جنوب سوريا… حين يصبح الخوف بوابة للخرائط الجديدة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب زياد فرحان المجالي
ما يجري في جنوب سوريا لا يجوز أن يُقرأ كخبر محلي عابر عن تشكيل قوة هنا أو كتيبة هناك. المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام امتحان قاسٍ لفكرة الدولة السورية الجديدة: هل تستطيع أن تستعيد الجنوب بوصفه جزءًا من وطن واحد، أم ينجح الآخرون في تحويل الخوف إلى خرائط نفوذ جديدة؟
في السويداء، لا تقف المسألة عند الدروز وحدهم، ولا عند دمشق وحدها، ولا عند السلاح وحده. نحن أمام منطقة حساسة، ومكوّن سوري أصيل، وذاكرة مثقلة بالقلق، وجغرافيا مفتوحة على حسابات إسرائيل ولبنان والأردن وغزة. لذلك فإن أي فراغ أمني أو سياسي في الجنوب لا يبقى محليًا، بل يتحول بسرعة إلى ورقة في يد مشاريع أكبر من أهله.
الخطر ليس أن تخاف السويداء، بل أن يتحول خوفها إلى وظيفة سياسية في مشروع لا يخدم السويداء ولا سوريا.
حين تُطرح فكرة تشكيل قوة تدخل سريع درزية تحت عنوان حماية الدروز من داعش أو الميليشيات أو الفوضى، فقد يبدو الأمر دفاعيًا في الظاهر. لكن السؤال الحقيقي: من يمول؟ من يدرّب؟ من يحدد العدو؟ ومن يقرر ساعة الحركة؟ هنا تبدأ المشكلة. فالسلاح المحلي حين يخرج من عباءة الدولة لا يبقى بريئًا، مهما كانت النوايا، لأنه يتحول تدريجيًا إلى سلطة موازية، ثم إلى حدود نفسية، ثم إلى واقع سياسي جديد.
سوريا التي أُنهكت بالحرب لا تحتاج إلى جنوب مقسّم بالخوف، ولا إلى مكونات تبحث عن حمايات منفصلة. تحتاج إلى دولة عادلة وقوية تطمئن الجميع: الدروز والسنّة والمسيحيين والعلويين وكل السوريين. فالأمن لا يُبنى بالكانتونات، ولا بالارتهان للخارج، بل بدولة تحمي أبناءها بلا تمييز.
وما يجري في السويداء لا ينفصل عن لبنان وغزة. فالمنطق ذاته يتكرر: تُضعف الدولة، يُضخّم الخوف، تُخلق مناطق حساسة، ثم يأتي من يقول إن الحماية لا تكون إلا بترتيبات خاصة. هكذا تتحول الجغرافيا إلى خرائط مؤقتة، ثم تصبح الخرائط المؤقتة مشاريع دائمة.
على دمشق أن تفهم أن استعادة الجنوب لا تكون بالضغط وحده، ولا بالشعارات وحدها، بل بالثقة. وعلى أهل السويداء أن يدركوا أن أمنهم الحقيقي لا يكون في العزلة، بل في سوريا موحدة عادلة لا تترك أبناءها فريسة للخوف ولا للابتزاز.
المعادلة واضحة: إما دولة سورية تتسع للجميع، أو خرائط صغيرة تأكل الوطن قطعة قطعة.
وهنا يصبح السؤال موجّهًا إلى دمشق قبل غيرها: هل تدرك خطورة اللحظة؟ هل تعرف أن الخوف إذا تُرك بلا احتواء قد يتحول إلى بوابة لتدخلات لا تعترف بسوريا أصلًا؟ وإن كنت تعلم فالمسؤولية عظيمة، وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أكبر.





