جولة جديدة من القتال: كيف تفكر «إسرائيل» في لبنان؟
بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان أواخر تشرين الثاني 2024، واصل الاحتلال الإسرائيلي خرق الاتفاق برًا وبحرًا وجوًا طوال 15 شهرًا، فيما سعت حكومة الاحتلال لترسيخ صورة انتصارها على حزب الله وردعه. ففي آذار من العام 2025 قال رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو في بيان له: «لن نسمح بإطلاق النار على مناطقنا، ولو برصاصة واحدة (..) وسنضمن عودة جميع سكاننا في الشمال إلى منازلهم سالمين»، ثم وقف في أيلول 2025 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة معلنًا أن «إسرائيل شلّت حزب الله».
شكلت هذه التصريحات، وأخرى شبيهة بها على لسان وزراء الاحتلال وقادته العسكريين، سرديةً روجت لها حكومة الاحتلال وإعلامه مفادها أن حزب الله بات عاجزًا عن خوض مواجهة مع الاحتلال، وقد عزّز الاحتلال هذا التصور من خلال استمرار خروقاته لوقف إطلاق النار و«العمل بحرية» ضد أهداف مدنية وعسكرية في لبنان بذريعة منع الحزب من إعادة بناء قدراته.
غير أن هذا الخطاب بدأ على ما يبدو بالتصدع مطلع آذار الحالي مع دخول حزب الله معركة جديدة ضد الاحتلال مستهدفًا مواقع عسكرية إسرائيلية، وما تبعه من عدوان إسرائيلي على بيروت واشتباكات على طول الحدود، تلاها في الأيام الأخيرة محاولات توغل بري إسرائيلي جنوبيّ لبنان.
في هذا الحوار، يقدم الباحث والسياسي الفلسطيني امطانس شحادة، قراءة في التحولات في الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي في «إسرائيل» تجاه المعركة في لبنان، محللًا التهديدات الإسرائيلية باحتلال الجنوب، ومحاولات دفع لبنان نحو صراع داخلي يكون الجيش اللبناني جزءًا منه، فضلًا عن رغبة الاحتلال ومدى قدرته على تدمير الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت.
حبر: لعام ونصف تقريبًا روجت الحكومة الإسرائيلية مقولتها عن «تحطيم قدرات حزب الله» جراء الضربات التي تلقاها خلال الحرب الماضية في عام 2024. هل ما زالت هذه السردية صالحة؟ وكيف يفكر الاحتلال الإسرائيلي اليوم في حزب الله؟
امطانس شحادة: الحقيقة أن حزب الله فاجأ «إسرائيل» من حيث الحفاظ على قسم من قدراته العسكرية والتنظيمية والقيادية، لأنها اعتقدت فعليًا أنها وجهت ضربة قاسية للحزب في حرب 2024 عبر اغتيال القيادات، بما في ذلك الأمين العام وقيادات عسكرية مركزية، وتوجيه ضربة جدية لقدراته العسكرية، ولكن على ما يبدو أن «إسرائيل» بالغت في تقديرها هذا، ولم تُقدّر بشكل صحيح عمل حزب الله على ترميم قدراته خلال عام ونصف. كانت «إسرائيل» تلمح إلى أن حزب الله يحاول ترميم قدراته العسكرية، وتدعي أنها تقوم بتوجيه ضربات لإحباط محاولات الترميم، وكان الاعتقاد السائد أن حزب الله بات ضعيفًا ومرتدعًا، وحتى لو أقدم الحزب على أي عمل عسكري فإنه بذلك يكتب نهايته، كما روج الإعلام والتحليل الإسرائيلي.
اليوم، دخل حزب الله المعركة، ورغم تراجع قدراته وإمكانياته بشكل واضح، إلا أنه لم يتم القضاء عليه. هذا أدى إلى مفاجأة لدى المجتمع أولًا، ولدى المؤسسة العسكرية وصناع القرار في «إسرائيل»، ويدل مرة أخرى على أن «إسرائيل» تبالغ في إنجازاتها العسكرية كما فعلت أمام إيران في حرب الصيف الماضي. والأهم هنا أن المؤسسة العسكرية والحكومة رفعتا سقف التوقعات عند المجتمع الإسرائيلي، وصوّرتا أن أي معركة مع حزب الله ستكون بسيطة، دون أثمان بشرية أو مادية باهظة، وستُحسم خلال أيام، ولكن ما يحدث لغاية الآن هو العكس. لذلك، هذا الأمر مهم لأنه يمكن أن يغير مزاج المجتمع الإسرائيلي؛ فإطالة الحرب مع حزب الله وإطالة أمد المعارك ورفع الأثمان العسكرية والبشرية والمادية وتعطيل الاقتصاد في الشمال، كلها عوامل قد تغير مزاج المجتمع، وقد بدأنا بالفعل نسمع بعض التساؤلات حول دقة التقديرات الإسرائيلية، ما قد يشكل عامل ضغط على الحكومة، وهو ما لم يكن متوقعًا لدى صناع القرار.
الآن، تحتاج «إسرائيل» وفق ذهنيتها وعقليتها إلى حسم واضح أمام حزب الله في هذه المعركة؛ لأن أي شيء غير ذلك سيؤدي إلى تراجع مكانة «إسرائيل» وتآكل ما تراه من إنجازات في الحرب السابقة، بمعنى أن «إسرائيل» عبر الاتفاق الذي أوقف الحرب الماضية حققت حرية عمل مطلقة في لبنان جوًا وبرًا وبحرًا، وشنّت هجمات يومية؛ فالحرب لم تتوقف إلا من طرف واحد. لذا، فإن عدم تحقيق إنجاز الآن سيؤدي إلى تآكل هذه الإنجازات من وجهة النظر الإسرائيلية.
كيف تفاعل الجمهور الإسرائيلي عمومًا مع تصريحات السلطات السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول «القضاء التام» على حزب الله؟
بعد الحرب الماضية تقبّل الجمهور تلك التصريحات تمامًا، وكان هناك إجماع في «إسرائيل» بأنها حققت إنجازات عسكرية وميدانية بسبب عمليات الاغتيال التي طالت الأمين العام والقيادات، وعملية البيجر التي أدت إلى مقتل وإصابة عدد كبير من عناصر حزب الله. المجتمع الإسرائيلي «اشترى» هذه المقولة وكان على قناعة تامة بها، فهو مجتمع معسكر يثق بالمؤسسة العسكرية، وحتى بعد أحداث السابع من أكتوبر والإخفاق الكبير ما زال يولي نسبة عالية جدًا من الثقة للجيش.
أما المعارضة الإسرائيلية فهي «حربجية» أكثر من الحكومة، وتريد تدمير لبنان والجنوب والاحتلال، وتتبنى الرواية العسكرية، فلم يكن هناك أي تشكيك بالرواية الرسمية وكان عليها إجماع. اليوم بدأت تظهر علامات استفهام على هذه الرواية، خاصة مع ما يحدث الآن في الميدان، فبدأت الأسئلة تُطرح، ومنها: «لماذا لم يُخلَ الشمال حتى الآن؟». فالسكان موجودون هناك بقرار سياسي، وأعتقد أن حزب الله يبذل جهدًا استراتيجيًا لتفريغ الشمال ودفع السكان للنزوح، لأن هذا سيعدّ نكسة سياسية واستراتيجية للحكومة الإسرائيلية. لغاية الآن الرواية الرسمية لم تتصدع بشكل كبير، لكننا بدأنا نشاهد تصدعات، ومن خبرتنا بالمجتمع الإسرائيلي، كلما طال أمد الحرب وزادت الأثمان، ستتوسع هذه التصدعات.
بالنظر تحديدًا إلى شمال فلسطين المحتلة، ما تأثير الحرب الجارية على الإسرائيليين هناك؟ وما شكل الخلافات حاليًا بينهم وبين الحكومة؟
بداية، هناك تعتيم واسع جدًا على ما يحدث في الشمال، حتى على الأضرار العسكرية والمدنية. هناك محاولة للحفاظ على صورة الوحدة والتماسك في الجبهة الداخلية كما يسميها المجتمع الإسرائيلي. ولكن على أرض الواقع، هناك تعطيل للاقتصاد والدراسة، وهناك استياء من قِبل رؤساء المجالس والسلطات المحلية الذين يطالبون بتعويضات أكثر، خاصة مع التناقض الذي نراه لدى الحكومة حيث قلصت الشهر الماضي ميزانية ترميم الشمال بواقع 150 مليون شيكل ووجهتها للمستوطنات والمجتمع الحريدي، وهذا أدى لانتقادات وتذمر سيزداد مع مرور الوقت. وهذا يعتمد في النهاية على سير العمليات وتطور الأمور في الميدان، فلم تتشكل في هذه المرحلة حالة صدام سياسي بين إدارات الشمال والحكومة، لكن إذا حدث إخفاق عسكري جدي فقد يبدأ عندها ظهور احتجاج سياسي وانتقادات مباشرة للحكومة. عادة في المجتمع الإسرائيلي تصمت الأصوات عندما تعلو المدافع ويتوحد المجتمع، ولكن إذا طال أمد الحرب وزادت الأثمان، سنبدأ بسماع تذمر واتهامات للحكومة بالتقصير.
حاليًا الحكومة لا تمنع من يريد الخروج، وهناك عائلات خرجت فعلًا، ولكن ليس بقرار حكومي. الحكومة لم تطلب من السكان إخلاء المنطقة كما حدث بعد السابع من أكتوبر حين صدر قرار بإخراج السكان من المنطقة الحدودية بمسافة 5 كم على ما أعتقد، لأن التقييم الإسرائيلي الآن يرى أن القرار السابق كان خاطئًا وأدى لنتائج صعبة، وقسم كبير منهم لم يعد حتى الآن. لذلك «إسرائيل» تريد أن تظهر بمظهر مختلف عما سبق، ولكن هذا لا يمنع النزوح الفردي إلى مناطق أخرى بقرار شخصي، وهذا يحدث بطبيعة الحال.
هناك في «إسرائيل» من يطرح اليوم خيار إعادة احتلال جنوب لبنان. ما طبيعة النقاش الدائر حول هذه الخطوة؟ وما المتوقع تحقيقه منها؟
لا تفصح «إسرائيل» عن نواياها وخططها، ولكن هناك تلميحات بأن الحل هو احتلال قسم من جنوب لبنان (شريط حدودي بعمق 5 إلى 7 كيلومترات) بادعاء إبعاد مقاتلي حزب الله، رغم أنها ادعت إبعادهم في الحرب السابقة. وأعتقد أن هناك نية باحتلال شريط أمني أو البقاء بتواجد عسكري، ولكن هذا لن يكون سهلًا وسيكون مكلفًا، كما سيحتاج إلى قوات كبيرة تحتل المدن وستواجه المقاومة، وهناك نقص في القوات الإسرائيلية، فالأمور غير محسومة. هذا سيكلف مجهودًا عسكريًا وميزانيات وحاجة للتجنيد، وهي تحديات كبيرة. وفي الوقت نفسه، هناك احتلال لقطاع غزة وتوتر في الضفة الغربية، أي أن هناك صراعات في جهات عدة.
من جهة، «إسرائيل» ترغب في تنفيذ ذلك، ويبدو أن هناك ضوءًا أخضر أمريكيًا للضغط على اللبنانيين لتنفيذ قرارات سحب سلاح حزب الله، ولكن السؤال هو: هل تستطيع «إسرائيل» تحقيق ذلك؟ وما هي الأثمان الحالية والمستقبلية؟ فـ«إسرائيل» أقامت شريطًا حدوديًا في لبنان سابقًا وكلفها ذلك غاليًا، وهي الآن ستعيد ما جربته في الماضي، ولا أعتقد أن النتائج ستكون مختلفة عما حصل تاريخيًا. وإن كان من الصعب الآن تقييم ما إذا كان احتلال جنوب لبنان سيحقق الأمن لـ«إسرائيل» فعلًا، لأن الأمر يتعلق بنتيجة المعركة وما ستكون عليه قدرات حزب الله، وهل سيبقى فعالًا ونشطًا ويستطيع ترميم قدراته لاحقًا؟ ولكن تاريخيًا الاحتلال يذوب، خاصة في دولة مثل لبنان، فحتى لو نجحت «إسرائيل» باحتلال أراضي الآن، أعتقد أنها في مرحلة ما ستضطر للخروج كما حدث في السابق.
مجتمعيًا، هناك إجماع في المجتمع الإسرائيلي والإعلام والأحزاب على ضرورة احتلال شريط حدودي لإعطاء الأمن والاستقرار وتشكيل ضغط على الحكومة اللبنانية. المجتمع الإسرائيلي، كونه مجتمع دولة احتلال، يرغب دائمًا في زيادة رقعة الاحتلال، كما يفعلون الآن في جنوب سوريا، يريدون فعل الشيء نفسه في جنوب لبنان، ولكن -مرة أخرى- هذا يعتمد على سير المعركة، وهو مربوط أيضًا بالمعركة أمام إيران؛ فكل جبهة ستؤثر على الأخرى.
ثمة أصوات في «إسرائيل» تهدد بتحويل جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت إلى «غزة جديدة»، ما مدى واقعية هذه التهديدات برأيك؟
من حيث الرغبة فهي موجودة، فما يقوله سموتريتش عن تحويل الضاحية الجنوبية إلى خان يونس يعكس تفكير ورغبات غالبية التحالف الحكومي، وربما غالبية المجتمع الإسرائيلي. بعد حرب 2006 كوّنت «إسرائيل» ما يسمى «عقيدة الضاحية» وتعني إلحاق دمار كبير في البنى التحتية في لبنان والضاحية تحديدًا لتشكيل ضغط اجتماعي من البيئة الحاضنة لحزب الله والحكومة لوقف الحرب. ولكن بعد حرب غزة تطورت هذه العقيدة إلى عقيدة التدمير الشامل والإبادة الجماعية والتهجير، والآن يريدون نقل «عقيدة غزة» هذه إلى جنوب لبنان والضاحية.
لكن بالطبع هناك فوارق؛ فالمساحة أكبر، والسكان أكثر، وقدرات حزب الله تختلف، والشرعية الدولية تختلف، فهذه جرائم حرب، ورغم أن «إسرائيل» لا تأبه كثيرًا للرأي العام إلا أنه بدرجة معينة سيكون من الصعب عليها القيام بنفس حجم الدمار في لبنان والضاحية. ولكن هي فعلًا دمرت بلدات في جنوب لبنان في الحرب السابقة، فما الذي قد يمنعها من الاستمرار؟ ما يمنعها هو عدم انهيار حزب الله، وتحول الرأي العام العالمي كما حدث في غزة، والمعركة أمام إيران؛ أي إذا لم تستسلم إيران واستمرت المعركة فإن هذا سيمنع «إسرائيل» من تنفيذ خططها.
وأعتقد أن حزب الله متيقظ ويدرك نوايا «إسرائيل» وأنها قد تقدم على ذلك، ولذلك المعركة بالنسبة للحزب معركة وجودية، فيما تريد «إسرائيل» الحسم، فالوضع معقد جدًا وخطير؛ لأن «إسرائيل» قد تلجأ كما تفعل دائمًا للهروب إلى الأمام واعتماد مبدأ «ما لا يأتي بالقوة، يأتي بمزيد من القوة»، وقد بدأت الآن بشكل أوضح وأوسع معركة برية على جنوب لبنان، يجب النظر إلى تطورات هذه المعركة أيضًا، فكل ذلك سيؤثر، ولكن في القناعة والذهنية الإسرائيلية لا يوجد مانع من نقل تجربة التدمير الشامل من قطاع غزة إلى لبنان.
برأيك هل تعوّل «إسرائيل» اليوم بجدية على حرب أهلية أو صدام لبناني داخلي يكون الجيش اللبناني جزءا منه؟ وكيف تحاول «إسرائيل» الدفع باتجاه هذا السيناريو؟
«إسرائيل» ترغب في ذلك وتدفع بهذا الاتجاه، ولكنها تعرف أن هذا غير واقعي ولن يتحقق بسهولة نظرًا لتعقيد الأمور في لبنان. نعم، «إسرائيل» ترغب في رؤية صدام داخلي في لبنان لأن ذلك يسهل مهمتها، وقد حاولت خلال العام الأخير الضغط على الحكومة اللبنانية لمحاصرة حزب الله داخليًا وصدرت بعض القرارات الحكومية في هذا الاتجاه، لكن الأمر معقد وفيه مخاطرة، لذلك يجب أن يكون هناك توافق لبناني لمنع هذا السيناريو. تمتلك «إسرائيل» أدوات للدفع بهذا الاتجاه، ولكن السؤال هل بإمكانها تنفيذ هذا المخطط؟ أنا أشك في ذلك.



