هل تفاوضت واشنطن وطهران على اتفاقين متناقضين؟
#سواليف
بينما تنفس العالم الصعداء مع إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، برزت إلى السطح معركة من نوع آخر تدور رحاها في كواليس “المسودات المتناقضة”.
فخلف ستار الترحيب الدولي، يكتنف الغموض الورقة التي استند إليها الطرفان لإيقاف طبول الحرب، حيث تتضارب الروايات بين واشنطن وطهران حول بنود “النقاط العشر”، وتتفاوت النسخ المسربة بين لغة فارسية تتمسك بالثوابت النووية، ونسخة إنجليزية توحي بالتنازل.
هذا التباين ليس مجرد خطأ في الترجمة، بل هو انعكاس لصراع إرادات حول ملفات شائكة تبدأ من سيادة مضيق هرمز ولا تنتهي عند حدود القصف في لبنان، مما يطرح تساؤلات ملحة حول حقيقة ما تم الاتفاق عليه فعليا في اللحظات الأخيرة.
فيما يلي أربعة أسئلة تشرح أبعاد هذا السجال:
1- ما حقيقة الخلاف حول “النقاط العشر” وما الذي نفاه البيت الأبيض رسميا؟
يكمن جوهر السجال في أن واشنطن تتبرأ تماما من المسودة التي يروج لها الإعلام حاليا، وبناء على المعطيات الأخيرة، إذ صرح مسؤول أمريكي رفيع بأن الوثيقة التي تتداولها وسائل الإعلام ليست مجموعة الشروط نفسها التي وافق عليها البيت الأبيض لوقف الحرب.
ولم يقدّم المسؤول تفاصيل إضافية وقال “لن نتفاوض علنا احتراما للعملية”، بينما ندد ترمب بشدة بالتقارير المنشورة، واصفا مروجيها بـ”المحتالين”، مؤكدا أن النقاط التي وافق عليها كأساس لوقف إطلاق النار هي “مجموعة واحدة فقط ذات أهمية” ومختلفة عما يُشاع، ولن تُبحث إلا خلف الأبواب المغلقة.
بينما تنشر إيران بنودا تنص على “رفع العقوبات” و”القبول بالتخصيب”، تؤكد واشنطن أن هذه المواد تتعارض كليا مع مطالبها، مما يرفع منسوب القلق حول هشاشة الهدنة؛ فالعالم يواجه الآن روايتين متناقضتين تماما لاتفاق واحد، وهو ما يهدد بعودة خيار “إبادة الحضارة” إذا تبين في مفاوضات الجمعة أن الطرفين لم يتفقا على شيء فعلي.
من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن هناك اتفاقات وقوائم ورسائل يجري تداولها “صادرة عن أشخاص لا يمتون بأي بصلة للمفاوضات الجارية بيننا وبين إيران”.
إعلان
وأضاف “هناك مجموعة واحدة فقط من النقاط المهمة المقبولة لدى الولايات المتحدة وسنناقشها في جلسات مغلقة خلال هذه المفاوضات”، مؤكدا على أن “النقاط الإيرانية الـ10 معقولة”.
2- ما جوهر التناقض في “خطة النقاط العشر”، وكيف يهدد هذا التباين صمود الهدنة؟
يكمن جوهر التناقض في “ازدواجية الخطاب” الإيراني والصدام في التفسيرات الإقليمية، ومحور التناقض الأكبر ظهر في إدراج إيران عبارة “قبول تخصيب اليورانيوم” في النسخة الفارسية (الموجهة للداخل وللحلفاء)، وحذفها من النسخة الإنجليزية (الموجهة لواشنطن والمجتمع الدولي).
هذا التناقض يلمس الخط الأحمر الأمريكي؛ فبينما تريد إيران انتزاع اعتراف شرعي بالتخصيب، يصر ترامب على أن اليورانيوم “سيتم التعامل معه” (أي إزالته أو التخلص منه)، مما يعني أن الطرفين لم يتفقا أصلاً على جوهر الملف النووي.
ويمتد التناقض إلى “آلية الفتح” لمضيق هرمز، ترامب يطالب بفتح “كامل وآمن وفوري” (بمعنى حرية ملاحة دولية)، بينما يصر وزير الخارجية الإيراني على أن المرور سيكون “بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية”، مما يعني أن إيران لا تزال تعتبر نفسها المتحكم في المضيق، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلا.
3- لبنان خارج أم ضمن الاتفاق؟
وفي تناقض “ميداني” كبير، فباكستان الوسيطة وإيران تؤكدان أن الهدنة تشمل “كل مكان بما في ذلك لبنان”، بينما أعلن نتنياهو صراحة أن الاتفاق لا يشمل حزب الله.
بعد نحو 12 ساعة فقط من “القصف المتقطع” الذي تلا إعلان الهدنة، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة النطاق وصفها بأنها “الأشد منذ بدء الحرب”، حيث استهدفت الطائرات أكثر من 100 موقع خلال 10 دقائق فقط، في تحول نوعي يعكس إصرار تل أبيب على فصل الجبهات.
وقطع الرئيس ترمب الشك باليقين في تصريحات لشبكة “بي بي إس”، مؤكدا أن الاتفاق الذي أعلن فجرا مع إيران “لا يشمل لبنان” بسبب وجود حزب الله، واصفا العمليات الإسرائيلية بأنها “قتال منفصل” يعلمه الجميع.
يضع هذا التصعيد الهدنة برمتها في “مهب الريح”؛ فبينما تؤكد وكالة “أسوشيتد برس” نقلا عن مسؤول مشارك في المفاوضات أن لبنان جزء من الاتفاق، تظهر الـ100 غارة الإسرائيلية عكس ذلك تماما، مما يفتح الباب أمام طهران لإعادة إغلاق مضيق هرمز إذا اعتبرت سحق جبهة لبنان خرقا لروح “النقاط العشر”.
4- هل الهدنة الحالية “تأسيس لسلام دائم” أم مجرد “استراحة محارب”؟
تؤكد المعطيات الميدانية أن وقف إطلاق النار هو “هدنة هشة” تفتقر للثقة، وهو ما يظهر في لغة التهديد المتبادلة بين قادة الجيوش، إذ وصف رئيس هيئة الأركان المشتركة الهدنة بأنها مجرد “توقف مؤقت”، مؤكدا جاهزية الجيش الأمريكي لاستئناف القتال خلال “لحظة”.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني بوضوح أن “أيدينا على الزناد”، متوعدا برد أقوى على أي هجوم.
ويكمن التحدي الأكبر في أن الأطراف لا تزال متباعدة جدا حول القضايا الجوهرية، مثل تمويل إعادة الإعمار، وتفكيك البرنامج النووي، وإنهاء حرب لبنان.
هذا التناقض يجعل من مفاوضات الجمعة في إسلام آباد “الفرصة الوحيدة والأخيرة”؛ فإما التوافق على التفاصيل التي يرفض البيت الأبيض كشفها الآن، أو العودة لمربع الصفر حيث تهديد ترامب بـ”إبادة حضارة كاملة” لا يزال قائما على الطاولة كخيار عسكري جاهز للتنفيذ فور انقضاء مهلة الأسبوعين.
هذا المحتوى هل تفاوضت واشنطن وطهران على اتفاقين متناقضين؟ ظهر أولاً في سواليف.





