... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
259454 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 4602 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

حاجة القلوب إلى المواعظ كحاجة الأبدان إلى الطعام

العالم
الشروق الجزائرية
2026/04/25 - 16:36 504 مشاهدة

يُروى أنّ الخليفة العبّاسيّ هارون الرشيد زَخرف مجلسه يوما بأبهى البُسط والنّمارق، ووضع فيه من أشهى الأطعمة، ودعا خُلّص حاشيته، وبدا له أن يدعو أحد الشعراء ليصف بأجمل العبارات، ذلك المجلس العامر، فوقع الاختيار على الشّاعر أبي العتاهية إسماعيل بن القاسم.. وأبو العتاهية، كان في بداية أمره من الشعراء الذين يطلبون الدّنيا والمال بشعرهم، وكان ينظم الشعر في الغزل وفي مدح الخلفاء، ثمّ تاب من ذلك في آخر أمره، وأصبح ينظم الشعر في الزهد والرقائق.

دخل أبو العتاهية مجلس هارون الرشيد وفيه ما فيه من الزينة والطّعام، فقال له هارون: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فنظر أبو العتاهية إلى ما حوله نظرة ازدراء وقال: “عش ما بدا لك سالما؛ في ظل شاهقة القصور”، فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال: “يُسعى إليك بما اشتهيت؛ لدى الرواح وفي البكور”، قال: حسن، ثم ماذا؟ وهُنا أكمل أبو العتاهية قائلا: “فإذا النفوس تقعقعت؛ في ظل حشرجة الصدور. فهناك تعلم موقنا؛ ما كنت إلا في غرور”،
فبكى هارون الرشيد… فزجر أحد الحاضرين أبا العتاهية على أن المقام مقام فرح وسرور، وليس مقام وعظ وبكاء، فقال هارون الرشيد: دعه، فإنه رآنا في عمًى فكره أن يزيدنا منه.
هكذا هي النفوس؛ إذا عظم لديها أمر الدّنيا غفلت وعميت، وركنت إلى المتاع الفاني، واندفعت نحو الشهوات في شره بهيمة لا تشبع ولا تصحو! ولذلك فالقلوب أحوج إلى المواعظ والرقائق من الأبدان إلى الطّعام والشّراب والهواء.. ومَن ظنّ أنّ حياته تستقيم وحالَه تصلح بعيدا عن المواعظ والرقائق، فهو مخطئ خطأ عظيما. كيف ولا تكاد سورة من سور القرآن الكريم تخلو من موعظة، ولا يكاد القرآن يتحدّث في موضوع من المواضيع إلا وختمه بموعظة تخوّف بالله وتذكّر بالدّار الآخرة.. مثلا، بعد الحديث عن الميراث قال سبحانه: ((تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ))، وبعد الزّجر عن الربا قال الله –تعالى-: ((وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون))، بل وفي خضمّ الحديث عن الطّلاق والعدّة خاطب القرآن القلوب وذكّرها بالله علام الغيوب.. بل إنّ الله العليم الحكيم وصف كتابه كلّه بأنّه موعظة، فقال جلّ من قائل: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)).. ولعلّ من الفرائد التي تدلّ على أنّ القلوب لا تستغني عن المواعظ خاصّة في تلك الأحوال التي تنشغل فيها بمباهج الدّنيا، أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قام فخطب النّاس مرّة في يوم عيد، ولمّا أنهى خطبته تقدّم إلى صفوف النّساء، فقال: “يا مَعشرَ النِّساءِ تصدَّقنَ، وأَكْثِرنَ منَ الاستغفارِ، فإنِّي رأيتُكُنَّ أَكْثرَ أَهْلِ النَّارِ”.
الصالحون من عباد الله، كان الواحد منهم إذا لقي أخاه يأخذ بيده ويقول: “تعال بنا نؤمن ساعة”. كانوا يدركون أنّ القلوب تحيا وتسعد بالرقائق والمواعظ. حتى الخلفاء الذين كان على صلاح وتقوى، كانوا يطلبون من يعظهم ويرقّق قلوبهم ويزجرون من يمدحهم ويطريهم، وكان من أجلاهم سيرة في هذا بعد الخلفاء الراشدين: الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، الذي كان العلماء والزهاد هم خاصّتَه، وكان يبعث بالرسائل إلى العلماء في الأقاليم يطلب موعظتهم ونصيحتهم.. حتى الأمراء الذين كان فيهم شيء من الصلاح، كانوا من حين إلى آخر يطلبون من يعظهم ويحيي قلوبهم، فهذا الخليفة العبّاسيّ هارون الرشيد الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، كان بين الحين والآخر يطلب عالما من العلماء أو زاهدا من الزهاد يذكّره بما هو مقبل عليه، وقد دخل عليه ابن السماك يوما، فأتي الرشيد بكأس ماء بارد، فقال لابن السماك: عظني، فقال ابن السماك: “يا أمير المؤمنين بكم كنت مشتريًا هذه الشربة لو مُنعتها؟”، فقال: بنصف ملكي، فقال: “اشرب هنيئًا”، فلما شرب، قال: “أرأيت لو مُنعت خروجها من بدنك، بكم كنت تشتري ذلك؟” قال: بنصف ملكي الآخر، فقال ابن السّماك: “إن ملكًا قيمة نصفه شربة ماء وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق ألَّا يُتنافس فيه”؛ فبكى هارون.. هكذا كان شأن من كان فيهم صلاح من أمراء المسلمين فيما مضى، أمّا في الأزمنة المتأخّرة، فكثير من ولاة أمر المسلمين لا يطلبون الوعاظ والعلماء والزهّاد، بل يطلبون بائعي الدّنيا بالدين ليبرروا لهم الظلم ويسوّغوا لهم الجور ويزيّنوا لهم ما هم فيه، تماما كما يطلبون أهل اللهو والترف لينسوهم الأمانات والواجبات والموت والحساب!

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post حاجة القلوب إلى المواعظ كحاجة الأبدان إلى الطعام appeared first on الشروق أونلاين.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤