هل يُعيد "حزب الله" تعريف المعركة أو يُبرّر خسارة الجغرافيا؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في قلب المواجهة المفتوحة بين حزب الله والجيش الإسرائيليفي جنوب لبنان،لم يعد النقاش محصوراً بتطورات الميدان وحدها، بل تمدّد إلى عمق الإستراتيجية التي تحكم سلوك الأطراف. فالكلام المتصاعد على اعتماد الحزب نهجاً يقوم على عدم التمسّك بالجغرافيا وجرّ العدو إلى أرضه، يطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام خيار عسكري محسوب ضمن حرب استنزاف طويلة، أو أمام محاولة لإعادة تفسير تراجع ميداني فرضته موازين القوى؟في النظريات الكلاسيكية للحروب غير المتكافئة، لا تعدّ الأرض هدفاً بذاته، بل وسيلة ضمن معركة أوسع. القوى غير النظامية غالبا ما تتجنّب الدفاع الصلب عن نقاط مكشوفة، مفضلة الحفاظ على قدرتها القتالية والانتقال إلى تكتيكات الكر والفر، حيث يتحوّل الزمن إلى سلاح. من هذا المنظور، يبدو منطق استدراج العدو إلى بيئة معقّدة ومفتوحة على الاستنزاف، خيارا مشروعاً يهدف إلى تفكيك تفوّق الخصم بدل مواجهته مباشرة.لكن هذا الطرح النظري يصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً. فبحسب العميد والخبير العسكري خالد حمادة، التخلّي عن الأرض في الحروب غير المتكافئة قد يكون خياراً تكتيكيا مشروعا، لكن خطورته تكمن في أن يتحوّل إلى مسار دائم يفقد فيه الطرف قدرته على فرض إيقاع المعركة، مشيرا إلى أن هذا التوصيف يلتقي مع مقاربات عسكرية أوسع تعتبر أن قيمة الجغرافيا لا تسقط، بل تتبدّل وظيفتها بين الدفاع المباشر والاستدراج غير المباشر.في المقابل، يشير الخبير العسكري مارون يعقوب إلى أن القوى غير النظامية لا تدافع عن الأرض كالجيوش التقليدية، بل عن قدرتها على الاستمرار والضرب، معتبراً أن التراجع التكتيكي لا يعدّ مؤشراً سلبياً بذاته، ما دام يترافق مع استمرار القدرة على المبادرة. بين هذين الرأيين، تتّضح معالم الإشكالية: الجغرافيا ليست ثابتاً مطلقاً، لكنها أيضاً ليست تفصيلاً يمكن تجاهله.المعيار الحاسم يبقى في سلوك الميدان: من يفرض قواعد الاشتباك؟ إذا كان الحزب لا يزال قادراً على اختيار توقيت الضربات ونوعها، وعلى نقل المعركة إلى حيث يريد، فإن ذلك يعزّز فرضية الإستراتيجية المدروسة. أما إذا باتت تحركاته رهينة الضغط الناري الإسرائيلي، ومحصورة بردود الفعل، فإن الحديث عن عدم التمسك بالأرض يتحوّل تدريجا إلى غطاء تفسيري لخسارة واقعية.هنا، تحاول إسرائيل استعادة نمطها التقليدي القائم على الحسم السريع عبر التفوّق العسكري والتكنولوجي، فيما يسعى حزب الله إلى كسر هذا الإيقاع عبر تفتيت المعركة وتحويلها إلى حرب طويلة تستنزف الخصم سياسيا وعسكريا. غير أن كثافة الضربات واتساع رقعة المواجهة يفرضان واقعا جديدا قد يقيّد قدرة أي طرف غير نظامي على المناورة كما في السابق.في المحصّلة، يتجاوز الجدل مسألة السيطرة على قرية أو موقع، ليطال جوهر تعريف النصر والخسارة. فبين من يرى في الانسحاب تكتيكاً مرحلياً، ومن يقرأه دليلا على تراجع ميداني، تبقى الحقيقة رهينة ميزان دقيق: القدرة على الصمود لا تكفي وحدها، بل يجب أن تقترن بالقدرة على فرض المعادلة.