هل يعود طب الأعشاب إلى الواجهة في سوريا؟
في ظل التحولات الاقتصادية والصحية التي تعيشها سوريا، عاد الطب الشعبي، وعلى رأسه التداوي بالأعشاب، ليحتل مساحة واسعة في حياة الناس، ليس فقط بوصفه إرثاً متوارثاً، بل كخيار يفرضه الواقع المعيشي الصعب. وبين مؤيد يرى فيه علاجاً طبيعياً آمناً، ومعارض يحذّر من مخاطره، يبقى هذا المجال بحاجة إلى قراءة متأنية توازن بين التجربة والعلم.
ويُعدّ الطب الشعبي علماً متوارثاً عبر الأجيال، تناقلته فئات مثقفة اعتمدت على التجربة والمعرفة، واستخلصت نتائجه من خلال العلاجات التي قُدّمت للمرضى عبر التاريخ. غير أن هذا المجال لم يسلم من التشويه، إذ شهد في السنوات الأخيرة دخول عدد كبير من المتطفلين، ما جعله للأسف مهنة من لا مهنة له. فبين من يفتقرون إلى أبسط مقومات المعرفة، ومن يسعون فقط إلى الربح السريع، تراجعت ثقة الناس أحياناً، واختلط العلم بالشعوذة.
في المقابل، لا يزال هناك مختصون حقيقيون في هذا المجال، درسوا التداوي بالأعشاب في معاهد وجامعات متخصصة، وحصلوا على تأهيل علمي يتيح لهم ممارسة المهنة بمسؤولية. إلا أن هؤلاء يشكّلون نسبة قليلة مقارنةً بعدد الدخلاء، ما يطرح تساؤلات جدية حول ضرورة تنظيم هذا القطاع.
ويؤكد الدكتور فوزي المصطفى الحاصل على دكتوراه في الحضارة والآثار الإسلامية من كلية الآداب بجامعة دمشق، ودبلوم في التداوي بالأعشاب من أوزبكستان، لـ”963+” أن خبرته التي تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في هذا المجال، جعلته يلمس عن قرب أهمية الجمع بين العلم والتجربة.
ويروي أنه تمكّن خلال مسيرته من معالجة العديد من الحالات، من بينها حالة ثلاث أشقاء كانوا يعانون من عقم وقد خضعوا لعلاج بالأعشاب وفق وصفات مدروسة. وبفضل الله، تحسّنت حالة أحدهم بشكل كبير، واستطاع لاحقاً أن يرزق بطفلين، ما أسهم في انتشار سمعته في المنطقة، ليُقبل عليه عدد كبير من المرضى، حيث عالج العشرات من حالات مختلفة.
لكن هذا النجاح لا يلغي، بحسب المصطفى، المخاطر المرتبطة بسوء استخدام الأعشاب. فالعلاج الشعبي، كما يقول، سلاح ذو حدّين، وقد يتحوّل إلى خطر حقيقي إذا استُخدم من قبل أشخاص غير مؤهّلين.
ويشير إلى أنه اطّلع خلال ممارسته المهنية على حالات تعرّض فيها المرضى لمضاعفات خطيرة نتيجة وصفات غير مدروسة، بل سُجّلت حالات وفاة بسبب تناول أعشاب تحتوي على مواد سامة، من بينها حوادث وقعت في مدينة الطبقة السورية.
ولا يمكن فصل عودة الاهتمام بطب الأعشاب عن الظروف الاقتصادية الراهنة، إذ أسهم ارتفاع تكاليف المعيشة، وغلاء الأدوية، وارتفاع أجور المشافي، في دفع شريحة واسعة من الناس إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. كما أن ضعف الخدمات الطبية في بعض المناطق عزّز هذا التوجّه، ليصبح الطب الشعبي خياراً متاحاً، سواء كبديل أو كعلاج مساعد.
إلى جانب ذلك، تلعب الثقافة المجتمعية دوراً مهماً في ترسيخ هذا النمط من العلاج، حيث لا يزال كثير من الناس يثقون بالموروث العلاجي الذي تناقلته العائلات عبر الأجيال، ويعتمدون على خبرات محلية اكتسبت مع مرور الزمن. غير أن هذه الثقة، كما يشير المختصون، يجب أن تكون مشروطة بالعلم والمعرفة، لا بمجرد التجربة أو النقل.
وفي هذا السياق، يوضح المصطفى أن طب الأعشاب لا يمكن أن يكون بديلاً عن الطب الحديث، بل هو في جوهره طب مساعد يُكمّل دوره. فالطب الحديث، كما يقول، يقوم على أسس علمية راسخة، ويعتمد على الأبحاث والتجارب السريرية، ولا يجوز إقصاؤه أو الاستغناء عنه. ويؤكد ضرورة توعية المرضى الذين يرفضون الطب الحديث بشكل كامل، بأهمية التكامل بين النوعين، بما يحقق مصلحة المريض أولاً.
وعلى المستوى العالمي، يحظى طب الأعشاب باعتراف متزايد، إذ تعتمد العديد من الأدوية الحديثة على مستخلصات نباتية، كما تنتشر صيدليات متخصصة في بيع العلاجات الطبيعية في دول مثل الصين والهند وروسيا، إضافة إلى دول أوروبية والولايات المتحدة. كما تضم جامعات عالمية أقساماً متخصصة في تدريس هذا العلم، وتمنح شهادات أكاديمية تؤهل الخريجين لممارسته وفق ضوابط واضحة.
في المقابل، لا يزال هذا المجال في العالم العربي، وسوريا تحديداً، بحاجة إلى تنظيم أكاديمي وتشريعي أوسع. فغياب الرقابة الصارمة أدى إلى انتشار الفوضى، وفتح الباب أمام ممارسات غير مسؤولة، ما انعكس سلباً على صحة المرضى، وأدى إلى مشكلات اجتماعية متعددة.
وتبرز وسائل التواصل الاجتماعي كعامل إضافي في تعقيد المشهد، إذ أصبحت منصة مفتوحة لنشر المعلومات الطبية دون رقابة، حيث يقدّم البعض وصفات ونصائح لا تستند إلى أي أساس علمي، بهدف الترويج أو تحقيق مكاسب مادية. وقد أسهم هذا الأمر في تشويه صورة الطب الشعبي، وإرباك المرضى نتيجة تضارب المعلومات.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى فرض رقابة حقيقية على المحتوى الطبي المنشور، وإلزام المتحدثين بالحصول على شهادات وتراخيص رسمية قبل تقديم أي معلومات في هذا المجال. كما يدعو المختصون إلى إنشاء معاهد وكليات متخصصة تُعنى بتدريس الطب الشعبي وفق أسس علمية، ودمجه ضمن منظومة صحية متكاملة إلى جانب الطب الحديث.
ولا يقتصر الأمر على الجانب التعليمي، بل يتطلب أيضاً إصدار قوانين صارمة تنظّم ممارسة هذه المهنة، وتمنع أي شخص من العمل فيها دون تأهيل رسمي، مع فرض عقوبات على المتطفلين، حمايةً لصحة المجتمع.
ويختتم الدكتور فوزي المصطفى حديثه بتوجيه نصيحة واضحة للناس، مفادها ضرورة عدم إهمال الطب الحديث تحت أي ظرف، وفي حال الرغبة باستخدام العلاج الشعبي، يجب التوجّه إلى مختصين حقيقيين يمتلكون العلم والخبرة، والابتعاد عن الدجّالين والجهلة الذين يسعون إلى استغلال المرضى.
بين الإرث الشعبي العريق والتحديات المعاصرة، يبقى طب الأعشاب مجالاً واعداً، لكنه يحتاج إلى ضبط وتنظيم، ليكون عنصر دعم حقيقي للمنظومة الصحية، لا مصدر خطر يهدد حياة الناس.
The post هل يعود طب الأعشاب إلى الواجهة في سوريا؟ appeared first on 963+.





