هل يسير “باب المندب” على خطا “هرمز”
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تعود المضائق البحرية الاستراتيجية إلى واجهة المشهد، ليست مجرد ممرات للتجارة العالمية، بل نقاط اشتعال محتملة في صراع يزداد اتساعه يوماً بعد يوم، وبينما يظل مضيق هرمز رمزاً للتوتر في الخليج، يبقى السؤال الأبرز والأكثر رعباً.. هل يسير مضيق باب المندب على الطريق ذاته نحو دائرة التصعيد وربما الإغلاق؟
التطورات الأخيرة لا تدع مجالاً كبيراً للطمأنينة، فإعلان جماعة الحوثي تنفيذ هجوم مباشر على إسرائيل، اليوم السبت، بالتوازي مع رسائل إيرانية تؤكد القدرة على تهديد الملاحة في باب المندب، ما يعكس انتقال الصراع من ساحاته التقليدية إلى نطاق أوسع يستهدف الممرات الحيوية ذات التأثير العالمي، ما يشير إلى أن هذا التحول لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل يعيد رسم قواعد الاشتباك، حيث تصبح التجارة الدولية نفسها جزءاً من معادلة الردع والضغط.
تكمن خطورة مضيق باب المندب في موقعه الحساس كصلة وصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ما يجعله شرياناً لا غنى عنه لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وممراً أساسياً لإمدادات الطاقة، وفي ظل هذه المعطيات فإن أي تهديد له – حتى لو بقي في إطار الرسائل السياسية – كفيل بإحداث اضطرابات في الأسواق العالمية، ورفع كلفة النقل والتأمين، على غرار ما شهدناه في مضيق هرمز.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة البيئة المحيطة بكل من المضيقين، فبينما يخضع “هرمز” لتوازنات تقليدية بين دول، يواجه باب المندب واقعاً أكثر هشاشة وتعقيداً، حيث تتداخل الأزمات الداخلية في اليمن مع الحسابات الإقليمية، إلى جانب حضور فاعلين جدد، ما يجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة أعلى بكثير.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمال الإغلاق الفعلي، بل ترسيخ حالة من التهديد المستمر، حيث يكفي التلويح بتعطيل الملاحة لإرباك الاقتصاد العالمي، وإذا ما تكرس هذا النمط في باب المندب، فإن العالم قد يجد نفسه أمام جبهة بحرية مزدوجة من التوتر، تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية واقتصادية واسعة.
أمام هذا الواقع، لم يعد السؤال ما إذا كان “باب المندب” سيسير على خطا “هرمز”، بل إلى أي مدى يمكن احتواء هذا المسار قبل أن يتحول إلى أزمة مفتوحة، وهنا فإن الإجابة لا تتوقف فقط على حسابات القوى الإقليمية، بل أيضاً على قدرة المجتمع الدولي على التحرك لحماية هذا الممر الحيوي، عبر وضع حد للحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ومنع تحوّله إلى نقطة اختناق جديدة في شرايين الاقتصاد العالمي.
في زمن النزاعات المفتوحة، لم تعد الجغرافيا محايدة، والمضائق لم تعد مجرد ممرات… بل أصبحت خطوط تماس في صراع تتجاوز حدوده الإقليم إلى العالم بأسره.
الوطن- أسرة التحرير
.jpg)




