جدليات خاسرة
بقلم : مسلم بن أحمد العوائد
نهى الله سبحانه وتعالى عن الجدال إلا بالتي هي أحسن، ليكون طريقا إلى الحق، لا وسيلة للانتصار لحزب أو فئة أو جهة، على أن ينتهي بقلوب سليمة لا تحمل حقدا ولا ضغينة.
غير أن واقعنا اليوم يموج بجدليات كثيرة، يشارك فيها متعصبون من طلبة علم ومثقفين، وسياسيون ومتخصصون في السلوك والاجتماع، ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب أطراف خارجية تسعى إلى إذكاء الفتنة بين أبناء الوطن والملة الواحدة، وزعزعة الثقة بين ولاة الأمر والمجتمع وتماسكه، خاصة لدى الأجيال. ومن أبرز تلك الجدليات مسألة طاعة ولاة الأمر بالمعروف.
هذا قبل…
أما بعد…
فإن القراءة المتأنية لما شهدته المنطقة والعالم من حالات الخروج على ولاة الأمر والأنظمة، تكشف أنها انتهت في كثير من الأحيان إلى نتائج كارثية، من خسائر بشرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بل وصراعات داخلية مدمرة.
وقد صرح بعض من له مكانة رسمية أو اجتماعية أو دينية بجواز الخروج على ولي الأمر الظالم، الذي لم يحقق الطاعة الكاملة وفق تصوره، ولو أقام ولي الأمر الشعائر الدينية، ودعمها بالمؤسسات الرسمية، وحقق قدرا كبيرا من التنمية، وحفظ الأمن والاستقرار، وعمل على توفير مقومات الحياة التي لا تستقيم المجتمعات إلا بها.
وتجاهل هؤلاء أن إدارة الدول، في ظل النظام العالمي المعاصر، لا تخلو من تعقيدات أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية وقانونية، لا تكون ظاهرة لعامة الناس، ولا يدرك تفاصيلها إلا من يتحمل مسؤولية تحقيق ميزان المصالح الوطنية. ومن هنا فإن إطلاق مثل هذه الأحكام يفتح أبوابا خطيرة على المجتمعات والدول معا.
أخيرا…
تشير التجارب، قديما وحديثا، إلى أن الاستقرار المؤسسي، ومنها ما تقوم عليه الأنظمة الملكية، عامل رئيسي في تحقيق التنمية والأمن، في حين دفعت مجتمعات أخرى أثمانا باهظة حين تعددت فيها مراكز الولاء بين الحزبية والمذهبية والمناطقية، فضاعت الأجيال بين الشعارات، وتفككت المجتمعات، حتى أصبحت بعض الدول نماذج للفشل وعدم الاستقرار.
ختاما…
إن أمانة الكلمة في هذه المرحلة الدقيقة تقتضي تغليب المصلحة العامة، وإدراك العواقب والآثار، خاصة حين تصدر من أشخاص يستغلون مناصبهم الرسمية أو مكانتهم الاجتماعية أو الدينية أو منصاتهم الإلكترونية. وهذا يوجب على ذوي الشأن القيام بمسؤولياتهم التي أقسموا على أدائها، واستحضار البيعة التي في أعناقهم، ونصح من يطرح مثل هذه القضايا بالحكمة والموعظة الحسنة، بما يحفظ وحدة الصف ويصون المجتمع من الفتن.
وفي المقابل، فإن الأصوات التي تدعو إلى تجنب منازعة الأمر أهله لا ينبغي التشكيك فيها، بل الواجب دعمها وتعزيز حضورها، فهي من أهم صمامات الأمان للمجتمع.
ظهرت المقالة جدليات خاسرة أولاً على صحيفة وهج الخليج الإلكترونية.





