حُمّى «أوزمبيك»: هل ينتهي عصر «قص المعدة»؟
وقفَت زينة (21 عامًا) على الميزان فوز انتهائها من تقديم امتحانات الثانوية العامة قبل ثلاثة أعوام، وحينها لم يكن مفاجئًا أبدًا أن وزنها تجاوز 94 كيلوغرامًا، بزيادة 18 كيلوغرام خلال سنة واحدة. «ما درست قد ما أكلت»، تقول زينة التي كانت تتعامل مع الأكل كوسيلة لمواجهة كل شيء؛ الضغط العائلي وتراكم الدراسة والتوتر من الامتحانات. لكنها بعد أن عرفت أن معدلها لم يكن قريبًا من وزنها مع إعلان نتائج الثانوية، قررت أنها لن تخفق في اختبارين في الوقت ذاته، وعادت للبحث عن كل منشورات الإنستغرام التي تظهر الأشخاص قبل الخضوع لجراحات السمنة وبعدها.
لطالما عانت زينة من الوزن الزائد خلال طفولتها، وهو ما ارتبط أيضًا بمقاومة الأنسولين الذي اكتشفت إصابتها به في الصف العاشر. ومنذ ذلك الحين أصبحت زبونة دائمة لأطباء الغدد الصماء في الأردن ممن استشارتهم مرارًا في وضعها الصحي، خصوصًا بعد أن فقدت الأمل من جدوى تغيير عاداتها الغذائية وأنشطتها البدنية. لكن هذه المرة، لم يكن يفصلها عن حجز موعد عملية قص المعدة سوى منشور واحد. «بدك تنحفي خلال شهرين؟»، قالت الإنفلونسر التي تتابعها زينة و180 ألفًا آخرون. وشرحت تجربتها في خفض وزنها من 130 كيلوغرامًا إلى 60 كيلوغرامًا باستخدام إبر مونجارو، بعد أن استعادت الوزن الزائد رغم خضوعها لجراحة قص المعدة قبل أعوام.
كانت هذه الإبر بمثابة حل سحري لزينة، وعندما شرعت في البحث عنها والسماع لتجارب مستخدميها، أدركت أنها ليست مجرد «تريند» مثل منقوع بذور الشيا، كما أنها ليست تجربة مستحيلة مثل محاولة التزامها بقطع السُكّر. وهكذا، قررت البدء في استخدام الإبر تحت شعار «زبطت زبطت، ما زبطت، بقص معدة». تُمثّل هذه التجربة جزءًا من الإقبال المتزايد على إبر مستقبلات [1]GLP-1 لدواعي التنحيف على حساب عمليات قص المعدة، وهو ما يعدّ تحولًا في سوق علاجات السمنة باتت مؤشراته تتضح أكثر على الصعيدين العالمي والمحلي خلال السنوات الأخيرة.
هل تراجعت عمليات قص المعدة في الأردن؟
حاولت زينة مرارًا التعويل على «الدايت» لخسارة الوزن، خصوصًا وأنها لم تصل لمعدلات السمنة المفرطة بعد. لكن محاولاتها المتكررة من الالتزام به لم تكن مجدية نتيجة صعوبة تقليل الوزن بالنسبة للمصابين بمقاومة الأنسولين. «كنت أخسر كيلوغرام واحد خلال شهرين من الدايت القاسي» تقول زينة. إلا أن تقليل وزنها بمقدار كيلوغرام واحد أصبح شبه مستحيل بعد أن أصيبت بتكيس المبايض كنتيجة لمقاومة الأنسولين، وحينها زاد اقتناعها بحاجتها لإجراء عملية قص المعدة، قبل أن يواصل وزنها الصعود وتصاب بالسُكّري من النوع الثاني.
رحلة زينة مع السمنة ليست تجربتها وحدها، بل تجربة عائلة كاملة مكونة من ستة أفراد يعانون من زيادة الوزن. بالنسبة لها، كان جو السمنة العائلية مشجعًا للغاية على الإفراط في الأكل، فلا شرعية لأحد في إلقاء المحاضرات الصحية على الآخرين، وإن حصل ذلك، فسرعان ما يتحول هذا التنظير إلى محتوى للضحك. لكنّ عام 2016 شكّل محطة فارقة للعائلة، حيث اضطر أحد إخوتها للخضوع لعملية قص المعدة في محاولة للسيطرة على هشاشة العظام المزمنة التي يعاني منها وإصابته المتكررة بكسور في الأطراف.
تمكّن الأخ الأكبر لزينة من تخفيض وزنه بشكل كبير إثر العملية التي أجبرته على الالتزام بنمط حياة مختلف كليًا عما اعتاده. ورغم أن زينة لطالما طالبت ساخرة بشطبه من دفتر العائلة لأنه لم يعد يحقق «أبسط شروط الانضمام»، لكنها أصبحت مقتنعة تمامًا بأن الحل الأمثل لتقليل الوزن بشكل جذري وفعال هو عملية قص المعدة، وذلك بعد أن تمكّن أخوها من المحافظة على نتيجتها، وأهمها أنه لم يعد لوزنه السابق رغم اكتسابه وزنًا زائدًا.اقرأ/ي أيضا:
أجريت أول عملية لتكميم المعدة في الأردن عام 2006 بعد أن أصبح تخصص جراحة السمنة مُعتمدًا في مدينة الحسين الطبية عام 2005، وهو ما أسس لإنشاء أول عيادة لمعالجة السمنة وجراحتها في الأردن عام 2010، بحسب الخدمات الطبية الملكية. وبحسب شهادات متقاطعة لأطباء جراحة السمنة في الأردن ممن قابلتهم حبر، فقد شكّلت الفترة ما بين عامي 2011 و2018 الحقبة الذهبية لانتشار هذه العمليات، حيث وصلت معدلات جراحات السمنة لحوالي 12 ألف عملية سنويًا، 85% منها لعمليات قص المعدة، ونصفها لمرضى عرب من السعودية ودول الخليج والعرب المقيمين في أوروبا، بحسب تصريح من العام 2017 لرئيس جمعية جراحة السمنة الأردنية في نقابة الاطباء.
تحوّل الأردن في تلك الفترة إلى وجهة علاجية يقصدها آلاف المرضى بهدف الخضوع لعملية قص المعدة، وقدّر أطباء مختصون عام 2016 أن حوالي 50 عملية جراحة سمنة كانت تجرى في المستشفيات الأردنية بشكل يومي لدرجة أن نقابة الأطباء حينها دعت إلى تحديد سقف العمليات التي يمكن للطبيب إجراؤها في اليوم الواحد. كما ساهم مستشفى الكندي الذي بدأ تأسيسه عام 2015 وشمل مركزًا متخصصًا في جراحة السمنة يديره الطبيب محمد خريس، في توسّع هذا المشهد واستقبال المراجعين من أكثر من 45 دولة حول العالم.
يقول استشاري جراحة الجهاز الهضمي في مستشفى العبدلي محمد العساف إن عملية قص المعدة تقدم حلولًا جذرية للمراجعين المؤهلين للخضوع للجراحة، أي من يتجاوز مؤشر كتلة الجسم لديهم 35،[2] خاصةً إذا كانوا يعانون من أمراض مزمنة مرافقة للسمنة مثل السكري والضغط وأمراض القلب. وحتى نهاية العقد الثاني من هذا القرن، ظلّت عملية قص المعدة الخيار الأول لدى مرضى السمنة المفرطة. ومع الإقبال عليها وشيوعها انخفضت تكلفتها حيث وصلت لدى بعض الأطباء لحوالي 1500 دينار، رغم أن جراحات السمنة أصبحت أكثر تنوعًا لتشمل عمليات تحويل المسار.[3]
في الفترة ذاتها، شهد سوق أدوية السمنة تطورًا ملحوظًا عندما حصل دواء ساكسيندا، الذي تنتجه شركة نوفو نورسديك، على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لاستخدامه لإنقاص الوزن نهاية عام 2014، ليبدأ انتشاره تجاريًا في الأسواق العالمية في العام التالي. يقول أخصائي جراحة السمنة الدكتور حمزة الحلواني إن هذا الدواء هو جزء من أدوية مستقبلات GLP‑1 المخصصة لعلاج السكري من النوع الثاني، والتي تشمل أيضًا العلامات التجارية أوزمبيك ومونجارو. بحسبه، فقد دخلت هذه الأدوية السوق الأردني منذ عام 2016، لكن استخدامها لدواعي تقليل الوزن أصبح شائعًا منذ عام 2022.

أظهرت دراسة مسحية نشرت عام 2024 الاستخدام الواسع لهذه الإبر بين الأردنيين كوسيلة لفقدان الوزن، ما يضعها كخيار دوائي إلى جانب الخيارات الجراحية مثل قص المعدة. بحسب الدراسة، وصلت نسبة استخدام إبر اوزمبيك بين عينة الدراسة البالغ عددها 389 شخصًا 47.27%، في حين استخدم الباقي أدوية أخرى.[4]
كان أوزمبيك أيضًا الخيار الذي رشّحه طبيب الغدد الصماء لزينة بعد أن أوضح لها أن إبر مونجارو التي روّجت لها إنفلونسر الانستغرام ما زالت لم تسجّل بشكل رسمي في الأردن بعد، في حين أن إبر ساكسيندا تستخدم بكل يومي، وهو الأمر المتعب نسبيًا مقارنة بالاستخدام الأسبوعي لأوزمبيك. بدأت زينة في استخدام أوزمبيك بعد أن أجرت الفحوصات اللازمة للدم والغدة الدرقية، وذلك بهدف حمايتها من تطوير أي مضاعفات مرتبطة بالتاريخ المرضي، لكنها عادت بعد شهرين لاستخدام إبر ساكسيندا بدلًا من أوزمبيك نظرًا لأنها لم تعد تحتمل الأعراض الجانبية المرافقة للإبرة الأسبوعية عند زيادة الجرعة.
بشكّل مبسط، تعمل هذه الإبر على التأثير على مراكز الشهية في الدماغ، وعلى إبطاء تفريغ المعدة ما يعني الحفاظ على شعور الشبع لوقت أطول، وهذه الآلية مختلفة عن الطريقة التي تعمل بها جراحة قص المعدة حيث يؤدي تقليل حجم المعدة إلى تقليل كمية الطعام الممكن تناولها. إلا أنه نتيجة بقاء الطعام في الأمعاء لمدة طويلة، يواجه المرضى أعراضًا جانبية مرتبطة بالإمساك أو الإسهال والارتجاع المريئي والتقيؤ والغثيان، وهي مضاعفات وجدتها زينة محتملة مقابل النتيجة الملحوظة التي بدأت تلمسها بعد حوالي شهرين ونصف على الاستخدام، خسرت خلالهما حوالي ثمانية كيلوغرامات.
يقول الحلواني إن المعايير الطبية العالمية تشترط لإجراء جراحات السمنة -ومنها قص المعدة- أن يبلغ مؤشر كتلة الجسم 40 كحد أدنى، أو 35 في حال وجود أمراض مرتبطة بالسمنة، وذلك لضمان أن تفوق الفوائد العلاجية المرجوة أي مخاطر محتملة للتدخل الجراحي. ويعني هذا أن إبر التنحيف قد منحت شريحة واسعة من المرضى خيارات غير التدخل الجراحي، وتحديدًا لأولئك الذين لم يصلوا بعد للسمنة المفرطة لكنهم يعانون من زيادة ملحوظة في الوزن. في الأردن، يعاني 60% من الأشخاص في الأعمار (18-69 سنة) من السُمنة أو زيادة الوزن، بحسب مسحٍ تدرّجي من العام 2019.[5]
وحتى المرضى المصابون بالسمنة المفرطة ويتطلعون لإجراء عملية قص المعدة، يمكنهم الاستفادة من «مساحة المناورة» التي تقدمها لهم هذه الإبر، حيث تعمل كجسر بين المريض المصاب بالسمنة المفرطة والعملية. يقول الحلواني إن تقليل وزن المصابين بالسمنة المفرطة يؤدي لسحب الدهون عن الكبد قبل الخضوع لجراحة السمنة، وهو ما يعني عملية أكثر أمانًا ومضاعفات أقل لاحقًا. ينطبق ذلك على مشهد أوسع من الجراحات التي ساهمت الإبر في جعل المرضى أكثر أهلية لها، بما فيها جراحات المعدة (غير المرتبطة بالسمنة) والقلب والعمود الفقري وزراعة الأعضاء، والتي يؤثر فيها وزن المريض على مدى تحمله للتدخل الجراحي وإجراءات التخدير ومضاعفات ما بعد العملية.
أما الأشخاص الذين قد خضعوا لقص المعدة، فيقول العساف إن احتمالات العودة لاستخدامهم هذه الإبر بعد الخضوع للعملية شائع جدًا إما لأهميتها في استدامة النتيجة أو حاجتهم للتعامل مع إصابتهم بالسكري، «يعني إذا المريض عمل قص معدة ورجع ينصح، إما بده يستخدم هاي الإبر أو يعمل عملية من نوع ثاني». بحسب دراسة أجريت على السجلات الطبية للمواطنين الأمريكيين ما بين 2015 و2023، يبدأ واحد من كل عشرة أشخاص خضعوا لجراحة السمنة استخدام مُحفزات GLP-1 خلال خمس سنوات من الجراحة، في حين يعود 45.5% من الأشخاص الخاضعين لعملية قص المعدة في الشرق الأوسط لاكتساب الوزن بمعدلات تتراوح ما بين 15-70% بعد عام من إجراء الجراحة.

نتيجةً لهذا الاستخدام الواسع لإبر التنحيف، يقول العساف إن الإقبال على عمليات قص المعدة في الأردن قد تراجع بحوالي 50% عما كانت عليه سابقًا. تنسجم هذه المعدلات مع الأبحاث التي تشير إلى تراجع عمليات قص المعدة، حيث أظهرت دراسة أمريكية أن استخدام أدوية مثل أوزمبيك وويجوفي لعلاج السمنة قد تضاعف أكثر من مرتين بين عامي 2022 و2023. وفي الفترة نفسها، انخفض عدد المرضى الذين خضعوا لجراحة السمنة بنسبة 25.6%.
يرتبط جزء من هذا الانخفاض الكبير في الإقبال على عمليات قص المعدة محليًا إلى تراجع معدلات المراجعين من الدول الخليجية ممن كانوا يشكلون حصة كبيرة من مجمل هذه العمليات. مؤخرًا، أصبح استخدام هذه الإبر شائعًا في دول الخليج حيث تتوافر فيها أنواع ما زالت غير متوافرة في الأردن بعد مثل مونجارو.
يضيف الحلواني إن تغطية التأمين الصحي الحكومي في هذه الدول تكاليف جراحات السمنة لمواطنيها، والتحسّن الهائل الذي تشهده مؤسساتها وكوادرها الطبية، إضافة إلى صعود أسواق دول أخرى (مثل تركيا ومصر) حيث يمكن للمراجعين إجراء جراحة السمنة بتكلفة أقل، كلها عوامل أسهمت في تراجع الإقبال على جراحة قص المعدة وانخفاض معدلات السياحة العلاجية في الأردن، والتي تراجعت نسبتها بحوالي 35% خلال عام 2023، مقارنة مع عام 2018.
لماذا يتزايد الإقبال على إبر التنحيف؟
«زي كإني عملت العملية وزيادة»، تقول زينة التي تمكنت من الوصول للوزن المثالي بعد عامين من استخدام إبر التنحيف (من 94 إلى 65 كيلوغرامًا). مع الاستخدام المستمر لهذه الإبر والالتزام بنظام غذائي غني بالبروتين، لاحظت زينة تراجع حدة المضاعفات الجانبية التي تعاني منها وتطورت قدرتها كذلك على التعامل معها. وهو ما جعلها تلغي قرارها بإجراء عملية قص معدة أو تؤجله مرحليًا على الأقل في حال لم تتمكن من الالتزام بالنظام الغذائي الصحي على المدى الطويل وعادت لتكتسب الوزن الزائد الذي فقدته بعد التوقف عن استخدام الإبر.
تفوق النتيجة التي حققتها زينة نتائج التجارب السريرية التي تظهر أن إبر التنحيف من مستقبلات GLP-1 تؤدي إلى فقدان ما يقارب 15% من وزن الجسم بعد عام واحد من الاستخدام المنتظم.[6] ورغم أن هذه المعدلات ما زلت أقل بكثير من النتائج التي يحصل عليها المرضى الذين خضعوا لعملية قص المعدة وفقدوا حوالي 27–30% من وزنهم الكلي بعد عام بعد العملية، تقول زينة إن استخدام الإبر جنّبها الخضوع لعملية جراحية تصاحبها عادة عدة آثار جانبية تشمل الغثيان والتقيؤ والإسهال وانخفاض مستوى السكر وصعوبة الهضم وزيادة خطر حصوات الكلى، كما يعتبر فقر الفيتامينات والمعادن المشكلة الأكثر انتشارًا على المدى الطويل، لأن الجراحة تقلل امتصاصها، ما قد يسبب فقر الدم وهشاشة العظام.
كما تتطور الحالات لمن أجروا عمليات قصّ المعدة في بعض الأحيان إلى الحاجة لتدخلات طبية إضافية، حيث كشفت دراسة حالة تحلل سجلات 736 مريضًا ممن تلقوا جراحة السمنة في مستشفى الجامعة الأردنية بين 2016 و2019 إلى أن نسبة إعادة دخول المستشفى بعد 90 يومًا من إجراء جراحة السمنة تصل إلى 23%. لا يعني ذلك أن استخدام إبر مستقبلات GLP-1 خالٍ من الأعراض الجانبية، حيث يتوقف 36.5% من مستخدمي هذه الأدوية عن استخدامها خلال أول سنة من العلاج نتيجة صعوبة تحمل الآثار الجانبية لها.
يقول العساف إن الخوف من جراحة قص المعدة أصبح أكثر رواجًا نتيجة توسّع بعض الأطباء في إجراء هذه العمليات لأسباب مادية لدى مرضى لا يحققون المعايير الجراحية ويُعتبرون علميًا أكثر عرضة لمواجهة المضاعفات الصحية. كما يرتبط هذا الخوف بعدم القدرة على عكس النتائج، بمعنى «كثير مرضى بخافوا يخسروا قدرتهم على الاستمتاع بالأكل. في حالة الإبر [بتقدر] توقفها وبترجع توكل زي أول، بس في حالة العملية ما في خطوة للخلف».
شيء كهذا حصل مع زينة، إذ قررت في مرحلة ما من رحلتها العلاجية أن توقف استعمال الإبر، لأنها أرادت تخصيص وقت أكثر لفهم التغير الحاصل في شكلها وحياتها، وتحديد قدرتها على الالتزام بنمط حياة جديد مرتبط بكميات ونوعيات معينة من الأكل، وكذلك الالتزام بلعب الرياضة. «هاي الخطوة أهم من الإبر نفسها»، تقول زينة، مشيرة إلى أثرها على تقليل ترهل الجلد وخسارة الكتلة العضلية من الجسم إلى الحد الأدنى، وهي مؤشرات مرتبطة بخسارة الوزن بشكل سريع في حال الإبر أو الجراحة.
مع إيقافها للإبر لحوالي شهرين، اكتسبت زينة حوالي عشرة كيلوغرامات، وهو ما يفوق ما تمكنت من خسارته خلال شهرين من استخدام هذه الإبر لأنها استغّلت هذه الفترة لتناول كل أطعمتها المفضلة بكميات كبيرة. لكنها عادت لخسارة هذا الوزن تدريجيًا مع العودة لاستخدام ساكسيندا بشكل يومي والالتزام برفع الجرعات أسبوعيًا، ضمن نظام غذائي ورياضي جديد.
تُصمّم أخصائية التغذية ريم مبارك برامج تغذية ورياضة للمراجعين الذين استخدموا إبر التنحيف من أجل المحافظة على النتائج، معتمدة على وجبات غنية بالبروتين والألياف لتعويض الكتلة العضلية المفقودة، وعلى نظام رياضي متدرّج الصعوبة لتطوير لياقتهم وتقليل ترهّل الجلد. تؤكد مبارك أن أخصائيي التغذية غير مخوّلين بصرف هذه الإبر للمراجعين أو الإشراف على استخدامها، لكنها تلحظ توسّع مستخدمي هذه الإبر كشريحة ضمن المراجعين الذين تتعامل معهم وتحرص على تصميم برامج مخصصة تراعي احتياجاتهم. كما ترى أن الإقبال على هذه الإبر قد خفض لجوء البعض إلى خدمات أخصائيي التغذية، خصوصًا ممن يستخدمون هذه الأدوية على مسؤوليتهم الخاصة أو بناءً على تجارب أقاربهم وأصدقائهم دون اللجوء لإشراف طبي.
بحكم تجربتها، تشير مبارك إلى أن تحقيق الاستفادة المثلى من هذه الإبر يتمثل في النظر إليها كمدخل لتغيير نمط الحياة لأن هذا ما يخلق الفرق بين تجارب الأفراد، بالنظر إلى أن العودة لاكتساب الوزن فور التوقف عن استخدام الإبر أمر شائع جدًا وقد يصل لدى البعض لحوالي ثلثي الوزن الذي فقدوه. ورغم أن هذا ممكن في حالة عمليات قص المعدة أيضًا حيث تستعيد المعدة حجمها مع الإفراط في الأكل، إلا أن اكتساب الوزن من جديد يظلّ أصعب مما هو عليه في حالة الإبر.[7]
ولذلك، يعتقد الحلواني أن الإبر تستهدف فئة أوسع من جمهور عمليات قص المعدة، لكنها لا تشكّل بديلا عنها لدى المرضى الذين يعانون من سمنة مفرطة جدًا ويريدون حلًا سريعًا لا يتطلب منهم التزامًا باستهلاك دوائي معيّن، خصوصًا وأن تكلفة استخدام الإبر على المدى الطويل تكاد تكون مقاربة لتكلفة إجراء عملية قص المعدة. أنفقت زينة خلال عامين حوالي ألفي دينار على شراء إبر التنحيف بمعدل إبرة شهريًا من أوزمبيك يتراوح سعرها في السوق الأردني 94-100 دينار، دون حساب الاستشارات الطبية والفحوصات الدورية المرافقة للاستخدام، «ولو ما حافظت على النتيجة، رح أضطر استمر على الدواء»، كما تقول.
تقول الصيدلانية والباحثة في علم حركية الدواء رنا أبو طعيمة إن التفكير بتكلفة استخدام الإبر يعتمد على نمط الاستخدام، لأن التكلفة المبدئية تكون أقل بكثير من تكلفة العملية لدى الأشخاص الذين لا يستمرون في استخدامها لفترات طويلة (وهم الشريحة الأوسع) لكنهم يريدون تحقيق «دفعة للأمام» تساعدهم على تغيير عاداتهم الغذائية والبدنية. كما أن مستخدمي هذه الإبر لا يضطرون لدفع مبالغ كبيرة على المدى القصير مثل حالة الجراحة حتى لو كانوا يدفعون نفس المبلغ مع الوقت، وكأن هذا الخيار يتيح لهم إمكانية التقسيط.
لا تتوقف الأسباب المرتبطة بالإقبال على إبر التنحيف مقارنة بعمليات قص المعدة عند الخوف من الجراحة أو اعتبارات التكلفة المادية، إذ تشمل أيضًا سهولة الوصول لها. تشير أبو طعيمة إلى أن معظم الصيدليات في الأردن تصرف إبر أوزمبيك وساكسيندا للمرضى بدون وصفات طبية، في حين تقدم بعض المختبرات خصومات على الفحوصات المرتبطة بها دون الحاجة للإشراف الطبي، بالإضافة لقدرة البعض على شرائها من بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أو من الدول المجاورة مقابل تكلفة أقل. بحسب أبو طعيمة التي شاركت في إعداد دراسة حول مدى انتشار هذه الإبر في الأردن، فإن 51% من المشاركين في الدراسة قالوا إن وسائل التواصل الاجتماعي شكلت المصدر الرئيسي لمعلوماتهم حول هذه الأدوية، وأن 29% منهم قد حصلوا على هذه الأدوية بالفعل عبر الفيسبوك.

يحذّر الأطباء من استخدام هذه الإبر دون استشارة طبية (off-label use) تتضمن إجراء فحوصات مخبرية للتأكد من سلامة وظائف الكلى والكبد والغدة الدرقية ومستوى السكر في الدم، والبحث عن محاذير محتملة لاستخدامها مثل وجود تاريخ سابق لأمراض الكلى والبنكرياس والغدة. بالإضافة لتحديد خطة الجرعات التدريجية وتوضيح كيفية عمل هذه الإبر والنتائج المتوقعة منها.
تشمل المضاعفات احتمالية الإصابة بسرطان الغدة الدرقية ومشاكل شبكية العين والتهاب البنكرياس وغيرها. بحسب العساف، فإن الاستخدام الخاطئ لها رغم فاعليتها يؤدي إلى مشاكل أكبر من المحتمل أن تصبح أكثر شيوعًا، «ووقتها الناس رح تصير تقول الإبر بتخوف ويرجع الإقبال على قص المعدة يزيد».
مستقبلًا، يتوقع الحلواني انتشارًا أوسع لهذه الإبر بعد تسجيل مونجارو بشكل رسمي في الأردن،[8] ثم البدء بتوفير الحبوب المخصصة للتنحيف والموازية للإبر المخصصة لمرضى السكري (مثل إبر أو حبوب ويجوفي البديلة عن إبر أوزمبيك لنفس الشركة). وبحسبه، فقد غيّرت هذه الأدوية واقع علاجات السمنة وكذلك تفضيلات المرضى حيالها، فضلًا عن التغير في فلسفة التعامل مع السمنة، «يعني السمنة مرض بتاخذله دوا زي أي مرض ثاني، وليس وصمة اجتماعية لا يمكن حلّها إلا بعملية جراحية»، بحسبه.
«نجحت في امتحان السمنة»، تقول زينة التي تشعر بالرضى الكبير عن تجربتها في استخدام الأوزمبيك والساكسيندا، وبالسعادة حيال الوزن والشخصية الجديدة التي منحتها إياها هذه الإبر. كما تلتزم -حتى اليوم- باستخدام جرعات متباعدة ومنخفضة من الأوزمبيك كلّ 7-10 أيام،[9] وكذلك بنمط غذائي ورياضي يمكّنها من المحافظة على الوزن الذي تطمح له على أمل أن تتمكن من الاستغناء عن هذه الإبر وأعراضها وتكلفتها بشكل كامل. ومع الوقت شكّلت تجربتها الناجحة فاتحة لبقية أفراد عائلتها ممن بدؤوا في استخدام هذه الإبر أيضًا، بمن فيهم أخوها الذي خضع لعملية قص المعدة قبل حوالي عشر سنوات.
* ساهم أخصائي جراحة الأنف والأذن والحنجرة أدهم الجريري في تطوير هذه المادة وتحسين فهم السياق المرتبط بالموضوع، نظرًا لمساهماته البحثية حول أمراض وعلاجات السمنة فيما يتعلق باضطرابات النوم.
-
الهوامش
[1] تترجم إلى العربية: ناهضات مستقبلات الببتيد الشبيه بالجلوكاجون- 1.
[2] يعبّر مؤشر كتلة الجسم (BMI) عن حساب الوزن على مربع الطول، ويعتبر صحيًا عندما يتراوح بين 18.5 و 24.9، حيث يشير هذا النطاق إلى وزن طبيعي بالنسبة للطول، أما الوزن الزائد فيتراوح ما بين 25- 29.9، في حين تقسّم السمنة إلى درجات تبدأ عندما يصل مؤشر كتلة الجسم 30.
[3] إحدى جراحات السمنة التي تقوم على تقليص حجم المعدة وإنشاء جيب صغير يتم توصيله بجزء من الأمعاء الدقيقة، ما يحد من كمية الطعام المستهلكة. وأشهر أنواعها عملية تحويل المسار الكلاسيكي وعملية تحويل المسار المصغر.
[4] هي إبر ساكسيندا ومونجارو وحبوب مساعد السكري (جلوكوفاج).
[5] بحسب نتائج المسح التدرّجي لعوامل الخطورة المرتبطة بالأمراض غير السارية في الأردن عام 2019، يعاني حوالي 21.6% من الأشخاص في الأردن (ما بين 18-69 سنة) من زيادة الوزن، مقابل 38.5% من السمنة.
[6] وفقًا للدراسات السريرية، أظهر تيرزيباتيد (المادة الفعالة في مونجارو/ زيبباوند) فعالية أعلى في إنقاص الوزن مقارنةً مع سيماجلوتايد[e] (المادة الفعالة في أوزمبيك/ ويجوفي) لدى المرضى المصابين بالسمنة أو السكري من النوع الثاني، حيث قد تصل معدلات إنقاص الوزن إلى 20.9% عند استخدام الجرعة القصوى منها.
[7] تشير هذه الدراسة إلى أن حوالي 32% من الخاضعين لعملية قص المعدة يتمكنون من المحافظة على وزنهم، في حين أن 22.7% يستمرون في خسارته بعد عام من العملية.
[8] يتراوح سعر إبرة مونجارو في الأردن اليوم ما بين 200 و230 دينار.
[9] تساعد هذه الإبر زينة في تحسين حساسية الخلايا للأنسولين لكنها تأخذ أدوية أخرى -إلى جانب الإبر- مخصصة لعلاج مقاومة الأنسولين وتكيس المبايض.





