هل تصلح الثقافة ما أفسدته سياسة ماكرون تجاه الجزائر؟

لا تحمل رئيسة “معهد العالم العربي”، آن كلير لوجوندر، في حقيبتها، خلال زيارة تقوم بها إلى الجزائر، برامج في المجال الثقافي مع باريس فحسب، بل إرادة في جعل الثقافة رافعة للتقارب بين البلدين، في وقت لا تزال فيه الأزمة الدبلوماسية مستمرة.
وجاءت زيارة لوجوندر، بدعوة من وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، في إطار اللقاءات الإفريقية-المتوسطية للفكر، تحت عنوان “أغسطين: تجلّ جزائري، إفريقي ومتوسطي”، وتعد أول زيارة رسمية لها إلى الخارج منذ توليها رئاسة “معهد العالم العربي” في باريس.
وعقب لقائها مع الوزيرة بن دودة، سارعت لوجوندر إلى نشر الصورة التي جمعتها معها، على حسابها بمنصة “إكس” شاكرة الوزيرة على حفاوة الاستقبال ومعلقة: “نفتح صفحة جديدة في العلاقات بين “معهد العالم العربي” والجزائر، أحد الأعضاء المؤسسين: معارض مرتقبة، إقامات فنية، سينما، والمجالات عديدة ومتنوعة!”
وهو المسعى الذي جددته صباح الأربعاء، 29 أفريل في لقاء جمعها بالصحافة، حيث شددت على الدور الذي تريد أن تلعبه المؤسسة الباريسية في الحوار بين باريس والعالم العربي، والتي تترأسها منذ منتصف فيفري من هذا العام.
واستعرضت لوجوندر العلاقات التي تربط المعهد والجزائر، مؤكدة: “لقد احتلت الجزائر دائما مكانة كبيرة جدا في “معهد العالم العربي”، فهي عضو مؤسّس، حيث وقّعت في 1981 على الوثيقة التأسيسية للمعهد، قبل أن يتم تشييده في 1983″، لتضيف: “كانت هناك سلسلة كاملة وتاريخ طويل من العلاقات المكثفة جدا بين الطرفين مع إبراز وتثمين الثقافة الجزائرية”.
وتحدثت لوجوندر عن لقائها مع الوزيرة بن دودة مجددة شكرها لها على حفاوة الاستقبال، وقالت إن اللقاء كان “ممتازا”. قبل أن تضيف: “هناك الكثير من الأمور التي ينبغي القيام بها”، مشيرة إلى جهود الحكومة الجزائرية من أجل تثمين التراث وإعادة الاعتبار له وترميم جزء منه، والعمل أيضا على تثمين الصحراء الجزائرية.
كما ذكرت مسؤولة “معهد العالم العربي” بالفاعلين الثقافيين الذين التقتهم خلال الزيارة مشيرة إلى العمل معهم “من أجل بناء برنامج مشترك”.
وأكدت لوجوندر: “أتيت هنا حاملة طموحا وهدفي هو العمل على تجسيده. لقد حظيت باستقبال ممتاز هنا من طرف السيدة الوزيرة، ومن طرف جميع المحاورين، ولذلك أعتقد أننا نستطيع العمل في هذا الاتجاه والمضي قدما.”
وتحدثت لوجوندر كذلك عن المعهد والرؤية التي تريد تجسيدها بعد تعيينها على رأسه قائلة: “هدفي في هذه الولاية الجديدة المقبلة هو العمل على أن تستعيد الدول العربية هذه المؤسسة بدرجة أكبر، من خلال مساعدتنا على إعداد البرامج معا، وإبراز المشاهد الفنية لكل واحد من هذه البلدان.”
وقالت لوجوندر إن عمل المعهد “يتمثل في المساعدة على فهم هذه الثقافات العربية على الساحة الفرنسية وعلى الساحة الأوروبية”، وأبرزت العمل البيداغوجي الذي يقوم به المعهد في ما يخص اللغة العربية، مشيرة إلى أن نحو 70 ألف طالب فرنسي يزورون المعهد سنويا لاكتشاف الثقافات العربية المعاصرة.
وتابعت الدبلوماسية الفرنسية والمستشارة السابقة للرئيس الفرنسي لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط: “يمكننا أيضا أن نأمل في أن نسهم في تقديم حلول حينما يتعذر أحيانا على الحوار داخل هيئات أخرى أن يحقق ذلك.”
وفي إجابتها على سؤال “الشروق” حول الدور الذي يريد المعهد أن يلعبه للتقريب بين باريس والجزائر، في سياق الأزمة المستمرة منذ 2024، أجابتنا لوجوندر: “من المؤكد أن المعهد لعب دورا في التقريب والمساهمة في مواكبة العلاقات السياسية بين الدول. لكن هذا التقارب يتم أيضا عبر الروابط الثقافية والإبداعية”.
وعادت لوجوندر كذلك إلى زيارة رئيس جمعية أرباب العمل الفرنسية الأخيرة إلى الجزائر ولقائه مع رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، مثمنة البيان المشترك الذي تلى الزيارة، متمنية أن يساهم ذلك في “رفع العراقيل”.
وفي سياق آخر بخصوص تفاعل المعهد مع واقع بعض الدول العربية في الشرق الأوسط، قالت لوجوندر إنه فيما يتعلق بغزة “كان هذا المكان خلال السنتين الأخيرتين فضاء حقيقيا للحديث عن المأساة ومعاناة سكان غزة. وقد شهدنا، بطبيعة الحال، نقاشات حول كل ما كان يجري على الأرض، من الضربات الإسرائيلية والاستيطان وغير ذلك.”
وأوضحت أن المعهد شهد عودة متكررة لحديث عن التاريخ “هذا يسمح بتقديم مفاتيح للفهم، كما يجنّب خطر المحو. ونرى جيدا أن غزة تواجه أيضا خطر المحو، مع أرض أُنهكت بسكانها، وحصيلة بشرية مروعة، وكذلك أرض جُرفت ودُمّرت. إنه في النهاية محو أيضا على الأرض لآثار التاريخ الغزّي.”
واستعرضت في جوابها ما قام به المعهد مثل معرض “كنوز غزة” الذي “أظهر كامل التاريخ الأثري للقطاع، لسرد هذه القصة وبيان مدى تجذرها في الماضي. كما نظمنا معرضا آخر حول التاريخ الثقافي الفلسطيني، وما تقدمه فلسطين للعالم”، وهو المعرض الذي “أتاح العودة إلى غنى التاريخ الفلسطيني وإبراز أنه تراث لا غنى عنه للإنسانية جمعاء.”
وأشارت إلى أن المعهد يحتضن حاليا معرضا حول لبنان “والذي يأتي أيضا في سياق كون لبنان يجد نفسه مرة أخرى وسط نزاع لم يختره، تحت القصف الإسرائيلي، ومع التهديد نفسه الذي يثقل كاهل لبنان: حصيلة بشرية مأساوية للشعب اللبناني الذي تضربه الحرب مجددا، لكنه أيضا وسيلة منّا لإظهار ضرورة التعبئة الجماعية حتى لا يندثر التاريخ اللبناني، وهو تاريخ مذهل. وجبيل، أو بيبلوس، هو أقدم ميناء في العالم، وجزء من تاريخ الإنسانية. ولا يمكن أن نترك السكان يُقتلون، ولا أن نسمح باختفاء التاريخ، لأنه تاريخنا جميعا.”
واعتبرت أنه “هكذا نتحرك، فهذا الدور يبدو لنا أساسيا، ويسمح، في اعتقادي، للجمهور الفرنسي، بل وما هو أبعد من ذلك، إذ نستقبل قرابة المليون زائر سنويا، بالوصول إلى هذه العناصر الجوهرية، وهذا مهم أيضا في النقاش العام”.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post هل تصلح الثقافة ما أفسدته سياسة ماكرون تجاه الجزائر؟ appeared first on الشروق أونلاين.



