولت سلطات الحماية الفرنسية فرضه بديلا عن السلطان الشرعي محمد الخامس، غير أن المغاربة لفظوه ورفضوا الاعتراف بشرعيته المزعومة، متمسكين برمزيتهم الجامعة وبيعتهم التاريخية، وكان ذلك درساً بليغاً في أن الشرعية لا تصنع بقرارات مفروضة ولا تستمد من نسب يسوق سياسيا، بل تنبع من قبول الأمة والتفافها حول مؤسساتها.
ثم إن المغاربة، عبر قرون من التراكم التاريخي والروحي، لم يوزعوا ولاءهم على سوق الإدعاءات، بل عقدوه في إطار جامع ومؤسس: إمارة المؤمنين التي صانت وحدة البلاد وحفظت توازنها الديني، فصانتهم بدورها من التمزق والتيه.
ولذلك فإن كل محاولة لاستمالة الناس إلى شرعية ملتبسة أو نسب مشكوك فيه ليست مجرد زلة خطاب، بل خروج عن هذا الإجماع الرمزي، وانزلاق نحو خلط يهدد وضوح المرجعية.
أما المفارقة الأشد طرافة والأقرب إلى السخرية المرة فهي أننا في بلد ما فتئ يؤكد، على أعلى مستوى، أن المواطنين سواء، وأن القيمة في العمل لا في الأصل.
ومع ذلك، يخرج من يذكرنا، بنبرة مضمرة، أن بعض المواطنين أشرف من بعض، وكأننا عدنا إلى زمن الإقطاع، حيث يوزع الشرف كما توزع الأراضي.
والملاحظ أنه لا يقف الأمر عند حدود السياسة والسياسيين، بل يمتد إلى بعض الزوايا الدينية التي يبدو أن التصوف فيها تحول من تربية روحية زاهدة إلى سباق على ما يوصف في أدبياتها “بالسر المحمدي” الذي يدعي بعض الشيوخ امتلاكه دون غيرهم واحتكار الحقيقة الربانية فيه، في مشهد أقرب إلى سوق رمزية تباع فيها الكرامات بالتقسيط.
وتنتشر سوءات الشيوخ المتصارعين على رؤوس الإشهاد، وفي ذلك إساءة للتصوف نفسهولصورة المغرب كمنارة للتصوف ولعلمائه وشيوخه الكرام عبر التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر.
وهنا، يصبح لزاما على الجهات الوصية أن تحرص على إقناع هؤلاء بالطرق التي تراها مناسبة بضرورة التمييز بين التصوف كقيمة أخلاقية، والتصوف كأداة نفوذ.
إن خلط الدين بالسياسة أو التصوف بالتهافت على الوجاهة الإجتماعية ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل إنزلاق يهدد مبدأ المساواة ذاته.
بمحاولة رفع وإنزال عباد الله درجات، في الدنيا قبل الٱخرة، فحين يقاس الناس بأنسابهم، لا بكفاءاتهم، نصبح أمام مجتمع يعاد فيه إنتاج التفاوت تحت غطاء مقدس.
لهذا فالمطلوب ليس محاكم تفتيش في الأنساب بل وضوح في الخطاب: من ادعى نسبا فليثبته في مجاله العلمي والتاريخي لا في مهرجان انتخابي.
ومن استعمل الدين سلما سياسيا فليتحمل كلفة ذلك أخلاقيا وقانونيا.
وفي إنتظار ذلك سيبقى المواطن المغربي بفطرته الساخرة يطرح السؤال البسيط: هل سنصوت لبرنامج انتخابي أم لشجرة عائلة؟.
حميد غونو / كاتب صحفي




