هل توقعت وكالة فيتش أن يتجاوز الدولار 350 جنيهاً مصرياً خلال عام أو عامين؟ النهار تتحقق FactCheck
يتناقل مستخدمون في وسائل التواصل الاجتماعي خبرا يدعي أن "وكالة فيتش توقعت أن يتجاوز الدولار الأميركي 350 جنيها مصريا خلال عام أو عامين". الا ان هذا الزعم غير صحيح. FactCheck#
"النّهار" دقّقت من أجلكم
فمع تأثر الاقتصاد العالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز، نشر أحد الحسابات خبرا جاء فيه (من دون تدخل): "وكالة فيتش: الجنيه في مصر سيتجاوز الـ350 جنيها مقابل الدولار الواحد خلال عام أو عامين". وعلّق (بالعامية المصرية): "ايه ده؟ الكلام ده جد؟ وبعدين هنعمل ايه في الكارثة دي؟".

حقيقة الخبر
ولكن بعد البحث، اتضح أن الخبر غير صحيح.
أولاً- الخبر المتداول منسوب إلى وكالة فيتش، ومصطلح "وكالة" ينطبق تقنياً على Fitch Ratings، وهي وكالة التصنيف الائتماني المعنية بتقييم ما يعرف بـ"الجدارة الائتمانية" للدول والشركات والأوراق المالية، أي مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية- وهو تصنيف تستند إليه الأسواق لتحديد تكلفة الاقتراض- ولا علاقة لها بتوقعات سعر صرف العملات.
والجهة المعنية بتوقعات أسعار الصرف والتوقعات الاقتصادية هي Fitch Solutions المعروفة بـBMI، وهي جهة بحثية تجارية مستقلة تابعة لمجموعة فيتش، وتقاريرها متاحة على الموقع كخدمة مدفوعة، وليست مجانية.
ثانيا- في ما يتعلق بسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية- الإيرانية، لم ينشر موقع Fitch Solutions أي ملخصات أو عناوين أو مقالات بخصوص هذا الأمر.
ونُشر على موقع الشركة آخر ملخص حول مصر بتاريخ 10 نيسان/أبريل الجاري، تناول تأثير هذه الحرب على قطاع البناء والتشييد.

وتركزت الفكرة الرئيسية على مراجعة توقعات النمو لصناعة البناء في مصر للعامي الماليين 2025/26 و2026/27، وتوقع أداء أضعف من المتوقع في النصف الأول من السنة المالية الحالية وتدهور بيئة الاستثمار بسبب الحرب.
وأشار الملخص إلى أنه رغم ضعف النمو على المدى القريب، لكن هناك آفاق إيجابية لقطاع البناء في مصر مقارنة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
ونشر آخر تقرير على موقع الشركة بخصوص توقعات سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي بتاريخ 10 آب/أغسطس 2023. وأشار في عنوانه إلى أن الجنيه المصري سيفقد 20% من قيمته بنهاية ذلك العام.
ثالثا- في ما يتعلق بآخر التوقعات الخاصة بسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي المنسوبة لـFitch Solutions، فقد نشرتها مواقع عدة متخصصة في 15 شباط/فبراير 2026 و 27 آذار/مارس 2026. وأشارت إلى أن توقعاتها لعام 2026 في المتوسط تراوح من 47 الى 49 جنيه مصري للدولار الأميركي.
وسيكون أقصى انخفاض للجنيه بحلول 2034، بحسب Fitch Solutions، ويتوقع أن يصل 55.65 جنيه مصري للدولار الأميركي، وهو أبعد أفق زمني في توقعاتها، ما يجعل رقم 350 جنيها مقابل الدولار المذكور في الخبر المتداول بدون أي سند أو مرجع.
والجدير بالذكر أن شهر نيسان/أبريل الجاري شهد انخفاضا حادا للعملة المصرية مقابل الدولار الأميركي، بحسب بيانات البنك المركزي المصري (رسمي)، إذ بلغ ذروته في 7 منه، وبلغ للشراء 54.6480 جنيها للدولار، و54.7880 للبيع.
وجاء آخر سعر للدولار بالجنيه المصري في 16 منه، بواقع 51.7511 للشراء، و51.8886 للبيع.

ما أقصى انخفاض يمكن أن يصل إليه الجنيه المصري؟
يجيب محمود سعدي الوالي، الباحث الاقتصادي والمالي المصري، أن الأمر يتوقف على طول أمد الحرب الراهنة وانعكاساتها، خصوصا في ما يتعلق بأسعار النفط، معتبرا ان هذه الاسعار مؤشر يمكن القياس عليه قدرة العملة المصرية على الصمود أمام الدولار.
ويشير الوالي، في حديثه الى "النهار"، إلى أن سعر برميل النفط يدور حول الـ100 دولار، لذا يمكن أن يراوح سعر الدولار الأميركي من 50 الى 55 جنيها. وإذا انخفض سعر برميل النفط عن 80 دولارا، فسينخفض سعر صرف الدولار إلى دون 50 جنيها.
ويوضح أنه في حال ارتفاع برميل النفط إلى 150 دولارا، من المتوقع أن تحدث موجة تضخم عالمية عالية تنجم عنها حالة من الركود، وهو ما سيكون له تأثير سلبي على السياحة والتجارة الدولية، وبالتالي ستضرر إيرادات مصر من السياحة وقناة السويس، لا سيما إذا ما حدث تصعيد كبير ترتب عليه إغلاق مضيق باب المندب.
فضلاً عن ذلك، فإن تنفيذ ترامب تهديداته بتدمير كل البنية التحتية للطاقة في إيران، وما قد يترتب على ذلك من ردود فعل إيرانية- وفقًا لتهديداتها باستهداف كل البنية التحتية في دول الخليج العربي واسرائيل- قد يؤدي الى ارتفاع سعر النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل، الامر الذي سيشكل أزمة اقتصادية عالمية كبيرة، بحسب سعدي.
ويلفت أيضاً إلى أن تطور المعارك إلى هذا الحد سيؤثر سلبًا على تحويلات العاملين في الخارج، وهي واحدة من أهم موارد النقد الأجنبي في مصر تقريباً. وبالتالي في ظل هذه الظروف، قد ينخفض سعر صرف الجنيه المصري بشكل كبير، لا سيما إذا طال أمد الحرب.
وبالنسبة الى سعر صرف الجنيه المتوقع في حال تطور الحرب، وفقاً للسيناريو الأسوأ، يقول الوالي إنه من الصعب تقديره بدقة، لأن هذا يتوقف على الكثير من العوامل والمتغيرات التي يصعب التنبؤ بها بدقة. وفي كل الاحوال، لن يصل إطلاقاً إلى 350 جنيها للدولار.
الانكشاف الاقتصادي
ويرى الوالي أن ما يعرف بـ"الانكشاف الاقتصادي" هو الذي يجعل الاقتصاد المصري يتأثر بشكل كبير بالأزمات والتقلبات الاقتصادية العالمية، بما يجعله أقل مرونة وقدرة على الصمود في مواجهة هذه الأزمات.
و"الانكشاف الاقتصادي" ببساطة هو اعتماد بشكل كبير على الخارج مما يجعله مكشوفا، وبالتالي يتأثر بسرعة بالأزمات والمتغيرات المختلفة، على ما يوضح.
وفي الحالة المصرية، يتجلى هذا الأمر في اعتماد مصر على الخارج في استيراد الكثير من احتياجاتها من الغذاء والسلع والطاقة، واعتمادها أيضاً على السياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، والاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، بما فيها الأموال الساخنة.
ويلفت الباحث المصري إلى أنه قبل اندلاع الحرب الأميركية- الاسرائيلية على إيران، كانت توقعات Fitch Solutions أن الجنيه المصري سيحافظ على أداء قوي أمام الدولار الأميركي خلال عام 2026، وأن سعر صرف الدولار الأميركي سيكون في نطاق 47.5 جنيها.
ويلاحظ أنه في الشهور التي سبقت الحرب، كان أداء الجنيه المصري جيداً، إذ شهد سعر صرف الدولار انخفاضًا ملحوظاً أمام الجنيه المصري، وكان مرشحًا أن يستمر ذلك خلال العامين 2026 و2027.
ولكن جاءت الحرب وما ترتب عليها من غلق مضيق هرمز، فتسببت بارتفاع أسعار النفط في العقود الآجلة لخام برنت من نحو 65 دولارا للبرميل لتتجاوز حاجز الـ100 دولار، وتصل في بعض الأحيان إلى 115 دولارا للبرميل، الأمر الذي يترتب عليه ارتفاع الفاتورة الاستيرادية للمشتقات النفطية، فضلاً عن خروج أكثر من 6 مليارات دولار من الأموال الساخنة من مصر، وهو ما دفع سعر صرف الدولار إلى الارتفاع ليتجاوز عتبة 54 جنيها للدولار الواحد في بعض الأيام.




