... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18352 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3308 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

هل تعود الرمثا مدينة حدودية؟

حبر
2026/03/11 - 07:38 501 مشاهدة

هذا التقرير جزء من ملف مشترك حول الحدود في العالم العربي، ضمن تعاون ما بين مجموعة مواقع عربية ومعنية بالعالم العربي. يمكنكم الوصول لباقي مواد الملف عبر الرابط.

هل سمعت قصّة الرمثا أيام حكم الدولة العثمانية للمنطقة، حين كانت تبيت ليلًا وهي تتبع حوران الموجودة في سوريا الآن، وتفيق نهارًا وهي تتبع عجلون الموجودة في الأردن؟[1] وكيف صارت بعد ترسيم الانتداب للحدود أوّل الأردن من الشمال، وتقابلها درعا آخر سوريا من الجنوب؟[2]

على كل حال، لم تمنع الحدود الجديدة أهالي الرمثا من التنقل بين سوريا والأردن للتجارة؛ منذ زمن الخيل، وحتى زمن سيارات الدودج ذات المحرّكات الكبيرة. ومع تجارة الحدود هذه تغيّرت التركيبة الاقتصادية للمدينة، لتختلف عن تركيبة باقي مدن الأردن، واستمرّ هذا الحال حتى إغلاق الحدود مع بدء أحداث سوريا عام 2011 حيث اختلف كل شيء.

سوق البحارة في الرمثا.

مثلما يعرف اسمَه، يعرف أبو العبد قنّو المولود في الرمثا سنة 1960 المنطقة الفاصلة بين مدينتيْ الرمثا ودرعا، وهي مسافة من كيلومترين اثنين فقط، منبسطة لكونها جزءًا من سهل حوران الممتد بين الدولتين. يتذكر أبو العبد كيف راقب في طفولته العابرين بالاتجاهين من المسافرين والمتاجرين بالبضائع على ظهور البغال والحمير ومشيًا، فيما ظل يسمع عن مجموعة خيّالة من الجانبين مختصة بنقل البضائع الثمينة.

لقد اعتاد الناس عبور حدود الدولتين، متجاوزين النقطة الحدودية، ومركز جمرك الرمثا الموجوديْن منذ العام 1921،[3] ومتجاوزين كذلك التعليمات التي تُلزِم المسافرين والتجّار بتقديم معلوماتهم وفواتير البضاعة لموظفي الحدود منذ سنة 1930.[4] يصف أبو العبد تلك الفترة قائلًا: «كانت الحدود مفتوحة، والناس مش فقط يمروا من نقطة الجمرك، امتداد الحدود مفتوح، والناس ييجوا عبر السهل، عادي يفوتوا ويطلعوا بصورة عادية».

ظلّت نقطة حدود الرمثا-درعا لعقود النقطة الوحيدة بين الأردن وسوريا، يعبرها المسافرون إلى سوريا ومنها إلى لبنان وتركيا، ويعبرها كذلك القادمون إلى الأردن أو العابرون في رحلة الحجّ. وقد عمل أبناء الرمثا في مهن مرتبطة بنقطة الحدود هذه، مثل قيادة شاحنات نقل البضائع، وسيارات نقل الركاب على خط الشام وبيروت. وافتتحت شركات التخليص فروعًا لها هناك، وظهرت محال الصرافة، ومحال بيع مستلزمات الحجّاج، ووكالات البضائع المستوردة، ومنها محل عائلة أبو العبد قنّو الذي افتتح سنة 1957.

تأثرَ النشاط الاقتصادي في المدينة بكلّ تغير في الوضع السياسيّ والاقتصادي في سوريا، مثلما حصل في الثمانينيات حين مرّ الاقتصاد السوري بأزمة هيكلية مع تقلّص عائدات النفط بسبب انخفاض سعره عالميًا، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع نسب التضخّم، وهو ما انعكس على توافر السلع فيها. هنا خرجت البضاعة من محلات الرمثا ووكلاء الشركات فيها إلى سوريا عن طريق سائقين سوريين، يحملون الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية، والمواد التموينية، ومنها البضاعة التي خرجت من محل أبو العبد قنّو: «إحنا وكلاء لأكبر الشركات المستوردة في عمان مثل وهبي تماري والشركة [التجارية] الفلسطينية. تيجي البضاعة على الرمثا، ومن الرمثا ينقلوها السوريين. كانت [أغلبها] تروح من الأردن إلى سوريا».

كان المحل قد افتتح برأسمال من 150 دينارًا جاء بها الأب من عمله في محلات الخليل وإربد، ثم توسعت تجارته ووصلت مبيعاته السنوية في الثمانينيات إلى مليون دينار. وفّر العمل في المحل دخلًا للعاملين فيه مثل والد أبو العبد، وأبو العبد، وأخوته، وادخر الأب منه، واشترى أراضٍ وبيوتًا ومحالّ أخرى في المدينة.

أحد محال الرمثا التي تبيع المنتجات السورية.

باعت محلات عائلة قنو للبحارة السوريين الأدوات المنزلية والمواد التموينية مثل السكر والأرز والشاي والسمن. يعدد أبو العبد المواد التموينية التي كانوا يبيعونها ثم يتوقف: «كل إشي عمي، كل إشي كان يدخل على سوريا حتى القلول [دواحل]».

يقيس أبو العبد اتجاه الحركة التجارية بموقع المحال على شارع خط الشام الواصل بين مدينة الرمثا إلى درعا فترة الثمانينيات، إذ كانت المحالّ تتركز على يمين المسافر من الأردن إلى سوريا أي أنها كانت تستهدف المغادرين.

مع نهاية عقد الثمانينيات، طرأت تحولات على الاقتصاد السوري[5] لتوفير عملة صعبة من خلال تحرير السوق، وفتح المجال للرأسمال الخاص للاستثمار، وبدأت عوائد الإنتاج الصناعي السوري بالارتفاع منذ عام 1990. وهو ما انعكس مباشرة على اقتصاد مدينة الرمثا، إذ بدأت البضاعة السورية تتدفق على المدينة في حركة عكسية.

حمّل سائقو سيارات نقل الركاب الأردنيين على خط الأردن-الشام-بيروت البضاعة من سوريا في صناديق سياراتهم من مواد تموينية وملابس وعبروا فيها الحدود ليبيعوها للمحلات التجارية في الرمثا، مستفيدين من عدم فرض رسوم جمركية عليها لاعتبارها أمتعة شخصية ودخولها بكميات قليلة، وكذلك مستفيدين من ارتفاع الطلب عليها لجودتها العالية وانخفاض سعرها مقارنة بالمنتج المحلي والمستورد.

ارتفع طلب تجّار الرمثا على البضاعة الواصلة بسيارات نقل الركاب، لانخفاض ثمنها بالمقارنة مع استيرادها بكميات كبيرة عبر الشاحنات التي تستوجب إخضاعها لتعرفة جمركية مرتفعة، وسرعة وصولها بواسطة أسطول سيارات ركاب وصل حجمه لقرابة 1200 سيارة بين أردنية وسورية، بحسب عاملين في القطاع.

محلات مواد تموينية وألبان تبيع منتجات سورية وأردنية.

في تلك الفترة مع بداية التسعينيات، بدأ حسين البشابشة وهو في بداية العشرينيات من عمره العمل على سيارة نقل ركاب عمومية لقريبه بعدما أنهى خدمة العلم في الجيش. كان البشابشة يأخذ الركاب يوميًا من الرمثا إلى درعا أو دمشق ويعود بصندوق ممتلئ ببضاعة سورية، ثم يسلّم السيارة إلى سائق آخر ليعاود الرحلة عبر الحدود المفتوحة طوال اليوم.

عرف البشابشة شوارع المحافظات السورية بتفاصيلها من كثرة ما تجوّل فيها، ويستطيع عدّ المطبات في كل شارع على طريق درعا الرمثا. بالمعدل بدّل البشابشة جواز سفره كل شهرين تقريبًا لامتلائه بأختام النقطة الحدودية خلال دخوله وخروجه منها، وكانت الرحلة الواحدة بين الحدين تستغرق أقل من ثلاث ساعات أحيانًا. كانت رحلات التجارة اليومية هذه مصدر دخله: «درعا هظا هي، تروح تجيب مصاري وتيجي».

وقتها، لم يلتفت البشابشة ولا إخوته من سائقي الشاحنات إلى الوظائف الحكومية، إذ وفرت له هذه التجارة دخلًا تجاوز بكثير راتب الموظف الحكومي، واستطاع بعد سنتين من العمل شراء سيارة نقل ركاب عمومية، وصار اهتمامه مثل الكثير من سائقي السيارات بنقل البضاعة أكثر من المسافرين: «جبت دودج أمريكي موديل 1977، أكثر البحّارة كان معهم سيارات كبيرة عشان الحِمل، مثل الكابريس والجبات، تركب الثمانية سليندر وما يهمك البنزين».

صورة قديمة لأبو شادي البشابشة على خط الشام-الرمثا.
أبو شادي البشابشة امام المعبر المغلق على الحدود الأردنية السورية.
جوازات سفر قديمة لأبو شادي البشابشة كان يستخدمها أوقات العمل.

في وسط مدينة الرمثا حيث أنزل السائقون البضاعة السورية، تجمّعت المحال في ثلاثة أسواق: سوق بحّارة الملابس، وسوق بحّارة المواد التموينية، وسوق بحّارة الدخان. وهي السلع التي نقلها البحّارة من درعا. لا يعرف من قابلناهم أصل إطلاق لفظة بحّارة على السائقين العاملين على الحدود، لكنها شاعت وأطلقت سابقًا على سائقي السيارات العمومية السوريين الذين نقلوا البضاعة من الأراضي الأردنية إلى السورية في الثمانينيات.

أنشأ تجّار الرمثا علاقة تجاريةً مباشرةً مع المصنعين السوريين، واستوردوا البضاعة منهم مباشرة على أن تنقلها الشاحنات من المناطق الصناعية في دمشق وحلب وتفرغها في استراحات مدينة درعا، ومن هناك يتولى البحارة الأردنيون نقلها بسيارات الركاب عبر النقطة الحدودية حيث يدفعون رسومها، ومن ثم يكملون الطريق لتنزيلها في الأسواق الثلاثة، فيدفع التاجر لهم أجور التوصيل، بالإضافة إلى رسوم الحدود.

تجاوزت هذه الطريقة في نقل البضاعة الرسوم الجمركية المرتفعة على البضائع التي تدخل بواسطة الشاحنات، إذ عدت بضاعة البحارة من الأمتعة التي يحملها المسافرون، أو كانت تخضع لرسوم مخفّضة لدخولها بكميات قليلة مقارنة بحجم ما تنقله الشاحنات.

تركّزت البضاعة التي نقلها البحارة في ثلاث مجموعات سلعية؛ الملابس والمنسوجات، والأغذية المصنعة، والفواكه والخضار. انتقلت البضاعة بسرعة بين الحدود، وفي بعض الأحيان كانت الشاحنة تُنزل البضاعة في استراحة درعا عند السادسة صباحًا وتكون معروضة للبيع في محالّ التجار في الرمثا قبل الظهر. يقول البشابشة إن الجزارين في درعا كانوا يذبحون في الصباح وتدخل اللحوم إلى الرمثا طازجة دون تبريد.

انتعشت الأسواق الثلاثة منذ منتصف التسعينيات، وأنعشت معها معيشة كثير من أهل المدينة، وشكلّت مصدر دخل لكثير من الشباب الصغار، ومن يعملون في وظائف حكوميّة، ومنهم حسن الخُبّ الذي ترك وظيفته في وزارة التموين سنة 1995 وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبدأ التجارة برأس مال من خمسة آلاف دينار.

حسن الخب في محل الملابس الذي يملكه.

زوّد أحد مصانع حلب الخُبّ بالبضاعة برسم البيع، وهو ما مكّنه من بدء التجارة. وكان هذا الشكل من التعامل جزءًا من تجارة المدينة يقوم على تزويد المصانع السورية التجارَ بالبضاعة وسداد ثمنها بعد البيع. ومع الزمن كبرت تجارة الخُبّ فاستأجر ثلاثة مستودعات مساحة كل واحدٍ منها 30-40 مترًا، وأبقى على محله في سوق بحّارة الملابس من أجل عرض البضاعة.

لم يسأل العاملون في هذه التجارة من بحارة وتجّار وأصحاب محال عن مصاريف بيوتهم، إذ كانوا ينفقون مباشرة ما يدخل عليهم لأن عجلة تدفق الربح لا تتوقف، وانتشرت في المدينة المحال الكبيرة المخصصة لعرض البضاعة السورية، وانتشرت معها العقارات التي تؤجر كمستودعات لتخزين البضاعة، لا للرمثا وحسب وإنما كذلك لتجار المحافظات الأخرى مثل إربد والكرك والطفيلة.

كانت المحالّ تفتح أبوابها من السابعة صباحًا حتى قبل منتصف الليل بقليل خاصة في الصيف. ويحكي التجار في الرمثا قصصَ المرات الكثيرة التي أيقظهم فيها تجار المدن الأخرى في ساعات الصباح أو كانوا ينتظرونهم على أبواب المحالّ، أو اضطرارهم لفتحها أيام الجمع لتزويد تجّار عمّان بالبضاعة إذ كانوا لا يستطيعون المجيء إلى الرمثا إلّا يوم إغلاق محالهم.

في التعاملات التجارية، بدت الرمثا وكأنها واحدة من المدن السورية، تتركز تعاملات تجارها مع الداخل السوري أكثر منها مع مستوردي ومصنعي البضائع الأردنية بسبب الطلب الكبير على البضاعة السورية: «ما تعاملت مع تجّار أردنيين نهائيًا، كله استيراد من سوريا، اعتمادنا كان على الله وسوريا»، يقول الخُبّ.

في المواسم مثل الأعياد ورمضان، اعتادت العائلات زيارة أسواق الرمثا بسياراتها من مختلف المحافظات من أجل شراء الملابس، وكان معتادًا أن تصل مجموعات النساء من محافظات بعيدة بواسطة الحافلات عند نزول الرواتب نهايات الأشهر من أجل شراء مونة البيوت من المواد التموينية.

سوق البحارة في الرمثا.

أنت الآن بانتظار سماع بقية القصص الكثيرة حول تهريب الدخان على الحدود بين الرمثا ودرعا، وأماكن إخفائها داخل سيارات البحّارة، وعمليات بيعها في أسواق المدينة في الخفاء، ومطاردة سيارات الجمارك للمهربين على الطرق السريعة بين المحافظات. لكن الحقيقة أن هذا لم يكن الطابع العام لعمل البحّارة بين الحدود، إذ عبروا الحدود يوميًا ودفعوا رسوم البضاعة بما فيها رسوم كروزات الدخان عند نقطة الحدود، وقد تفاوت عدد الكروزات المسموح بإدخالها بين كروز واحد وسبعة، بحسب تغيّر التعليمات على الحدود بين فترة وأخرى.

أما الدخان المهرّب فدخل بعدة طرق، منه ما استطاع البحارة إخفاءه بين الأمتعة، وهي كميات قليلة يصل عددها ما بين كروز إلى ثلاثة في كل رحلة، ومنها ما دخل مع البحّارة الركّاب الذين كانوا يخفونها في ملابسهم، إذ كانوا يدخلون درعا ويشترون عدة كروزات لحسابهم الخاص ويدخلون الحدود فيها ويبيعونها في الرمثا. وبسبب سهولة التنقل بين درعا والرمثا، وتكرار دخول البحارة والناس أكثر من مرة في اليوم، توفّر الدخان في متاجر المدينة بكميات كبيرة. الاشتغال بنقل الدخان فلم يكن من اختصاص البحارة، فهم لا يخاطرون بسمعتهم على الحدود بتهريب الدخان الذي قد يصادر وتفرض على ناقله غرامة مالية، وهي عقوبات اختلفت بين فترة وأخرى.

عاشت الرمثا مرحلة ما قبل العام 2011، عصرًا ذهبيًا، انعكس على المدينة وواقعها الاجتماعي والاقتصادي. تزوّج البشابشة وبنى بيتًا من الحجر على طريق خط الشام في الرمثا، وبدّل أكثر من سيارة من عمله في هذه التجارة. أما الخب فوصلت قيمة تعاملاته مع المصانع السورية لحوالي ربع مليون دينار. ولم يؤثر في هذا الازدهار افتتاح نقطة حدودية أخرى بين سوريا والأردن عند قرية جابر في المفرق.

وحضر هذا الازدهار المعيشي في الثقافة الشعبية في الرمثا، فانتشرت الأغاني التي تتغنى بقطاع التجارة عبر الحدود وأنواع الشاحنات العاملة على الحدود، وغنّت النساء في الرمثا للسائقين: «ما بدي معلّم شايل زيتاته بإيده… بدي شوفير السوبر بيرمي غياره بإيده» والسوبر شاحنة ذات تروس غيار يدوية مخصصة لنقل البضاعة.

أحد المحال التي تبيع سكاكر سورية في الرمثا.

2011 ونهاية زمن الحدود

منذ بداية الألفية الجديدة على الأقل، ارتفعت قيمة مستوردات الأردن من سوريا سنة بعد أخرى، ووصلت في العام 2011 إلى أعلى مستوىً لها. ومع بدء الاحتجاجات في سوريا أغلق الجانب السوري الحدود لأول مرة في نيسان 2011، ليعاد فتحها فترة قصيرة، ثم تغلق مرة ثانية حتى اليوم. فيما ظلّت نقطة حدود جابر-نصيب تفتح وتغلق حسب الوضع الأمني على الطرف الآخر من الحدود.

انحدرت قيمة الواردات الأردنية من أكثر من ربع مليار دينار في 2011  لتصل إلى 31 مليون دينار في العام 2019، وهو أدنى مستوى لها، وتوقف عمل البحارة.

شحّت البضاعة في أسواق المدينة، ولم يعد التجار يأتون إلى الرمثا من المحافظات الأخرى، وقلّت حركة الناس في الأسواق. أغلق محل أبو العبد قنّو سنة 2011 بعد  أكثر من خمسين عامًا من العمل، واضطر أبو العبد للعمل في بيع الخضار ومن ثم السفر إلى روسيا باحثًا عن عمل أفضل. وفتح شقيقه محل قهوة في الرمثا. وفرغت المحال من البضاعة. وخسر الخب قرابة ربع مليون دينار. وعلى طرف سوق بحارة الملابس حيث وجد أكبر محل لاستيراد مواد التنظيف السورية، استغنى صاحبه إسلام المخادمة عن المستودعات الخمسة المخصصة لتخزين البضاعة، ومن 12 موظفًا كانوا يعملون عنده، لم يبق إلّا واحد يعمل معه اليوم في محلّ لبيع القهوة.

على الطريق الواصل إلى الحدود، أغلقت محال الصرافة، وبقيت واجهاتها مثبتةً في مكانها، وصارت الرمثا سوقًا لأهلها فقط. ومع الغروب تكون أسواق الملابس فيها قد أغلقت أبوابها. وبشكل عام بعد خمس سنوات من إغلاق حدود الرمثا درعا انخفض عدد المحال التجارية المسجلة في غرفة تجارة الرمثا من خمسة آلاف إلى 1500 محل.

اتجه بحّارة الرمثا للعمل على نقل الركاب على خط السعودية الأردن، واشترى البشابشة سيارة نقل ركاب جديدة، وحاول التجارة بالبضاعة بين الحدود السعودية الأردنية مع «الكديدة» السعوديين وهي التسمية الشعبية لسائق سيارات نقل الركاب السعودية الذي يعمل بتجارة الحدود، لكن تكاليف البضاعة السعودية الداخلة إلى الأردن كانت أعلى من أن تباع في السوق الأردنية.

أمّا كبار التجار في الرمثا، ممن يمتلكون سيولة كبيرة، فتوجهوا إلى الصين لتعويض البضائع التي كانوا يستوردونها من سوريا، لكن طول الفترة الزمنية التي تحتاجها البضائع حتى تصل، ومنافستهم مع باقي تجار الأردن لم يمكّنهم من تعويض ما فقدوه بإغلاق الحدود السورية.

في العام 2018، بدأت السياسة العربية تجاه سوريا بالتغير، إذ أعادت دول عربية علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع سوريا مثل الإمارات والأردن والبحرين، وفتحت الحدود الأردنية السورية لكن ليس الرمثا-درعا، إنما نقطة حدود جابر- نصيب.

رجع البشابشة للعمل في نقل المسافرين على أمل نقل ما يُسمَح بنقله، لكن سرعان ما أصدرت الحكومة الأردنية العام 2019 قائمة بحظر استيراد 194 سلعة من سوريا، إضافة إلى شح البضاعة بالأصل إذ دُمّرت البنية التحتية الصناعية في سوريا بسبب الحرب، خاصة قطاع صناعة الملابس، أحد أكثر القطاعات تصديرًا إلى الأردن في السابق.

عند نقطة حدود جابر-نصيب، النقطة الوحيدة الآن بين سوريا والأردن والمخصصة للشحن، تعبر اليوم الشاحنات القادمة من دول الخليج إلى سوريا، وتعبر معها حافلات نقل السيّاح الأردنيين، والقليل من سيارات نقل المسافرين باتجاه سوريا فقط.

داخل الرمثا تجوب سيارات نقل الركاب على خط الشام الشوارع، أو تقف أمام بيوت أصحابها، بانتظار دورها الذي تحدده منصة إلكترونية تسمح بدخول السائق منهم مرة في الأسبوع حسب دوره، فيما تحولت الكثير من هذه السيارات لنقل المسافرين من الأردن إلى السعودية بعدما كانت في السابق تنقلهم من الأردن إلى الشام وبيروت.

داخل الأسواق الثلاثة التي طالما أنزل البحارة فيها البضائع، تغلق المحال باستمرار بين فترة وأخرى، حتى بدا وكأنها لم توجد يومًا. لقد سألنا كثيرًا حتى وصلنا إليهم، إذ لم يعرف الشباب الصغار ممن سألناهم أين تقع هذه الأسواق، وعندما وصلنا أخيرًا كان الخب يتحضر لإغلاق محله عند الغروب. قال لنا إنه يجري اتصالاته بين فترة وأخرى، ويقولون له في عمان إن هناك نية لإعادة فتح حدود الرمثا درعا. ما يقوله الخب حول وعود فتح نقطة الحدود تكرر كثيرًا، خاصة بعد رحيل النظام السابق قبل أكثر من سنة.

يعرف من تبقّى من تجّار سوق البحّارة في الرمثا أن تجارتهم منذ أغلقت نقطة الحدود صارت مثل أي تجارة في أي مدينة أردنية، تنتعش لأيام قليلة في الشهر ثم يطالها الركود، لكنهم يصرون على البقاء في سوقهم القديمة ويتحدثون عن قرب فتح الحدود كأنها مسألة وقت. ومثلهم يتحدث البحارة الكبار عن قرب عودة النقطة الحدودية، مثل أبو شادي البشابشة الذي اشترى سيارة على خط الشام قبل أشهر لابنه.

الكثيرون هناك يتحدثون عن قرب فتح الحدود، ولا أعرف إن كان مسؤولٌ ما قد وعدهم بقرب إعادة فتحها أم هي أمنياتهم للعودة إلى زمن التجارة الحدودية التي أنعشت المدينة وتنقلّت البضائع فيها بين البلدين منذ زمن الخيالة وحتى زمن السيّارات ذات المحركات الثمانية سيلندر التي ظلت تبحر في اليابسة لسنوات.

أحد المجمعات التجارية التي تبيع البضائع السورية في الرمثا.
  • الهوامش

    [1] كانت منطقة الرمثا تُلحق تارة بعجلون، وتارة بحوران، وفي عام 1851 انسلخت الرمثا من سنجق عجلون من وادي الشلالة وألحقت بسنجق حوران الذي يتبع لولاية الشا.، فاروق نواف السريحين، تاريخ مدينة الرمثا ولوائها: دراسة تاريخية، اقتصادية، أنثروبولوجية، 1985، المطابع العسكرية، ص 101.

    [2] كانت ناحية الرمثا تابعة لحوران والانتداب الفرنسي، حتى يوم 15 كانون الثاني 1921 عندما اتفقت سلطتا الانتداب الفرنسي والبريطاني على أن تكون ملحقة بقضاء عجلون. وقد تشكلت مديرية في هذه الناحية حال إلحاقها وعين السيد ناصر الفواز مديرًا لها ومركزه بلدة الرمثا. سليمان الموسى ومنيب الماضي، تاريخ الأردن في القرن العشرين، 1900-1959 وزارة الثقافة، مكتبة الأسرة 2021، ص 164

    [3] إسلام خالد الفاخري، الرمثا ولواؤها تاريخ وحضارة: ما لا تعرفه عن الرمثا، ص 94

    [4] كما صدرت التعليمات في الجريدة الرسمية العدد 282، الصادر يوم 1 تشرين الثاني 1930، والجريدة الرسمية العدد 256، الصادر يوم 1 نيسان 1930.

    [5] صدر قانون استثمار جديد بداية التسعينيات لتشجيع الاستثمار الخاص، السوري منه والأجنبي، خاصة في القطاعات الصناعية التي كانت حكرًا على الدولة.

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤