جمعية العلماء: على مشارف مائويتها الأولى 2/2

اهتم العلماء بالتربية والتعليم في نشاطهم الإصلاحي، ولم يدخلوا عالم السياسة، ليس زهدا فيها وإنكارا لأهمتها، وإنما رأوا في صنيعهم أنه فعل الأولى، وكذلك فعلوا، ولم يمض على نضالهم المنظم إلا ربع قرن تقريبا، حتى اندلعت الثورة في الفاتح من نوفمبر 1954…، وكان لهذه الجمعية بصمتها المتميزة في ترميم الشخصية الوطنية الجزائرية التي كادت تفقدها خلال الفترة الاستعمارية 1830/1930، بسبب الجهود التي بذلها الاستعمار في تحريف المجتمع الجزائري عن مساره الفكري الثقافي تحديدا.
فعلى المستوى التربوي التعليمي، ركزت الجمعية على التعليم كغاية استراتيجية مضادة للفعل الاستعماري، الذي أراد أن ينسي الشعب أصوله العربية الإسلامية، فكان التعليم مبدأ ووسيلة وغاية في النهوض بالشعب؛ لأن النهضة التي لا تقوم على التربية والتعليم، لن تكون إلا ثورة عرجاء متكئة على ما تتكرم به الشعوب المتعلمة عليها.
وعلى الصعيد السياسي الذي لم تمارسه بالطريقة الحزبية المتعارف عليها، فقد كان لها الأثر الطيب في بناء العلاقة مع جميع التيارات الوطنية القائمة يومها، الثوريين الاندماجيين الشيوعيين، ولا أدل على ذلك من دعوة ابن باديس إلى المؤتمر الإسلامي سنة 1936، الذي شاركت فيه جميع للقوى السياسية الجزائرية الموجودة بالداخل. ورغم أن المؤتمر من حيث ما قام به من مطالب ليست في مستوى الفعل السياسي المؤثر، وإنما بوصفه فكرة جامعة للقوى الجزائرية، كان ينبئ بعبقرية وإبداع.
لقد عاب مالك بن نبي رحمه الله على مشاركة الجمعية فيه؛ لكونه قد استفادت منه الطبقة السياسية التي لم يكن لها امتداد شعبي في الساحة الوطنية، التي اكتسحتها الجمعية… ولكن عندما نعلم بعض التفاصيل التي لم تكن متوفرة يومها، تنكشف الغايات الكبرى لابن باديس في دعوته لهذا المؤتمر والمشاركة فيه.
بعد انتصار الجبهة الشعبية، الذي شعرت الطبقة السياسية بأن هناك تغير في التوجه السياسي للإدارة الاستعمارية، فعزمت الطبقة السياسية التي كانت نشطة وخاصة الاندماجيون والحزب الشيوعي على التحضير لمطالب يتقدمون بها للإدارة الجديدة… ولما علم ابن باديس بذلك اتفق مع لمين العمودي صاحب جريدة “لاديفونس” التي تصدر بالفرنسية على أن يجري معه حوارا، فدعا في هذا الحوار إلى تنظيم مؤتمر إسلامي، وسلم رئاسته لابن جلول وهو شخصية من دعاة الاندماج، فكانت مشاركة الجمعية مع السياسيين بالمطالب التي من اختصاصها، وهي المكالبة باستعادة الأوقاف وبالمحافظة على الأحوال الشخصية الإسلامية، فكان تدخل ابن باديس في الموضوع بمثابة الاختراق للمسعى الاندماجي، فحافظ بذلك على الحد الأدنى الذي يمكن الجزائري من الإبقاء على شخصيته المنفصلة عن فرنسا، حتى ولو نجح الاندماجيون في مسعاهم لفرنسة الجزائر سياسيا!! فلم يقع ما كان مفترضا في مساعي الاندماجيين، وإنما العكس هو الذي وقع وهو أن هؤلاء اجبروا على تبني المحافظة على الأحوال الشخصية الإسلامية؛ بل إن التحول الذي وقع للسيد عباس فرحات كان من ذلك التاريخ الذي تزامن مع رد ابن باديس عن مقاله “أنا فرنسا” الذي قال فيه ابن باديس “إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية”.
أما بالنسبة للتيار الثوري الذي كان يومها لا يزال خارج الوطن والمتمثل في نجم شمال إفريقيا الذي تحول إلى حزب الشعب بعد المؤتمر الإسلام أي في سنة 1937… فكان الرهان على شعار المطالبة بالاستقلال بحيث كان الكثير يعيب على الجمعية أنها لم تتبن هذا الشعار، في الوقت الذي كانت الجمعية في خطتها لم تغفل هذا الجانب ولكنها فضلت العمل على الاستقلال لا مجرد المطالبة به وفي ذلك قال ابن باديس “وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم”… وقل مثل ذلك في جميع المجالات التي شجعت غيرها من التيارات على النشاط فيها واحترمت خياراتهم، ولكنها التزمت ما عاهدت عليه الأمة وهو بناء المجتمع بناء متينا انطلاقا من تربيته وتعليمه وبناء ثقافته الاستقلالية المستمدة عقيدة التوحيد وأخلاقيات الإسلام، ولمن أراد التوغل في المنهجية التي اعتمدها الماهدون في هذه الجمعية فليقرأ فقط ما كتبه الشيخان ابن باديس والابراهيمي في آثارهما، وأتمنى من لأبناء الجمعية أن ينظموا حلقات لدراسة تلك المفردات التي خطها الرجال قبل عقود، ولا ينخدعوا بما توهموه من مفردات طائشة اقتبسوها من هنا وهناك…
ولقد تبنت الدولة الجزائرية بعد الاستقلال جوهر الثقافة التي ربت عليها الجمعية هذا الشعب بعمقها العقدي الثقافي التربوي، الذي شاركتها فيه الحركة الوطنية برمتها… ولقد نجحت مؤسسات الدولة في تبني أدبيات جمعية العلماء بعد الاستقلال، وخطابها الجامع وهي أدبيات بلا شك ليست كلها من صنعها، وإنما هي موروث وطني يمتد إلى النصف الأول من القرن الهجري مع الفتح الإسلامي، قد ساهمت فيه جميع الجهود الوطنية، وإذا للجمعية شيء تميزت به هو أنها نفضت الغبار على أدبيات قد غطتها سنوات الغفلة وميلاد الغثائية التي أصابت الأمة بعد سقوطها وتقهقرها الثقافي.
ولكن بقدر ما حققت من الفوائد، قد حرمت المجتمع من عودة الجمعية لتستأنف نشاطها بعد الاستقلال، حيث عوملت بطريقة لا ترتقي إلى مستوى الحرص على الاستقلال الذي من أجله كانت الثورة، إذ تعاملت السلطة مع الجمعية كما تتعامل مع الأحزاب والتيارات السياسية، بخلفيات حزبية مقيتة، ولو كتب للجمعية أن تستمر في رسالتها بعد الاستقلال كما كالنت قبله، لما شهدت الجزائر ما شاهدا خلال العشرية الحمراء من انحرافات سياسية وثقافية وحتى مخالفات شرعية، ومآسي السَّجن والقتل والتفجيرات والخسائر، وكأننا في حرب بين شعبين مختلفين…
ولما عادت الجمعية مع مطلع التسعينيات، لم تكن بتلك القوة التي كانت عليها من قبل؛ بل كان الكثير يتوجس منها بسبب الجهل بها وبأديباتها، أو بسبب أن الذين أعادوها إلى الساحة كانوا من “المحسوبين على السلطة” أو على الأقل بعضهم كان كذلك… ومع ذلك حاولت الجمعية بشيء من الصبر أن تعيد بعض الذي كانت عليه، خاصة مع مطلع الألفية الثالثة، برئاسة الشيخ عبد الرحمن شيبان، فقد انتشرت على المستوى الوطني بسرعة هائلة، لا سيما وكان الزمن مناسبا في ظل التصحر الذي شهدته الجزائر في المجال الإصلاحي الدعوي، حيث لم يجد كل من كان يهتم بالجانب الدعوي مكانا له في الساحة، فكانت الانطلاقة، ولكن باصطحاب الكثير من مظاهر التعثر التي لازمت الجمعية ولم تستطع التخلص منها إلى اليوم… ورغم أن الناس يستبشرون بالكثير من الفضائل التي تتحقق في كل عام من تبرعات عليها وتخرج المئات من حفاظ كتاب الله في نواديها التي تعد بالمئات على المستوى الوطني، ولكن ما ينبغي أن ينتبه إليه أبناء الجمعية، هو أن ينظروا في الفرص المتاحة لها في بسط نفوذها الثقافي والعقدي، وكم غطت منه؟ لا سيما وأن حاجة الجزائر لا تزال كبيرة إلى الكثير من الدعاة والمصلحين؛ بل عن حاجتها إلى مناضلين على المستوى الفكري الثقافي أكثر من حاجتها إلى الطعام والشراب، وغير ذلك مما يسوق له على أنه من ضرورات الحياة.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post جمعية العلماء: على مشارف مائويتها الأولى 2/2 appeared first on الشروق أونلاين.





