ولا يتضح ذلك أكثر مما يتضح في الجدل حول مضيق هرمز. فهذا الممر المائي، الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، أصبح الآن، وبفعل هذه الحرب، محوريا في استراتيجية الردع الإيرانية. ففي أزمات سابقة، استخدمت إيران التهديد بإغلاقه ورقة ضغط. أما في هذه الأزمة، فقد ذهبت أبعد من ذلك. إذ أظهرت قدرة لا على تعطيل الوصول فحسب، بل على ربط إعادة فتحه بشروطها. أما الترتيب الراهن، وهو عبور محدود ضمن بروتوكول محدد، فيوحي بطموح يتجاوز السيطرة المؤقتة. فطهران تختبر فكرة أن الوصول إلى هرمز يمكن تنظيمه والتفاوض بشأنه، وربما تحويله، بشكل أو بآخر، إلى ترتيب دائم نسبيا. وعلى الأرجح أن هذا ينطوي على مبالغة إيرانية في تقدير قدرتها، غير أن هذا هو موقفها حتى الآن.
وأمام واشنطن، تطرح هذه المعادلة معضلة استراتيجية ونفسية في آن. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات عسكرية ساحقة. لكن، كما في حروب سابقة في المنطقة، ثبت أن تحويل تلك القدرة إلى نتائج سياسية أصعب. ولا يزال التصعيد ممكنا. غير أن التصعيد من دون تحديد واضح للحالة النهائية يهدد بترسيخ الديناميات نفسها التي يراد تفكيكها.

وقد ظهر هذا التوتر في رسائل الإدارة. حيث وصف ترمب المقترح الإيراني بأنه "أساس عملي" للتفاوض، ثم أصر في الوقت نفسه على أنه "غير كاف". وتحدث عن نجاح وشيك، وعن إمكان توجيه ضربات إضافية، في الوقت نفسه. واستبعد فعليا تغيير النظام، لكنه استخدم خطابا يوحي باستعداد لملاحقته. ويمكن لكل واحد من هذه المواقف، إذا نُظر إليه منفردا، أن يكون جزءا من استراتيجية متماسكة. لكن اجتماعها يكشف شيئا آخر، هو مقاربة لا تزال تبحث عن منطقها الداخلي.
ولم يمر غياب تحديد واضح للحالة النهائية من دون ملاحظة. إذ يضبط الحلفاء مواقفهم بحذر. وتفاعلت الأسواق مع حالة عدم اليقين بقدر ما تفاعلت مع الأحداث. وفي طهران، أُدرج هذا الغموض ضمن سردية أوسع عن عدم اتساق أميركي وانجراف استراتيجي. غير أن الإيرانيين أيضا يواجهون قرارات كبيرة وحاسمة بشأن المستقبل الذي يريدونه مع الولايات المتحدة، إذا كانوا يطمحون إلى سلام دائم كما يزعمون.
وسارع مسؤولون ومعلقون إيرانيون إلى التقاط هذه التناقضات. فالحرب، وفق روايتهم، كشفت عن الولايات المتحدة التي تستطيع التصعيد لكنها تعجز عن الحسم، والتي تقدر على توجيه ضربات عسكرية لكنها لا تستطيع تصور نهاية سياسية واقعية. ورفض وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف أحد أحدث خطابات ترمب عن إيران، واصفا إياه بأنه "هراء بلا أي مضمون". وهي عبارة لا يبرز فيها معناها بقدر ما يبرز الهدف منها. فهي جزء من مسعى أوسع لإعادة تقديم الحرب لا على أنها منافسة في القدرات، بل على أنها منافسة في التماسك.












