غلاء المعيشة يدفع المغاربة نحو القروض: من خيار استهلاكي إلى ضرورة معيشية
لم يعد ارتفاع تكاليف المعيشة في المغرب مجرد ضغط ظرفي على ميزانيات الأسر، بل تحول إلى عامل حاسم يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الارتهان المتزايد للقروض، في محاولة لمواجهة اختلال التوازن بين الدخل والنفقات.
فبعد أن كانت الاستدانة مرتبطة أساسًا بتحسين مستوى العيش أو اقتناء الكماليات، أصبحت اليوم وسيلة أساسية لتغطية المصاريف اليومية، في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، رغم تسجيل تراجع نسبي في مؤشرات التضخم خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي أن هذا التراجع لم ينعكس بشكل ملموس على القدرة الشرائية، حيث لا تزال أسعار منتجات حيوية، مثل اللحوم والخضر، تحافظ على مستويات مرتفعة، مما يفرض على الأسر، خاصة من الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل، اعتماد نمط عيش قائم على “التقشف الإجباري”، عبر تقليص النفقات إلى الحد الأدنى.
في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري أن الأسر المغربية بلغت مستويات مقلقة من الضغط المالي، نتيجة تراكم الالتزامات المرتبطة بالتعليم والسكن ووسائل النقل، محذرًا من الوصول إلى ما وصفه بـ”سقف الاستدانة”.
وأشار إلى أن هذا الوضع قد يدفع العديد من الأسر إلى اللجوء إلى قنوات تمويل غير مهيكلة، مثل الاقتراض بين الأقارب والمعارف، وهي حلول، رغم بعدها التضامني، تظل خارج المنظومة المالية الرسمية ولا تساهم في دعم الدورة الاقتصادية المنظمة.
من جهة أخرى، تبرز معطيات بنك المغرب عاملًا إضافيًا في تفسير ارتفاع وتيرة القروض، يتمثل في النمو الديموغرافي، حيث يؤدي تزايد عدد الأسر الجديدة إلى ارتفاع الطلب على التمويلات، خاصة في المراحل الأولى من الاستقرار، التي تتطلب تجهيز السكن وتغطية نفقات أساسية.
ورغم المخاوف المرتبطة بتفاقم المديونية، يظل اللجوء إلى القروض عنصرًا فاعلًا في تحريك عجلة الاقتصاد، إذ يساهم في تنشيط الاستهلاك الداخلي، ويدعم استمرارية المقاولات والاستثمار. وهو ما يجعل من القروض الاستهلاكية سلاحًا ذا حدين: أداة لإنعاش الاقتصاد من جهة، وعبئًا متزايدًا على الأسر من جهة أخرى.
في ظل هذا التوازن الدقيق، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام تحدٍ حقيقي، يتمثل في الحفاظ على دينامية النمو دون دفع المواطنين نحو مزيد من الهشاشة المالية. ويبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة السياسات العمومية على تحسين الدخل وتعزيز القدرة الشرائية، بما يضمن الحد من الاعتماد المفرط على القروض كحل دائم لتدبير متطلبات الحياة اليومية.




