كما يروى همسا عن أي بيت يبنى، ويعاد بناؤه مرارا ولا يكتمل أبدا، وكلما وصل أصحابه إلى السقف، حدث شيء غير مفهوم، سقوط، مرض، انسحاب البناء... وكان التفسير الشعبي له ليس لعنة، بل عدم قبول المكان لسكانه، وفكرة أن المكان يرفض الإنسان، لا العكس. هناك البحر أيضا إن وقفت أمامه، قد يهمس الإنسان باسمه، لا باسمه المتداول، بل باسمه "الأول" الذي لا يعرفه إلا أهله، ومن كان يستجيب، يمشي نحوه دون مقاومة، لنلاحظ أن الأمر هنا يمس الهوية: الاسم كمدخل للغواية. وقديما كان أغلب الناس يحملون اسمين، خوفا من السحر.
وأخيرا، بقيت هذه الحقول الفولكلورية الشفهية، غير حاضرة في المؤسسات الأكاديمية، مقارنة بدول عربية أخرى مثل مصر أو المغرب، حيث تشكلت مدارس مبكرة لدراسة الموروث الشعبي وليس فقط الأساطير والخرافات والأغاني الشعبية، بل حتى تلك الهوامش الغنية، ولعل السبب هو الخلط بين "الخرافة" و"الهوية"، في بعض السياقات عند الناس، وخشية أن يؤدي إحياؤها إلى ربط المجتمع بصور بدائية أو لا عقلانية، ففضلوا تجاهلها بدل إعادة قراءتها بوصفها جزءا من الذاكرة الثقافية، فغابت المادة مع غياب التخصصات.
يبقى السؤال اليوم: لماذا نذهب إلى الأساطير العالمية ونترك المحلية؟ مع العلم أن الصورة بدأت تتغير، فهناك اليوم جيل جديد من الباحثين والكتاب في منطقة الخليج العربي، أعادوا فتح هذا الملف، لا بوصفه تسلية، بل بوصفه مفتاحا لفهم الخيال الجمعي، والخوف، والبيئة، وحتى اللغة، لأنها في النهاية، ليست كذبا، بل طريقة قديمة في جزيرة العرب، لقول الحقيقة للجميع.




