هل يمكن أن تتطور ديمقراطية حقيقية؟
علاء المفرجي
يعد كتاب العراق: من الحرب الى السلطوية الجديدة من أهم الدراسات التحليلية التي تناولت تحولات الدولة العراقية بعد عام 2003، وهو صادر عن مكتبة عدنان ومركز رواق ضمن سلسلة أدلفي الشهيرة. ألّفه الباحث البريطاني بوبي دوج ، ويُقدّم قراءة عميقة لمسار العراق من إسقاط النظام السابق إلى بروز نمط جديد من الحكم يوصف بـ"الاستبداد الجديد».
ينطلق الكتاب من حدث مفصلي هو الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي كان يهدف – وفق الطرح الرسمي – إلى إسقاط نظام سلطوي وبناء دولة ديمقراطية مستقرة في الشرق الأوسط. لكن المؤلف يرى أن ما حدث لاحقاً لم يكن انتقالاً سلساً نحو الديمقراطية، بل مساراً معقداً من الفوضى والعنف وإعادة تشكيل السلطة.
يشير الكتاب إلى أن العراق استعاد سيادته الرسمية في عام 2011 بعد انسحاب القوات الأمريكية، لكن هذا الاستقلال جاء في ظل دولة هشة ومجتمع منقسم ومؤسسات ضعيفة. وبدأت تطورات العنف في العراق من تمرد إلى حرب أهلية، فقد بدأت المقاومة ضد الاحتلال بسرعة، وشملت بقايا النظام السابق وجماعات مسلحة مختلفة. مع تصاعد التوترات الطائفية، خصوصاً بين 2006–2007، تحوّل العنف إلى صراع أهلي واسع النطاق. وهنا يتناول الكتاب دور الاستراتيجية الأمريكية في تقليل العنف مؤقتاً، لكنه يشير إلى أنها لم تعالج الأسباب البنيوية للصراع.
يركّز الكتاب على جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة، ويطرح ملاحظات نقدية مهمة، تتعلق في ما تم بناء مؤسسات عسكرية قوية نسبياً مقارنة بالمؤسسات المدنية. وضعف الإدارة المدنية وانتشار الفساد أعاقا عملية بناء الدولة. وكذلك الاعتماد على نظام المحاصصة الطائفية أدى إلى ترسيخ الانقسامات بدلاً من تجاوزها. ويرى المؤلف أن هذا النموذج السياسي شجع النخب على العمل ضمن هويات طائفية بدل بناء مشروع وطني جامع.
وتنصب الفكرة المركزية في الكتاب عل مفهوم «الاستبداد الجديد»، والذي يختلف عن الدكتاتورية التقليدية. وبأستجلاء ملامحه وجود انتخابات شكلية وتعددية حزبية، لكن السلطة الفعلية مركزة بيد النخبة الحاكمة، وضعف المؤسسات الرقابية، واستخدام الأجهزة الأمنية لتعزيز السلطة. وهنا يُبرز المؤلف دور رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في تكريس هذا النمط، حيث تم تركيز السلطة التنفيذية والأمنية في يد الحكومة وتقليص دور البرلمان والمؤسسات المستقلة.
ويطرح الكتاب سؤالاً محورياً، هل العراق يسير فعلاً نحو الديمقراطية؟ ويجب عليها بأن الممارسة الديمقراطية ظلت سطحية، وأن الدولة لم تنجح في بناء مؤسسات مستقلة قوية، وبالتالي، فإن النظام أصبح «هجينا»: ليس دكتاتورياً بالكامل، ولا ديمقراطياً حقيقياً.
كما يناقش الكتاب تحول دور العراق في المنطقة من دولة قوية ومؤثرة قبل 2003، إلى دولة تعاني من ضعف داخلي وتدخلات خارجية، ويحذر من أن هشاشة هذا البلد قد تجعله ساحة صراع إقليمي، أو مصدر عدم استقرار لجيرانه.
يتمحور الكتاب حول ثلاثة أسئلة استراتيجية أساسية، هل سيعود العراق إلى العنف أو الحرب الأهلية؟ هل يمكن أن تتطور ديمقراطية حقيقية؟ هل يشكل العراق تهديداً إقليمياً؟، هذه الأسئلة لا يقدم لها إجابات قطعية، بل يتركها مفتوحة مع تحليل الاتجاهات.
يخلص كتاب (العراق: من الحرب الى السلطوية الجديدة) إلى أن المشروع الأمريكي لبناء دولة ديمقراطية في العراق لم يفشل بالكامل، لكنه لم ينجح أيضاً. فالنتيجة كانت نظاماً سياسياً هجيناً يميل تدريجياً نحو الاستبداد المقنّع، حيث تُستخدم أدوات ديمقراطية (كالانتخابات) لإضفاء الشرعية على سلطة مركزة وضعيفة المساءلة.
The post هل يمكن أن تتطور ديمقراطية حقيقية؟ appeared first on جريدة المدى.





