هدنة مضيق هرمز: كواليس تفاوض معقدة أعادت ضبط المواجهة بين أمريكا وإيران
في لحظة بدت فيها المواجهة بين واشنطن وطهران متجهة نحو انفجار إقليمي واسع، جاء إعلان الهدنة بين أمريكا وإيران ليعيد ضبط إيقاع الصراع دون أن ينهيه، ولم يكن القرار انعكاساً لانفراج سياسي، بل نتيجة حسابات دقيقة فرضها ضغط الميدان وخطر انهيار أسواق الطاقة، ما دفع إلى صيغة مؤقتة تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
التحركات التي سبقت الإعلان كشفت أن ما يجري يتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة هندسة مسار الحرب نفسها، إذ عملت القنوات الدبلوماسية والأمنية بشكل مكثف لإنتاج تسوية مؤقتة تتيح لكل طرف الحفاظ على موقعه دون تقديم تنازلات مباشرة، ومع انتقال مركز الاشتباك إلى مضيق هرمز، أصبح التحكم بالملاحة ورقة تفاوضية بقدر ما هو أداة ضغط عسكري.
في هذا التقرير، نعود إلى كواليس الساعات الأخيرة التي سبقت إعلان الهدنة بين أمريكا وإيران، حيث تكثفت الاتصالات وتقاطعت الوساطات الإقليمية والدولية لصياغة مخرج مؤقت للأزمة، وبين ما جرى خلف الأبواب المغلقة وما أُعلن رسمياً، تتكشف تفاصيل إعادة ترتيب الصراع ونقله من الميدان إلى طاولة التفاوض، في مرحلة تبدو مفتوحة على أكثر من احتمال.
كواليس ما قبل الهدنة بين أمريكا وإيران
تكشف كواليس الاتصالات أن المبادرة التي خرجت إلى العلن عبر رئيس الوزراء الباكستاني لم تكن باكستانية بالكامل، بل كانت نتيجة مسار تفاوضي متدرّج شاركت فيه كل من تركيا ومصر، بالتنسيق مع قنوات أمريكية وإيرانية، وبمواكبة روسية من الخلف، وفق ما يؤكد المصدر الدبلوماسي.
وبحسب مصدر دبلوماسي عربي مطّلع لـ”عربي بوست”، فإن الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان شهدت كثافة غير مسبوقة في الاتصالات، بعدما وصلت كل من واشنطن وطهران إلى قناعة مشتركة، وإن لم تُعلن، بأن استمرار التصعيد سيؤدي إلى نتائج يصعب التحكم بها، سواء على مستوى أمن الملاحة أو استقرار الأسواق أو توسّع ساحات الاشتباك.
خلال الأيام التي سبقت الإعلان عن الهدنة بين أمريكا وإيران، جرى العمل على بناء صيغة تسمح بتفادي طلب “وقف حرب” مباشر، واستبداله بترتيب تقني-سياسي يقوم على ربط فتح مضيق هرمز بوقف الضربات، ما يتيح لكل طرف الادعاء بأنه لم يتراجع.
وفي هذا الإطار، أدارت أنقرة قنوات اتصال غير مباشرة على مستوى أمني-سياسي رفيع، شملت نقاشات تفصيلية حول آليات فتح المضيق، وضمانات عدم استهداف الملاحة، إضافة إلى تقديرات ميدانية نقلتها إلى واشنطن تفيد بأن استمرار إغلاق المضيق سيؤدي إلى توسّع غير قابل للاحتواء في مسارح متعددة مرتبطة بإيران.
في المقابل، تولّت القاهرة تثبيت الغطاء السياسي العربي والإقليمي، عبر تسويق صيغة “وقف متبادل لإطلاق النار”، بالتنسيق مع دول الخليج، ما يمنح المبادرة شرعية إقليمية، ويمنع تصويرها كاستجابة لضغوط أمريكية أو إيرانية.
وعند نضوج هذه التفاهمات، تولّت باكستان تقديم الصيغة بشكل رسمي، لتظهر كأنها مبادرة متوازنة، تقوم على فتح إيران للمضيق لمدة أسبوعين مقابل وقف الضربات الأمريكية، على أن تُستأنف خلال هذه المهلة مفاوضات أوسع للوصول إلى اتفاق نهائي.
مضيق هرمز من أداة ضغط إلى محور تفاوض
يشير المصدر الدبلوماسي إلى أن مضيق هرمز تحوّل من أداة ضغط عسكرية إلى محور التفاوض السياسي، فإيران استخدمته كورقة استراتيجية لفرض إيقاع جديد على الحرب، عبر تحويله إلى نقطة اختناق عالمية، فيما وجدت واشنطن نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الواقع ضمن مسار تفاوضي، بعد تعذّر كسره سريعاً بالقوة.
لكن الخلاف لم يكن على مبدأ فتح المضيق بحد ذاته، بل على كيفية ذلك وشروطه، حيث طرحت طهران فكرة “الفتح الجزئي والمؤقت”، ما يحفظ لها ورقة الضغط، فيما تمسكت واشنطن بفتحه الكامل كشرط لإعادة إطلاق الملاحة.
هذا التباين أدّى إلى مفاوضات دقيقة، لم تقتصر على البعد السياسي، بل شملت تفاصيل تقنية تتعلق بأمن السفن، ومسارات العبور، وآليات المراقبة، والضمانات المطلوبة خلال فترة الهدنة، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً في إدارة الصراع.
شروط إيرانية متصاعدة مقابل مقاربة أمريكية مؤجلة
الصيغة التي تم التوصل إليها قبل إعلان الهدنة بين أمريكا وإيران لا تعكس انتصاراً حاسماً لأي من الطرفين، فبالنسبة لواشنطن، لم تتحقق الأهداف التي انطلقت من أجلها الحرب، إذ لم تحصل على تنازلات إيرانية في الملف النووي أو فيما يتعلق باليورانيوم المخصب أو النفوذ الإقليمي.
أما إيران، فترى أنها نجحت في الصمود وفرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه، بعدما تم حصر النقاش بملف المضيق، وتأجيل الملفات الأخرى إلى المفاوضات اللاحقة، ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة.
وبحسب مصدر “عربي بوست”، بدأت إيران بالفعل في إعداد لائحة شروط للمرحلة المقبلة، تتجاوز مسألة المضيق، وتشمل:
- إبرام بروتوكول خاص بمضيق هرمز يمنحها دوراً تنظيمياً في الملاحة
- فرض رسوم على عبور السفن وتوجيهها لإعادة الإعمار
- رفع العقوبات بشكل كامل
- الإفراج عن الأموال المجمّدة لدى الولايات المتحدة
في المقابل، تتمسك واشنطن بمقاربة مختلفة، تقوم على تأجيل هذه الملفات إلى مرحلة الاتفاق النهائي، ورفض ربطها بوقف إطلاق النار، مع الإصرار على أن أي رفع للعقوبات يجب أن يكون مشروطاً باتفاق شامل حول البرنامج النووي.
كما برزت في الكواليس أفكار تتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء بين الطرفين، يكون بمثابة إطار دائم لوقف النار، على أن يتم تثبيته بقرار من مجلس الأمن الدولي في مرحلة لاحقة.
بالمقابل، يؤكد المصدر أن موسكو لعبت دوراً داعماً من خلف الكواليس، من خلال تشجيع طهران على القبول بصيغة “الفتح المؤقت”، مع الدفع باتجاه نقل المسار لاحقاً إلى مجلس الأمن، بهدف إعطاء أي تفاهم طابعاً دولياً يمنع انهياره.
كما حرصت موسكو على ضبط إيقاع التفاوض، لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة غير محسوبة.
ثبات إيراني وضغط إسرائيلي وتعقيدات الاتفاق
تشير المعطيات إلى أن أحد الأهداف الأساسية التي طُرحت في بداية الحرب، والمتعلق بإحداث تغيير في بنية النظام الإيراني، لم يتحقق، إذ إن النظام الإيراني لا يزال متماسكاً، ولم تظهر مؤشرات على تحوّل داخلي جوهري.
في المقابل، لم تتمكن واشنطن من فرض شروطها الكاملة، ما أدى إلى ترحيل معظم الملفات الخلافية إلى طاولة التفاوض، بدلاً من حسمها عسكرياً.
في موازاة هذا المسار، يبقى الدور الإسرائيلي أحد أبرز عوامل الضغط على أي تهدئة، فتل أبيب تدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية وعدم تقديم تنازلات، ما يضع المسار التفاوضي أمام اختبار دائم.
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تنظر إلى أي هدنة على أنها فرصة لإعادة التموضع، لا لإنهاء المواجهة، وهو ما يزيد من هشاشة التفاهمات الحالية.
وتقدّر مصادر دبلوماسية عربية وإقليمية لـ”عربي بوست” أن فرص الوصول إلى اتفاق نهائي لا تزال قائمة، خصوصاً إذا تم التفاهم على آلية واضحة لحماية الملاحة في مضيق هرمز، وعلى إطار يضبط البرنامج النووي الإيراني.
لكن في المقابل، تصطدم هذه الاحتمالات بعقد أساسية، أبرزها:
- تمسّك إيران ببرنامجها الصاروخي
- رفضها التخلي عن حلفائها في المنطقة، وتحديداً حزب الله
- مطالبتها بوقف الحرب في لبنان وبقية الساحات المرتبطة بها
وبين هذه التعقيدات، تبدو الهدنة بين أمريكا وإيران التي أُعلن عنها أقرب إلى “استراحة تفاوضية” تُعاد خلالها صياغة شروط المواجهة، أكثر من كونها بداية فعلية لنهاية الحرب.




