... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
263134 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5032 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

غَزّيات في مصر: نجاة مؤجّلة

حبر
2026/04/26 - 09:55 501 مشاهدة

كان البيت «كتير حلو وكتير كبير ومحمد كان مكلّفه من كل إشي»، تقول العشرينية آلاء، واصفة البيت الذي جهّزه خطيبها محمد كي يتزوّجا ويعيشا فيه. لكن المبنى المطلّ على البحر في منطقة السلاطين غرب جباليا شمال قطاع غزة، قُصِف في الأيام الأولى من الحرب. وفي اليوم نفسه قُصف المقهى القريب الذي يملكه محمد. كما دُمّر بعد فترة مصنع حلويات عائلته بمعدّاته وموادّه الخام.

حاليًّا تقيم آلاء (23 عامًا) مع محمد في غرفة بمركز شباب «المُعتَمَديّة»، وهو اسم قرية بالمحلّة الكبرى بمحافظة الغربية المصرية، والمخصّص لإقامة مصابي ومرضى غزة المحوّلين للعلاج بمصر.

كان موعد زفافهما قد حُدّد في كانون الأول 2023، بعد شهرين تقريبًا من إعلان الخطوبة، لكنّ الحرب كان لها رأيٌ آخر. في الشهر الأول من الحرب، نزحت آلاء مع عائلتها للجنوب حيث أقاموا -ضمن عدد كبير من النازحين- في بيت أحد أقاربهم بدير البلح. ومع منع جيش الاحتلال الغزيين من العودة من جنوب القطاع إلى شماله، لم تعد قادرة على رؤية خطيبها الذي سيصاب في الشهر الثاني من الحرب إصابة شديدة في أطرافه، وبشظايا في مختلف أنحاء جسده. وفي القصف نفسه استُشهدت والدته وأخته الشابة.

بعد حوالي شهر على إصابته، نُقل محمّد إلى مستشفى غزة الأوروبي الواقع في خان يونس والمتاخم لرفح، أقصى جنوب القطاع، وهناك شاهدته لأول مرّة. كان الأمر صادمًا، «مش محمد اللي أنا بعرفه». كان قد فقد الكثير من وزنه، ومصابًا بجروح عديدة في جسده. لم يكن في وعيه، ولا قادرًا على الحركة: «أصعب عشر دقائق في كل حياتي، بدّي أحذفها من ذاكرتي، بدّيش إياها».

في مثل هذه الظروف، عادةً ما يتعرض الشريك أو الشريكة للضغط من العائلة لإعادة التفكير في الارتباط بالشريك المصاب، لكن قرار آلاء كان محسومًا. «مقدرتش أتخلى عنه لإنه أنا وافقت عليه وهو إنسان كامل مُعافى.. عيب بحقي إني أختار ابن حلال زي هيك وبعد ما يتصاوب أتخلى عنه.. أنا ما اتقبّلتهاش عحالي»، وبالفعل استغلّت كونها ممرضة واعتنت به في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح حيث كانت تتلقى تدريبها بعد التخرج. 

في تشرين الأول 2024، أصدر المستشفى لمحمد تحويلة طبية للعلاج بالخارج، وغادر بعدها بأشهر (شباط 2025). وقد اشترط أهل آلاء كي تخرج معه أن يقيما حفل زفاف للإشهار، وهو الحفل الذي لم يحضره محمد إذ كان في المستشفى. بينما يُحزن آلاء أنها لم تتمكن من أن ترتدي فستان الفرح وتتزين كغيرها، وليست عندها حتى صورة تذكارية للحفل. في اليوم التالي توجه العروسان إلى معبر رفح، وأتمّا الزواج في مصر.

لم تكن رحلة العلاج ميسّرة في مصر، إذ مكث شهرين دون علاج. وكان عليه أن يسعى بنفسه لعلاج إصابته، بمساعدة من بعض المعارف في مصر. وبالفعل خضع لعدد من العمليات الجراحية منها ثلاث في الفخذ. ويحتاج اليوم إلى جلسات منتظمة للعلاج الطبيعي يصعب توفيرها بسبب التكلفة المادية ووجوده في مكان قروي ناء، كما يقول. وبسبب تأخر العلاج، يعتمد اليوم في الحركة على عكاز، كما أن إصابته في يده جعلت من العسير عليه استخدام العكاز إلّا لمسافات قصيرة، ولذا صار يعتمد كذلك على كرسيّ متحرّك.

لكن أكثر ما أثر بمحمد هو استشهاد والدته. تدرك آلاء إلى أي مدى تكون الأم عزيزة على ابنها، ولكن يظل يشغلها انعكاس ذلك على حياتهما. تصف وضع زوجها فتقول: «دايما فاتح أغاني شُهدا، فاتح صورها، بنادي عليها، بيحلم كتير فيها. ممكن نكون قاعدين مبسوطين يفتح صور أمه ويعيط». كما انعكس هذا عليه رغبة في العزلة وعدم الخروج من البيت وكأنه يهرب من الواقع، ممّا يخلق بينهما بعض الخلافات.

لا يزال الزوجان يواجهان معًا الآثار الجسدية والنفسية للحرب التي غيّرت خططهما المشتركة، إلا أنها لم تستطع أن تفرّقهما، أو تمنعهما من إتمام الزواج وإن كان في بلدِ آخر وبعيدًا عن الأهل، ولا من الفرح بأول مولود ينتظران قدومه الوشيك.

لم يسجّلا للعودة للقطاع فما زال الزوج الشاب بانتظار إجراء عمليات لاستكمال علاج إصابته. وبخصوص الوضع المادي هنا فهو وضع هشّ، فقد كانا في البداية يعتمدان على المدخرات التي أتيا بها من غزة، وكان نزلاء المركز يعتمدون على دعم المتبرعين الذين يزورونهم من حين لآخر، قبل أن تُشدّد قيود الدخول إلى المركز مؤخرًا. أما تحويلات الهلال الأحمر المصري التي تُرسل للمصابين والمرضى المحوّلين من غزة فقد حصل عليها الشاب، كغيره، مرة واحدة فقط منذ مجيئه، بمبلغ يعادل 200 دولار تقريبا، له كمُصاب دون زوجته المرافقة.

حال آلاء مماثل لحال الكثير من الغزيات اللاتي غادرن القطاع إلى مصر خلال الحرب، مصابات أو مريضات محوّلات للعلاج، أو مرافقات. وتعكس قصصهنّ أعباء الإصابة والمرض والرعاية، ومشاعر القلق والاشتياق، وكذلك الحيرة وعدم اليقين، مع ذاكرة مُثقلة بما عشنه في الحرب.

ومع غياب دعم ماليّ منتظم، يمثّل الوضع الاقتصادي عبئًا رئيسًا عليهنّ، خاصة في ظل عدم انتظام رواتب الأزواج في غزة أو انقطاعها أو فقدانهم لأعمالهم وموجات الغلاء الشديد داخل القطاع التي التهمت مدخرات الأسر. وهنا يلجأن للاعتماد على التبرعات الفردية لتدبير احتياجات أساسية، بما في ذلك ملابس الأطفال ودروسهم ومصاريف التنقلات للعلاج والأدوية.

سمر: في انتظار العودة إلى بناتي

غادرت سمر (29 عامًا) غزة إلى مصر للعلاج من سرطان الغدد الليمفاوية في شباط 2025، برفقة والدها، تاركة طفلاتها الثلاث في القطاع. وكانت تظن وقت خروجها في الهدنة أن الحرب توقفت وأنها ستجري عملية زرع نخاع سريعًا، وتعود إليهن.

التقيتُها في شقة مشتركة مع أسرتين فلسطينيتين بمنطقة شعبية في الجيزة، استأجرها لهم أحد الخيّرين كان قد تعرف عليهم صدفة في المستشفى.

اكتشفت سمر إصابتها بالسرطان قبل خمس سنوات تقريبًا، وعولجت منه. لكنه عاودها خلال الأشهر الأولى من الحرب. قدمت طلب تحويلة طبية للعلاج، واضطرت لتجديدها أربع مرات على مدار سنة، قبل أن تتمكن من المغادرة، بعد أن ساءت صحتها بسبب المجاعة التي عرفت فصولًا منها خلال وجودها في غزة.

في مصر لم تسر رحلتها العلاجية بصورة منتظمة أو يسيرة، ففي المستشفى التي حُوّلت إليه والواقع بمحافظة الجيزة، بدأت الإجراءات الطبية، وتلقت عددًا من جرعات العلاج الكيماوي، قبل أن تبلغها إدارة المستشفى إصدارها قرارًا بخروجها مع غيرها من مرضى غزة، وهو ما حصل مع مرضى آخرين بمستشفيات القاهرة والمحافظات بالتزامن مع إعلان اتفاق وقف الحرب في تشرين الأول 2025. من المستشفى إلى إحدى دور الإقامة بأسيوط جنوب مصر وُجّهت سمر ورفاقها المرضى، لكنهم قرروا العودة للقاهرة لاستكمال العلاج. وبعد ظهور نتيجة تحليل عيّنة كتلة بالثدي، كان عليها أن تقدم إلى السفارة الفلسطينية بالقاهرة طلبا جديدا للحصول على التغطية المالية اللازمة لاستكمال علاجها. «أنا التأخير مشكلتي، كنت أخطو خطوة وأرجع عشر خطوات»، تقول سمر.

تتابع سمر بقلق تحاليلها الدورية التي لا تكون نتاجها دائمًا منضبطة، ويكون عليها أحيانًا قضاء نهار بأكمله في المستشفى لإنهاء إجراءات إدارية يتولاها والدها الذي يرافقها، وتجد صعوبة في تدبير تكلفة بعض ما يتطلبه علاجها. في آخر حديث لي معها، كانت سمر قد أجرت المسح الذري، وفي انتظار النتيجة لتبدأ عملية زراعة النخاع كما تقول، آملة أن يكون حالها أحسن من حال مريضة تشاركها الشقة ذاتها، والتي أخبرها المستشفى أن عليها الانتظار ستة أشهر. 

تتذكر سمر ما عاشته في غزة خلال الحرب، فقد اضطرّت للفرار من بيتها مع طفلاتها بعد حصار قوات الاحتلال منطقة سكنها في المعسكر الغربي في خان يونس، وقد كان الزوج وغيره من شباب الحي، في ظل حصار الجيش الإسرائيلي، قد اضطروا للهرب بين شارع وآخر متلمّسين شوارع آمنة، إلا أنه اعتُقل في النهاية ليبقى في أحد السجون الإسرائيلية خارج غزة لشهرين قبل أن يُفرج عنه.

تتذكر نفاد الطعام والشراب مع الحصار الذي استمر لثلاثة أيام، وإطلاق النار على البيت، والحُمّى التي أصابت ابنتها الصغرى ذات الست سنوات ورعشتها من الخوف. خرجت من البيت يومها وهي تحملها في يد، وتمسك بيدها الثانية الطفلتين الأخريين، دون أي شيء سوى مسكن آلام للصغيرة، «في هذه اللحظة ما بدك شي غير تطلعي بروحك وأطفالك».

بعد انقطاع عن العلاج لخمسة أشهر، عاشت خلالها في خيمة في المنطقة بين رفح والمواصي، أعيد تشغيل المستشفى الأوروبي وعاد أطباء الأورام للعمل، وهنا كان عليها للحصول على جرعة الكيماوي الأسبوعية أن تنتقل إلى المستشفى راكبة عربة يجرّها حمار لأربعين دقيقة بسبب انسداد الشوارع بالردم «وغير هيك الحمار نفسه تعبان وجعان يا دوب يمشي. المجاعة كانت عليهم مثلنا». تتذكر تلك الأيام وافتقادها زوجها «والله ما كنت أنام طول الليل أعيط وادعيله». في ذلك الوقت، كان هناك خمسة آلاف امرأة مصابة بالسرطان داخل القطاع بحاجة إلى علاج فوري، وفقا لبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة حتى نهاية كانون الثاني 2025.

في إقامتها في مصر، تشتاق سمر لبناتها اللاتي تولت رعايتهن الجدّة، تخاف عليهنّ من البرد بعد أن احترقت ملابسهنّ مع احتراق البيت. وتفكر كم كان سيكون مناسبًا لو تمكنّت من أن ترسل لهنّ «كرتونة أواعي» لكنها تعرف كم هو مرتفع سعر الشحن إلى غزة اليوم. كما تفكر في تعليم بناتها، وهي المهمة التي كانت تتولى متابعتها وهي في غزة، وتخشى أن يكون كل تعبها قد ذهب سدى.

ومع عيد الفطر الفائت، تتذكر أعيادا قضتها مع بناتها، أحدها كان في الحرب. يومها استيقظت منذ السادسة صباحًا، وكانت العائلة تعيش في خيمة، ولكي تحتفل بناتها بالعيد كما ينبغي، خاضت مغامرة العودة إلى البيت كي تجلب لهن فساتين العيد الفائت. وبالفعل سارت رفقة أختها في شارع «مرعب كله دمار، وصوت الطيران فوق راسي وصوت إطلاق نار بعيد»، لكنّها أصرت على المتابعة، «قلت والله لأكمل مشواري واللي الله كاتبه راح أشوفه». في البيت وجدت فساتين البنات، وغيّرت ثيابًا لم تكن غيرّتها منذ شهور، ووجدت سمكًا معلبًا: «يا الله قديش فرحت».

لم تسجل سمر للعودة إلى غزة بعد، انتظارًا لإتمام علاجها بإجراء عملية زراعة نخاع. ومع القيود المفروضة على ما يدخل به العائدون إلى المعبر، تتبدد خططها لحمل الكثير مما صار ينقصها في غزة، كأدوات مطبخ وأوانٍ للغسيل أو حتى ألعاب تطلبها بناتها منها.

كفاح: عن مسؤوليات تتضاعف

كم تتمنّى كفاح، المرأة الثلاثينية، لو كان زوجها معها في مصر اليوم ليحمل معها جزءًا من حمل الاعتناء بأطفالهما وليشاركها رعاية شؤون الأسرة كما اعتادا. قَدِمت كفاح إلى مصر مع أطفالها الأربعة أواخر آذار 2024، ثلاث بنات أكبرهن في السابعة عشرة وولد صغير في السادسة. وهي المرة الأولى التي تغادر فيها غزة وتفترق عن زوجها.

كانت كفاح تعيش مع عائلتها في شقة اشترتها بمدّخرات العمر في أحد الأبراج السكنية في غزة، وفي الشهر الأول من الحرب قُصف البرج، لتُستشهد ابنتان من بناتها، أصغرهما عمرها سنتان. أمّا باقي أفراد الأسرة فظلوا تحت الأنقاض لساعات قبل أن يتمّ انتشالهم، «كان زوجي يحدثنا [ونحن تحت الأنقاض] خليكوا ع الذكر.. ابني الصغير صار يتشهد».

حُملت كفاح إلى المستشفى حيث مكثت لثلاثة أشهر ونصف. كانت إصابتها الأساسية في رجليها، بالإضافة إلى إصابة في ظهرها. بعد خضوعها لعمليات جراحية في غزة في ظروف بالغة الصعوبة، التأمت جراحها وبدأت تستعيد قدرتها على الحركة تدريجيًا، قبل أن تحصل على تحويلة طبية لاستكمال علاجها وإجراء عملية تجميل لتشوّهات رجليها.

في مصر تلقت علاجًا طبيعيًا حسّن قدرتها على المشي، وإن تبقى بعض العَرَج، وبعض الآلام في الحركة، كما ظل منظر رجليها مشوّهًا ما جعل حالتها النفسية تسوء كثيرًا، وهي حاليّا تخضع لعمليات جراحية جديدة. فيما تأمل أن ينضمّ زوجها إلى الأسرة في مصر للعلاج من أثر إصابته القديمة، حيث ظهر لديه في أسفل الظهر «تجمع دموي» على حد وصفها ويحتاج لإجراء عملية، وكانت إصابته قد أدت لمضاعفات في الكلى والكبد احتاج معها لغسيل كُلوي لفترة.

ومنذ إعادة فتح معبر رفح في 2 شباط الماضي، اُجلي 319 مريضًا و529 مرافقًا عبره، ليصل إجمالي عدد المرضى ذوي الحالات الحرجة الذين جرى إجلاؤهم طبيًا خارج قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 إلى 11,176 مريضًا. وقد عُلّقت جميع عمليات الإجلاء الطبي مع إغلاق المعبر في 28 شباط، بينما يبقى «أكثر من 18 ألف مريض في غزة بحاجة ماسة إلى علاج طبي غير متوفر محليًا» حسب الأمم المتحدة، ليُعاد فتح المعبر في 19 آذار الماضي في اتجاهي المغادرة والرجوع لعددٍ محدود من الأشخاص.

في مدينة المحلّة الكبرى بمحافظة الغربية حيث تعيش اليوم، تكلفها الدروس الخصوصية لأطفالها مبلغًا غير بسيط، فيما تبرّعت معلمة في القرية لتدريس طفلها الأصغر. كما تحظى العائلة بدعم من المحيطين بها من أطباء وطبيبات وممرضات في المستشفى الذي كانت مُحوّلة إليه، وكذلك بدعم من جيرانها الذين ساعدوها في استئجار البيت وتأثيثه، ولقيت منهم كفاح صورًا مختلفة من الدعم المادي والمعنوي. في اليوم الذي زرتُهم فيه، كان الأطفال متحمّسين لحضور حفل زفاف دعاهم إليه شاب كانوا قد تعرّفوا إليه في المستشفى.

إضافة إلى كلّ المسؤوليات التي تقوم بها بمفردها اليوم، لا يتوقف قلقها وحزنها على عائلتها في غزة، وعلى زوجها المصاب، وعلى أخيها الذي استشهد منذ فترة، وعلى أخيها الآخر الذي أصيب خلال محاولته الحصول على كيس طحين. 

ويقتلها تذكّر طفلتيها الشهيدتين، تتذكرهما وتبكي وتعرض عليّ صورهما على الهاتف، ويؤلمها أنها لم تحضر دفنهما حيث كانت مصابة في المستشفى، واليوم لا تعرف طريق القبر الذي جمعهما. تريني ربطة الشعر التي كانت ترتديها ابنتها الكبرى، وقد أخرج لها هذه الربطة من تحت الردم أخوها الذي استُشهد لاحقًا، وتعرض عليّ مسبحته الإلكترونية التي كان قد أهداها لها عند مغادرتها إلى مصر. وترتدي في أذنها قرط الابنة الصغرى. 

تضع الأم على المنضدة في صالة البيت صورة مرسومة للطفلتين «ميرا» و«زينة»، بتوقيع إحدى الفنانات، أهدتها لها ممرضة بالمستشفى، مع كلمات تعزية رقيقة كتبتها خلفها.

رنا: علاج ابني أولوية

مساكن العبور إحدى أبرز المناطق المخصّصة لإقامة الفلسطينيين المحولين للعلاج من غزة في القاهرة. هناك تقيم السيدة الأربعينية رنا، المرافقة لابنها خالد (12 عامًا) مريض الكلى والقلب، وابنها الآخر الأصغر عبد الرحمن، في شقة مشتركة مكونة من غرفتين، حصة العائلة منها غرفة واحدة. تقول رنا إن الإقامة المشتركة، سواء في المساكن أو سابقًا في المستشفى الذي حُوّل إليه ابنها، تؤدي لحدوث خلافات بين الأطفال والكبار ومن ثم ضغط نفسي كبير عليها. ولذلك تفضل ابتعادًا عن جو المشاحنات النزول بطفليها إلى الساحات المفتوحة أسفل العمارات.
غادرت رنا مع ابنيها القطاع إلى مصر في آذار 2024، تاركة وراءها زوجها، وابنتها الكبرى المتزوجة (20 عامًا) مع زوجها وطفليها.

في مصر، تتعدد المشاوير الدورية لرنا مصطحبة ابنها من القاهرة إلى المنصورة حيث مركز «أمراض الكلى والمسالك البولية» لتلقي العلاج. إلى جانب متابعات وعمليات أخرى بالقاهرة يحتاجها.

وهي بدورها تعاني من بعض المشكلات الصحية التي تحاول علاجها حسب توفر المقدرة المادية، نتيجة بعض مضاعفات تبرعها السابق بالكلية لابنها، كذلك إصابتها بقطع في وتر الكتف نتيجة سقوط أجزاء من أعمدة منزلهم في غزة تأثرًا بقصف مسجد مجاور، وهي تسير على بعض الأدوية بشكل متقطّع، وتظل احتياجات ابنها بالنسبة لها أولوية.

سجّلت رنا اسمها للعودة ولا تعلم متى يمكن أن يأتي دورها، وهو أمر يشعرها بالحيرة والقلق، إذ لا تعرف ما الذي يجب عليها أن تفعله: «تعبت من التفكير، خوفي على ابني المريض ومستقبله في غزة المدمرة، وبنفس الوقت على بنتي اللي اترملت وهي وحيدة ومحتاجة لي، أبوها كمان محتاج زوجته».

وضع المستشفيات بالقطاع يجعلها قلقة من الرجوع، خاصة مع ما تتابعه في الأخبار من نقص تحاليل أساسية بها. بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية، فإن نصف مستشفيات القطاع تعمل بشكل جزئي. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية «فإن 51% من الأدوية الأساسية حاليا صفرية المخزون».

ورغم تحسّن الإمدادات الطبية التي تدخل القطاع منذ وقف إطلاق النار، فإن إجراءات التخليص المعقدة التي تمر بها المساعدات قبل السماح بدخولها، بما في ذلك القيود المفروضة على المواد التي تصنّف بأنها «مزدوجة الاستخدام» تؤخر وصول المعدات الطبية الحيوية، حسب المنظمة.

مع أن رنا قد فقدت بيتها في الحرب، ورغم حيرتها إزاء قرار العودة، إلّا أنها ترى في العودة التئامًا لشمل العائلة، وإطفاءً لنار شوقها للبلد ولأمها. 

عهود العائدة

عندما غادرت عهود (51 عامًا) غزة مرافِقة لوالدها الثمانيني المصاب بالسرطان إلى مصر في كانون الأول 2023 لم تكن مرّتها الأولى في الخروج من القطاع، لكنّها كانت المرّة الأصعب. فمنذ خروجها وهي تعيش قلقًا وخوفًا على عائلتها، وشعورًا بالوحدة. ومع أخبار المجاعة القادمة من غزة لم يعد لأي شيء طعم أو معنى. 

قبل الحرب عملت عهود أخصائية تحاليل طبية ومُحاضِرة جامعية. وفي الشهور الأولى من الحرب عملت على إجراء تحاليل للجرحى وفي تجهيز وحدات دم لنقلها للمصابين، مع عمل لـ24 أو 48 ساعة وراحة لساعات في مكان العمل، لتوفير وقت المواصلات، وتغطية غياب زملاء لم يكونوا قادرين على الوصول. مقارنةً بالحروب السابقة، كانت هذه الحرب منذ بداياتها «شديدة جدًا.. حضرنا حروب قبل كده بس مو بهاي الصورة». وما كان يخفف عنها «بس بتحسي إنك بتقدمي شيء. بتساعدي وإلك أهمية ودور».

في مصر كانت هي من تتولى مسؤولية الاعتناء بوالدها المريض بمفردها، وهي مهمة مرهقة جدًا. وقد وقع الاختيار عليها لمرافقة والدها لأنه كان ثمّة قيود على سفر الذكور. تقول عهود إن أخواتها جميعهن متزوجات ولديهن أولاد، ومن ثم وقع الاختيار عليها بالتحديد كي تسافر مع والدها. 

ما كان يخفف عنها في مصر هو حجم الدعم الذي كانت تلقاه، وهنا لا تتحدث عن الجهات المختصة والحكومية وإنما عن الناس العاديين، من السائقين المتعاطفين، وفي الأسواق حيث تباع لهم البضائع بأسعار أقل، ومن إحدى عائلات الشيخ زويّد التي كانت تستضيفهم بكل ود وحب. «كانوا يعاملونا كأننا من أهل بيتهم»، يشاركوننا الطعام ويسكبون لنا قبل أن يسكبوا لأنفسهم. وفي المناسبات، كرمضان والأعياد، كانوا يتشاركون الصلاة وقيام الليل، وتوزيع العيدية وكعك العيد، وتناول الفسيخ.

مع فتح معبر رفح بداية شباط الفائت، عادت عهود إلى غزة. ومع العودة سادت مشاعر من الطمأنينة والراحة النفسية رغم الصدمة بحجم الدمار الحاصل في القطاع. «صحيح كنا نتابع الأخبار ونشوف ونسمع بس مو متل الحقيقة».

تضرّر منزل عائلة عهود، الواقع في دير البلح، جزئيا منذ بداية الحرب، وتقيم العائلة حاليّا في غرفة واحدة ظلت صالحة للسكن إلى جانب صالة مفتوحة أمامها، ومطبخ وحمام كان عليهم أن يعيدوا بناءهما. ورغم ذلك الدمار الواسع، وانعدام وسائل التدفئة لنقص الوقود وحتى الحطب، ترى وضعها في غزة أفضل؛ «طبعًا بين الأهل والأحباب».

تصف عهود قرارها بالعودة، التي كانت ترغب بها منذ الشهور الأولى للمغادرة، بأنه «قرار سليم». تقول إن والدها يحتاج لعلاج مستمر وليس لمدة معينة، وقد أمّنت له جرعات كيماوي تكفيه لمدة ستة أشهر أحضرتها من مصر، تحفظها في ثلاجة بأحد الأماكن التي تتوفر بها طاقة لتشغيل ثلاجة. تأمل بعد انتهائها أن يكون الوضع أفضل، وقد عملت ما بوسعها وأدت واجبها تجاهه، «المستقبل ما فينا نشوفه بس فيه أمل.. وإن شاء الله للأفضل.. ما بعد الضيق إلا الفرج».

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤