هل يمكننا الاستغناء عن الأطباء؟
نشر المقال في مجلة aeon بالإنجليزية.
لو كانت الطائرات تسقط بالوتيرة التي تحصد بها الأخطاء الطبية الأرواح، لما سكت العالم؛ بل لثارت ثائرة الناس وفرضت إصلاحات جذرية فورية. لكن حين يتعلق الأمر بالطب، نجد تسامحًا مفرطًا خلف مبرر «البشر يخطؤون». إن المأساة الحقيقية لا تكمن في حجم الضحايا فحسب، بل في تلك اللامبالاة الغريبة التي تُقابل بها هذه الكوارث الصامتة.
لا تتوقف آثار أزمات الطب عند حدود المرضى، بل تمتد لتنال من الأطباء أنفسهم؛ فخلف المعاطف البيضاء تختبئ ملامح الإنهاك والاكتئاب وشبح الاحتراق الوظيفي. يأتي هذا في وقت يواجه فيه العالم انفجارًا في الطلب على الرعاية الصحية نتيجة النمو السكاني وشيخوخة المجتمعات وزيادة الأمراض المزمنة كالسرطان والسكري والخرف، مما يضعنا أمام عجز في كوادر القطاع الصحي، يتوقع أن يصل إلى نحو 10 ملايين عامل بحلول عام 2030.
يزيد الإجهاد وكثرة العمل من فرص حدوث أخطاء طبية، لكنها قد تقع حتى في أكثر النظم الصحية جاهزية من حيث الإمكانات والأطباء؛ فالبشر محدودون بطبيعتهم: ننسى، ونخطئ في التقدير، وقد نفرط في الثقة، وتؤثر حالتنا النفسية وتحيزاتنا ومكامن غفلتنا فيما نراه وفي أحكامنا. ويُفاقم الإرهاق المهني هذه الهشاشة لكنه لا يخلقها من العدم؛ فهي كامنة في الطبيعة البشرية التي خدمت الإنسان يومًا حين كان يعيش في جماعات صغيرة، لكنها اليوم تصطدم ببيئة الطب الحديث؛ حيث المخاطر العالية، والفيض المعرفي، وتعدد المسؤوليات. بعبارة أخرى، حتى في أفضل حالاتهم، يظل الأطباء بشرًا، وهذا يعني أن وقوع الأخطاء قدرٌ محتوم.
لقد عرفت عائلتي الأخطاء الطبية عن قرب؛ فقد ظل شقيقي يعاني من «الحثل العضلي التوتري» لقرابة عقدين قبل أن يهتدي أحد لتشخيصه. أما شقيقتي التوأم، فكان الحظ حليفها إذ شُخِّصت حالتها مبكرًا على يد طبيب زائر، وذلك بعد رحلة من التخبط بين تشخيصات خاطئة، تراوحت بين الاكتئاب والإرهاق «الطبيعي» أو مجرد «تآكل مع الزمن»، في حين اعترف أطباء آخرون بصراحة بعجزهم عن التفسير. لكن الحظ كان أكثر قسوة مع شريكي الراحل؛ فكما يحدث أحيانًا في تقلبات القدر الطبي، حين نجح الأطباء أخيرًا في كشف اعتلال قلبه الخَلقي بعد سنوات، وجدوا سرطان المعدة قد سبقه، ليأتي الاكتشاف متأخرًا بعد أن تمكن المرض من جسده.
بالنسبة لي، ليست هذه مجرد قصص عن إخفاق المنظومة الصحية، بل هي فصول من تاريخ عائلتي، لكنها في الوقت ذاته مرآة تعكس حقيقة أوسع وأشد قتامة: وهي أن الأخطاء الطبية باتت من المسببات الرئيسة للوفاة عالميًا. وفي هذا السياق، يراهن الكثيرون على التكنولوجيا؛ فإذا كان الخطأ قدرًا لا مفر منه ما دامت الأيدي البشرية هي التي تدير المشهد، فربما تستطيع الآلات أن تُثبّت هذه الأيدي، أو حتى أن تحل محلها تمامًا.
وهنا يبرز «الطبيب الآلي» في المشهد؛ فبين التبشير به كمنقذ والتحذير منه كعنصر تقويض، يسود تصور يراه شريكًا لا بديلًا: خوارزمية تهمس في أذن الطبيب، ويد بشرية تتولى زمام القرار، في علاقة تكاملية ترفض التنافس وتُعلي من شأن المصلحة العلاجية. إذا كان هدف الطب رعاية المرضى، فالسؤال الحقيقي ليس من يحمل سماعة الطبيب، بل من يستطيع أن يحقق نتائج آمنة وموثوقة وعادلة على أفضل وجه.
لن تجدوا في هذه المقالة سردًا لإنجازات الذكاء الاصطناعي أو إخفاقاته في المجال التشخيصي؛ فما أسعى إلى تفكيكه هو افتراض قائم مفاده أن الأطباء هم أصحاب القرار فيما إذا كانت التكنولوجيا قادرة على أن تشغل مكانهم، أو حتى أن يكونوا محور هذا النقاش من الأساس. ومن منطلق فلسفي، نحتاج إلى الإنصاف والتوازن. وحين يكون السؤال: «من يقدّم الرعاية الطبية والعلاج؟»، بهذا الاتساع وهذه الأهمية، يصبح من الضروري أن نُخضع الطب للمساءلة نفسها التي نخضع علها شركات التكنولوجيا. فالطبيب ليس بمنأى عن تضارب المصالح، وتفويضه بتقرير ما إذا كان وجوده مهمًا في العملية العلاجية أم لا يشبه إعطاء المدّعى عليه صلاحية القاضي.
ومن هنا أسلّط العدسة في هذه المقالة على افتراض شائع إلى حدّ أنك تجده متضمَّنًا في حواراتنا عن مستقبل الطب: أن الأطباء هم من يُفترض بهم تقرير ما إذا كان «الطبيب الآلي» يستطيع أو ينبغي له أن يحلّ محلهم.
للأطباء مصلحة مباشرة في المنظومة التي نحاول مساءلتها. فمكانتهم المهنية، ومصادر رزقهم، وحتى إحساسهم بذواتهم على المحك. لذا من الطبيعي أن يؤمنوا بأن الاستغناء عنهم غير ممكن. لكن التاريخ يعلمنا أن الفئات الأشد حرصًا على البقاء هي الأقل أهلية للحكم على مدى قابليتها للاستبدال. لذا، إذا أردنا مناقشة فكرة إدخال الطبيب الآلي أو الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الطبيب، فعلينا الخروج منها أولًا، وأن نواجه هذا السؤال على أسسه الخاصة وبأقل قدر ممكن من الولاءات والتحيزات المسبقة. وبمعنى آخر، يتيح لنا النظر من خارج المنظومة رؤية ما يغفله أو يتجاهله من هم فيها.
وهذا يقتضي الاستفادة من زوايا متعددة، مثل الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والمرضى أنفسهم، لنفحص هذه الأسئلة على نحو أفضل: ما الذي يفترض أن يحققه الطب؟ إلى أي حد ينجح في أداء مهمته؟ ومن يمكنه أن يحقق هذه المهمة على أفضل وجه؟ ومن هذا المنظور، أسعى إلى فتح نقاش حول ماضي الطب ومستقبله.
لنتأمل مآلات المرض ومسارات العلاج تحت مجهر علم النفس: يُنتظر من الطبيب دومًا أن يتحلى بالحزم، فالتردد هنا قد يكلّف حياة. وعلى نقيض الفلاسفة الذين يسعهم التحوّط بعبارات مريحة مثل «هناك رأيٌ ورأيٌ آخر»، يُدفع الأطباء دفعًا نحو قرارات خاطفة وعالية المخاطر؛ لتصبح الثقة، بل وفرطها أحيانًا، جزءًا لا يتجزأ من تكوينهم المهني وضرورات دورهم.
لكن الثقة لا تعني بالضرورة الدقة. فإحدى الدراسات التي ركزت على مرضى العناية المركزة وجدت أن الأطباء الذين كانوا «واثقين تمامًا» من تشخيصهم أخطأوا في نحو 40% من الحالات. أضف إلى ذلك أن استعانة الأطباء بغيرهم وطلب المشورة يقل كلما زادت خبرة الطبيب في إصدار الأحكام السريرية، فتتحول السلطة إلى ثقة مفرطة تُقارب الغرور.
ويساهم المرضى أنفسهم في ترسيخ هذا الدور؛ فنحن نميل بطبيعتنا إلى الطبيب الذي يبدي ثقةً مطلقة بقراراته، حتى وإن جانَبها الصواب. فلا يزال المعطف الأبيض رمزًا للهيبة والسلطة، نرتكن إليه بحثًا عن الحسم حتى في مواقف الخطأ. بيد أن عقودًا من الدراسات تؤكد أن اليقين ليس دائمًا دليلًا على الدقة؛ فكما وصف أحد اختصاصيي علم الأمراض حال زملائه بدقة، فإن الأطباء «يسيرون وسط ضباب من تفاؤلٍ لا مبرر له».
على مدى قرون، عشنا في ظل أسطورة الطبيب الذي لا يمكن الاستغناء عنه؛ فالأطباء ليسوا مجرد معالجين، بل رموز ثقافية: كهنةٌ للجسد، وحرّاسٌ للموت، ومفسّرون للألم والمعاناة. نحن لا نلجأ إليهم طلبًا للشفاء فحسب، بل بحثاً عن الطمأنينة، وعن طقس إنساني مألوف، وربما عن مسحة من السمو. لكن هذه الأسطورة ذاتها هي ما يحجب عنا القدرة على الحكم السليم؛ فالإصرار على حصرية الدور البشري في الرعاية الصحية يعكس قصورًا في خيالنا عن تصور واقع جديد أكثر مما يعكس الحقيقة. فالتاريخ حافل بمهن وأدوار ظُنَّ يومًا أنها غير قابلة للاستبدال، من رجال الدين إلى الملّاحين وصولًا إلى صرّافي البنوك، قبل أن تفقد مركزيتها وتتغير سياقاتها للأبد.
ثمّة شكل آخر من إنكار الأعراض، لا في المرضى بل في المهنة نفسها. فالخطأ التشخيصي ظل مهمَلًا إلى حد كبير في معظم تاريخ الطب. وحين نشر معهد الطب تقريره المرجعي «الخطأ من طبيعة البشر» عام 1999، لم يتضمن فهرس الوثيقة التي بلغت 270 صفحة سوى إشارتين فقط إلى الخطأ التشخيصي. وعندما بدأ الباحثون في موضوع سلامة المرضى التعامل مع التشخيص الخاطئ بوصفه أزمة في مطلع الألفية الجديدة، قوبلوا بلامبالاة مؤسسية ومقاومة من الأطباء.
إن ميل الأطباء للتقليل من حجم أخطائهم مفهوم، لكنه كاشف. فالدراسات تُظهر أنه عند مواجهة الأطباء ببيانات عن أخطائهم، فإنهم يميلون أكثر من المرضى إلى اعتبار الأرقام مبالغًا فيها، أو إلى الإيحاء بأن «الأطباء الآخرين» يرتكبون أخطاءً كذلك. ولوحظ أن الجراحين، على سبيل المثال، يقلّلون من تقدير معدلات حصول المضاعفات لدى مرضاهم بشكل منهجي. وما يبدو إنكارًا ليس سوى آلية لحماية الهوية المهنية، وربما أيضًا وسيلة للحفاظ على القدرة على الاستمرار في الممارسة. قد يكون الإفراط في التواضع مُرهقًا إلى حد يعيق القدرة على الاستمرار في ممارسة الطب. فكثيرًا ما يخبرني الأطباء أن أخطاءهم لا تفارقهم. لكن الواقع أن عددًا كبيرًا من الأخطاء يمر دون أن يُلاحظ، ودون أن يُعترف به.
يُظهر التاريخ أن هذه النزعة الدفاعية تمتد لتشمل الابتكار؛ فقد قاوم الطب مرارًا أفكارًا ورؤى زعزعت النظريات والممارسات السائدة، مثل التخدير، واستخدام المعقمات، واللقاحات، وحتى غسل اليدين. وقد عارض الجراحون التخدير سابقًا خوفًا من أن يُقوّض مهاراتهم في إجراء العمليات بسرعة وهي مهارات اكتسبوها بشقّ الأنفس رغم أن مرضاهم كانوا يتلوّون من الألم. وكما كتب المؤرخ ديفيد ووتون في كتابه «الطب الرديء: أطباء يُلحقون الضرر منذ أبقراط» (2007)، فإن تردّد الطب في التفاعل مع الابتكارات الجديدة كثيرًا ما أبطأ وتيرة التقدّم.
حتى وقت قريب، قاوم الأطباء تبنّي أدوات رقمية أساسية، مثل المنصات التي تتيح للمرضى الوصول إلى سجلاتهم الطبية. فاستمر الاعتماد على أجهزة الفاكس في تبادل المعلومات السريرية في الولايات المتحدة حتى عام 2021، بينما لا يزال النظام الصحي في المملكة المتحدة ينفق ملايين الجنيهات سنويًا على الورق والطوابع.
ومع كل ما سبق، لا يمكن اعتبار كل ميل محافظ في الطب أمرًا سلبيًا. فقد جادل الفيلسوف توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية» (1962) بأن المجتمعات العلمية تحتاج إلى الدفاع عن نظمها المعرفية إلى أن يتراكم عدد كافٍ من الأدلة على ضرورة التغيير بما لا يترك مجالًا للشك، إذ إن الاستجابة السريعة لكل «موضة» قد تُزعزع استقرار المجال الطبي. لكن هذا الحذر يتجاوز حدود الحكمة في كثير من الأحيان؛ فلا تنبع مقاومة التغيير من عبء العمل فقط وهو تحدٍّ حقيقي لا يجوز التقليل من تأثيره، بل لأنها أحيانًا الخيار الأسهل، ولأنها تحمي مصالح مهنية قائمة.
ولإمعان النظر في الكيفية التي يحرس بها الطب «احتكاره»، ففي الولايات المتحدة يمتلك الممرضون ومساعدو الأطباء القدرة القانونية على إنجاز 90% من مهام أطباء الرعاية الأولية، بل وتكشف الدراسات أن مرضاهم غالبًا ما يبدون رضا مماثلًا أو أعلى. ومع ذلك، لا تفتأ الجمعيات الطبية تضغط لتقييد هذه الاستقلالية؛ إذ تنفق الجمعية الطبية الأمريكية عشرات الملايين سنويًا للحفاظ على هيمنة الأطباء. وفي بريطانيا لا يختلف المشهد؛ حيث تستميت الجمعية الطبية في معارضة توسيع أدوار مساعدي الأطباء بذريعة حماية «الدور الفريد» للطبيب، في وقتٍ يدفع فيه ملايين المرضى الثمن حرمانًا من الرعاية العاجلة.
كما تتجلى هذه العقلية النقابية كذلك في مواقفها من الشفافية. فاليوم يتمتع المرضى بحقوق قانونية تتيح لهم الاطلاع على سجلاتهم الطبية. لكن عندما حاولت السلطات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة جعل هذا الوصول أمرًا اعتياديًا واجهت الخطوة مقاومة من الهيئات المهنية الطبية. حذّر الأطباء آنذاك من أن ذلك سيسبب قلقًا للمرضى، أو يربكهم، أو يضيّع وقت المواعيد وهي اعتراضات لم تثبت صحة معظمها. لكن عندما أتيح هذا الخيار، وجدنا أن واحدًا من كل خمسة مرضى أفاد بالعثور على أخطاء في سجلاته الطبية، بعضها جسيم. لذا فليس من المستغرب أن يُعارَض هذا الحق بهذه الشراسة.
وبالطبع، لا يعني شيء مما سبق أن الأطباء أشرار. فحتى ممانعة الأطباء إتاحة السجلّات تكون مفهومة من أطباء يخشوْن الغرق في سيل من الاستفسارات وأعباء العمل الإضافية. ومن المهم التذكير بأن الغالبية العظمى منهم متفانون ومتميزون ويتمتعون بقدر عالٍ من الإنسانية. لكن المهم هو مساءلة الممارسات التي تنطلق من المصلحة الذاتية على مستوى المهنة ككل.
يرتكز نفوذ الطب جزئيًا على ما يسميه الباحثان ريتشارد ودانيال سسكيند «العقد الكبير» للمهن. ففي كتابهما «مستقبل المهن: كيف ستغيّر التكنولوجيا عمل الخبراء البشر» (2022)، يجادلان بأن المجتمع يمنح أصحاب المهن المكتبية مكانة ووجاهة وأجورًا سخية مقابل خبرتهم وسلوكهم الأخلاقي. ويتفرد الأطباء بحق التشخيص والعلاج، ويتحكمون في دخول المهنة عبر أنظمة الترخيص والتنظيم. وفي المقابل، يثق المجتمع بأنهم يعملون بما يخدم مصلحة المرضى. وبالفعل، يُعد الطب بين أكثر المهن التي تحظى بالثقة في العالم، متقدمين بفارق على الصحفيين والسياسيين ورجال الدين. لكن هذا العقد لا يُحترم دائمًا.
فالامتيازات واضحة: رواتب مرتفعة، ومكانة ثقافية، ونفوذ سياسي. أما الالتزامات فأقل وضوحًا. وعندما تقاوم الهيئات المهنية حق المرضى في الوصول إلى سجلاتهم الطبية، أو تعرقل استقلالية الممرضين، أو تنكر حجم الخطأ التشخيصي، فهي بذلك تحمي المنظومة المهنية المغلقة لا الصالح العام.
ولا يعني ما سبق إنكار أن الطب عمل ذو قيمة إنسانية في كثير من الأحيان، أو أن كثيرًا من الأطباء يرون مهنتهم رسالة. لكن حججًا مثل الحفاظ على رضا الأطباء عن مهنتهم، أو مكانتهم الاجتماعية، أو أجورهم، لا تبرر الإبقاء على امتيازاتهم المهنية دون مساءلة. فمعظم الناس لا يستمتعون بعملهم، ومع ذلك لا تُمنح لهم حصانات أو استثناءات خاصة. لذا ينبغي إعادة تقييم الامتيازات والاستثناءات التي تُمنح للأطباء والتي تُبرر بدعوى مكانة المهنة أو سموها تقييمًا مستقلًا وجادًا. ومرة أخرى، لا بد من التشديد على أن السؤال المركزي هو: «هل ينجح النظام الحالي في تقديم رعاية صحية موثوقة ومتاحة للجميع؟» وإذا كانت الإجابة «لا»، فهل يمكن لنماذج مختلفة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، أن تؤدي هذه المهمة على نحو أفضل؟
ولكن قبل أن نصل أصلًا إلى الأدلة التي تقارن بين أداء «الطبيب الآلي» والأطباء البشر، أو تبحث فيما إذا كان نموذج هجين قد يكون الأنسب، نواجه انزعاجًا وتململًا من كثير من الأطباء. وبوصفي مختصة في المعلوماتية الصحية أي باحثة تعمل على بيانات الرعاية الصحية أمضيت سنوات أستطلع آراء الأطباء حول هذا السؤال في بلدان متعددة، ويمكنني القول إن الرد متطابق دائمًا: يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى ما يسمّونه «الحكم». هو يفتقر إلى الحدس والغريزة، ولا يمتلك القدرة على التشكيك أو الاستشعار أو الإحساس بالمريض. يلخّص طبيب التخدير رونالد دوركين هذا الموقف بقوله «يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى الحدس والارتياب والغريزة والاستشعار المسبق والإحساس، وبالتالي فإنه يفتقر إلى «الحكم» بالمعنى الإنساني. فهو لا يعمل إلا على التجريدات أي الكلمات. ولا يستطيع فهم ما وراء الكلمات، ولا الغوص في عمق الأمور».
في المقابل، يرى ريتشارد سسكيند أننا نضخم أهمية ما يسمى بـ«الحكم البشري» ونجعله قيمة جوهرية، ونغفل سؤالًا أساسيًا: ما القضايا التي يُفترض أن يكون «الحكم البشري» حلًا لها؟ فليس واضحًا ما إذا كان الحكم البشري وحكم الأطباء على وجه الخصوص هو الحل الوحيد للحصول على تشخيص دقيق، مثلًا. ويشير سسكيند إلى ضرورة التمييز بين الطريقة والنتيجة.
وهذا مثال كلاسيكي على تفكير ينشغل بالعمليات أكثر من النتائج. إذ تحافظ هذه الحجة على الغموض الذي يحيط بكيفية اتخاذ القرارات، بدل أن تدفعنا إلى طرح السؤال الوحيد الذي يهم المرضى فعلًا: ما أثر هذه القرارات عليهم؟ فالشخص الذي يصل إلى قسم الطوارئ وهو يعاني ألمًا شديدًا في الصدر لا يهمه مصدر التشخيص أكان ناتجًا عن حدس بشري أم عن خوارزمية بقدر ما تهمه دقة التشخيص وسرعته، وأن يتبعه العلاج المناسب. وكما كتب سسكيند في كتابه الأحدث «كيف نفكّر في الذكاء الاصطناعي: دليل للحائرين» (2025): «إن الأشخاص الذين يلجأون إلى الخبراء طلبًا للمساعدة لا يفعلون ذلك عادةً وهم يقولون: أودّ الحصول على بعض «الحكم البشري» من فضلك. فالحكم ليس غايةً في حد ذاته». فالناس لا يسعون وراء المعالجين بقدر ما يسعون إلى راحة البال؛ يريدون التمتع بالصحة والحصول على معلومات دقيقة، لا بالضرورة مقابلة الطبيب.
ومما لا شك فيه أن المشهد أكثر تشابكًا؛ فقد ألِف كثير منا تلك الطقوس المعهودة، بدءًا من الجلوس في غرف الانتظار، وهيبة المئزر الأبيض، وصولًا إلى نبرة الطمأنينة في حديث الطبيب. لكن جزءًا من هذا الارتباط لا يعدو كونه اعتيادًا محضًا لا تفضيلًا واعيًا؛ فنحن نستمتع بهذه المراسيم المألوفة، لكن حين ينتهي الأمر إلى تشخيص متأخر أو خاطئ، فلن نكترث كثيرًا إن كان مصدره طبيبًا أم آلة، بقدر اهتمامنا بالحصول على تشخيص دقيق، وعلاج ناجع، ورعاية إنسانية.
إن هذه التساؤلات لا تقف عند حدود المبادئ المجردة أو التجارب الفكرية، بل تنفذ إلى عمق الحياة الواقعية بما في ذلك حياة عائلتي لتكشف عن خطوط الصدع الكامنة في جوهر الطب ذاته. فالأطباء يخطئون، لا لمجرد الإرهاق أو شح الموارد، بل لكونهم بشرًا في المقام الأول؛ تحكمهم طبائع النفس، وتصوغهم العادات، وتحميهم مؤسسات تدافع عن امتيازاتها الخاصة. ولن تجدي التكنولوجيا نفعًا إن اكتفت بإعادة إنتاج عيوب الطب القديمة في شكل رقمي؛ فكل ابتكار يحمل في طياته تعقيداته الخاصة، حتى وهو يضع حلولًا لغيرها. وهذا لا يعني بأي حال وأد التقدّم، أو صياغة شروط النقاش مسبقًا بما يخدم غرضًا بعينه. فالذكاء الاصطناعي يحمل بالفعل مخاطر أخلاقية وسياسية حقيقية تستحق فحصًا دقيقًا: مثل تعميق اللامساواة، والتسبب بأشكال جديدة من الضرر، وفقدان الوظائف، والكلفة البيئية لاستخدامه. لكن تشويه صورة التكنولوجيا بخصومة زائفة، أو الإذعان المطلق لمهنة بات بقاؤها على المحك، لن يفيدنا. لا يمكن للأطباء أن يظلوا الطرف الوحيد المنوط به الحكم على قابليتهم للاستبدال.
وهكذا نصل إلى السؤال الراهن: هل يمكن أصلًا تصوّر «طبيب آلي»؟ ما يعنينا في هذا السياق هو ما إذا كان بالإمكان تقديم رعاية أدق وأسرع وأكثر احترامًا للإنسان لا للمشاعر. وأدرك تمامًا كلفة هذا السؤال؛ إذ أستحضر أعوامًا ضاعت بسبب تشخيصات خاطئة، وعلاجات متأخرة، وحالات لم تُلحظ إلا بعد فوات الأوان. ومن الطبيعي أن يدافع الأطباء عن «حدسهم» الذي صقلته سنوات طويلة من التدريب الشاق، لكنه دفاع منطلق من أبراج عاجية، بعيد عن الواقع المرير للمرضى الذين خذلهم الطب. فقد عاش إخوتي سنوات من الشك في أنفسهم، بينما كانت التشخيصات الخاطئة تمرّ مرور الكرام. إن هذه الإغفالات والانحيازات والأخطاء ليست مفاهيم مجردة كما يحب الأطباء تصورها، بل أضرار واقعية، غالبًا ما تمر دون أن يلتفت أحد إليها.
وإذا كان لـ«الطبيب الآلي» دور مرتجى، فلن يكون بوصفه نسخة مقلّدة عن الطبيب في معطفه الأبيض، بل كجزء من مراجعة شاملة لغاية الطب ومن يُفترض به خدمتهم. فالمسألة لا تتعلق بالحفاظ على المهنة، بل بإعادة ابتكار الممارسة الطبية ذاتها.
وعلى هذا الضوء، فإن السؤال الملح حقًا ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على استبدال الأطباء؛ فالبراهين المؤيدة أو المعارضة لذلك ستتكشف قريبًا، كما هو مأمول. الأولى بالاعتبار هو مدى استعدادنا للتخلي عن الأساطير التي تُبقي الطب رهينًا لقيوده الذاتية. حينها فقط يمكننا أن نشرع في تخيل ما إذا كانت الأنظمة والعمليات الجديدة قادرة على خدمة المرضى بشكل أفضل مما هو قائم الآن، وإخضاع ذلك للتساؤل والتمحيص المستحقين.





