... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
322176 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6309 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

جدلية التنافي بين أستاذية التعليم العالي ومهنة المحاماة: نحو رؤية تشريعية تخدم العدالة والتنمية

العالم
مدار 21
2026/05/05 - 19:23 503 مشاهدة

بقلم ذ. محسين بوعسرية محام بهيئة الدار البيضاء وباحث بسلك الدكتوراه

مقدمة

يشهد الحقل القانوني والسياسي في الساحة التشريعية ببلادنا نقاشا محتدما تزامنا مع عرض مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على أنظار لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب.

إن جدلية “التنافي” بين مهنة المحاماة وأستاذية التعليم العالي تعد من القضايا التي تثير نقاشا قانونيا وفقهيا واسعا ببلادنا.

حيث يرى البعض في هذا الجمع مساسا بالتفرغ الأكاديمي أو استقلال المهنة، تبرز حاجة ملحة لإعادة قراءة هذه العلاقة من منظور “التكامل الوظيفي” و”الأمن القضائي”.

 إن حصر الأستاذ الجامعي في زاوية النظرية وعزل المحامي عن العمق الأكاديمي يخلق فجوة تعيق تطور المعرفة والتكوين المطلوبين في الأستاذ الجامعي والمحامي خدمة للعدالة في بعدها القضائي والتنموي.

وفي قلب هذا النقاش، تبرز قضية “حالات التنافي” كواحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، خاصة ما يتعلق بمنع أساتذة التعليم العالي من ولوج المهنة. إن هذا المقتضى التشريعي، الذي يراد له الاستمرار، مما يطرح تساؤلات عميقة حول فلسفة المشرع:

 هل الهدف هو حماية المهنة أم هو تكريس لقطيعة غير مبررة بين التنظير الأكاديمي والممارسة العملية؟ إن إعادة النظر في عيب التنافي هذا ليست مجرد ترف مهني، بل هي ضرورة يمليها منطق التكامل المعرفي، ورهانات التنمية، ومتطلبات تجويد العدالة.

أولا: تهافت منطق التنافي في ظل السماح بالتحكيم والاستشارة

من الغريب قانونا أن يحاصر أستاذ التعليم العالي بدعوى “التفرغ الأكاديمي” لمنعه من ممارسة المحاماة، في الوقت الذي تفتح له القوانين الحالية والمشروع الجديد أبواب ممارسة التحكيم (Arbitrage) وتقديم الاستشارات القانونية.

هذا التناقض يطرح إشكالا في منطق المشرع، فإذا كان الأستاذ يملك الكفاءة الذهنية والزمنية للفصل في منازعات تحكيمية كبرى وإعطاء فتاوى قانونية معقدة، فبأي منطق يحرم من مساعدة القضاء عبر آلية الدفاع؟ إن استمرار هذا المنع يُعد هدرا للكفاءات الوطنية، وتغييبا لفقهاء القانون عن “مختبر” المحاكم حيث تصنع الحقوق وتحفظ الضمانات.

ثانيا: المرجعية المقارنة.. التكامل لا التنافي (فرنسا وإسبانيا نموذجا)

إن منع الجمع في التشريعات الوطنية يظهر كنشاز قانوني عند مقارنته بالأنظمة القضائية العريقة التي تعتبر الأستاذ الجامعي والمحامي وجهين لعملة واحدة.

وبالنظر إلى التشريعات المقارنة التي استلهم منها المشرع المغربي نظامه القضائي، نجد أن الجمع هو الأصل وليس الاستثناء.

بالرجوع إلى القانون الفرنسي الصادر في 31 دجنبر 1971 (المادة 11) و مرسوم 27 نونبر 1991 (المادة 111) نرى أنه يكرس مبدأ عدم التنافي، بل الأكثر من ذلك أن المشرع الفرنسي منح لأساتذة الحقوق امتياز الولوج المباشر للمهنة دون شرط التمرين أو شهادة الأهلية، إيمانا بأن “كرسي الأستاذية” هو أعلى درجات التأهيل للمحاماة.

في حين نجد المشرع الإسباني الذي ينص في النظام الأساسي للمحاماة (مرسوم 135/2021) على مرونة تامة تسمح بالجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية، مع تصنيف المحامين إلى ممارسين وغير ممارسين (Ejerciente y no ejerciente)، مما خلق بيئة قانونية تنافسية تخدم التنمية الأكاديمية والاجتماعية الاقتصادية.

ثالثا: الانعكاس على هندسة العدالة وجودة الأحكام

إن ولوج الأستاذ الجامعي للمحاماة يمثل “حقنة فقهية” ضرورية لجسد العدالة، عبر مساهمته في تجويد التعليل القضائي من خلال مذكرات الأساتذة الجامعيين المفعمة بالنظر الأكاديمي والتحليل المقاصدي للقانون، ستدفع القضاة بالضرورة نحو الارتقاء بمستوى تعليل الأحكام، مما يغني الاجتهاد القضائي المغربي ويجعله مرجعا إقليميا.

 لأن الأستاذ الجامعي بصفته خبيرا في تفسير النصوص ومقاصد المشرع، يساهم في ضبط التأويلات داخل المحاكم، مما يقلص من تضارب الأحكام ويحقق استقرار المعاملات.

هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن المحامي/الأستاذ سيساهم في تطوير البحث العلمي من خلال نقله لنوازل الواقع وإشكالات التطبيق من ردهات المحاكم إلى مدرجات البحث العلمي، مما ينهي عهد “القانون النظري” ويؤسس لـ “قانون حي” يستند على منهج الواقعية يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

حيث إن وجود “الأستاذ المحامي” يضفي على المذكرات الدفاعية عمقا نظريا وتحليلا فلسفيا للنصوص، مما يدفع القاضي إلى الرفع من مستوى “التعليل”، وبذلك ننتقل من “حكم روتيني” إلى “اجتهاد قضائي” يغني خزانة القانون.

حيث إن المحامي الذي يمارس الأستاذية سينقل أعقد القضايا الواقعية إلى قاعات الدرس، مما يجعل التكوين الجامعي “تكوينا تطبيقيا” وسيحول المحكمة إلى مختبر أكاديمي يخرج أجيالا من الطلبة القادرين على مواجهة سوق الشغل، بدلا من تكديس نظريات منفصلة عن الواقع.

ومن ثم، فإن حرمان الجامعة من خبرة الميدان، وحرمان الميدان من عمق الجامعة، هو هدر للرأسمال اللامادي. رفع التنافي يحرر الطاقات ويسمح بتدفق الخبرات، وهو ما يتماشى مع “النموذج التنموي الجديد” الذي يراهن على الكفاءة والتنافسية.

رابعا: المحاماة كرافعة للتنمية وخلق فرص الشغل

خلافا لما يروج له البعض، فإن رفع التنافي هو محرك اقتصادي بامتياز، فإن الأستاذ الجامعي بما يملكه من موارد مالية والمحامي الذي لا يملك موار مالية لفتح مكتبه ويلج للتعليم العالي للتدريس سيساهم في خلق “مكاتب محاماة كبرى” قادرة على مواكبة الاستثمارات ببلادنا ومنافسة المكاتب الأجنبية وامتصاص البطالة المهنية، حيث إن هذه المكاتب ستحتاج إلى المحامين المساعدين والباحثين القانونيين والكتاب، مما سيوفر فرص شغل حقيقية لآلاف الشباب الذين يعجزون اليوم عن فتح مكاتب مستقلة بسبب العوائق المادية.

وبناء عليه، فإن الإبقاء على التنافي بين التعليم العالي والمحاماة هو إبقاء على قطيعة مفتعلة بين العلم والعمل. فإذا كان الأستاذ يؤتمن على تكوين قضاة ومحامي الغد، فمن باب أولى أن يؤتمن على الدفاع عن الحقوق أمام المحاكم. إن التجربة المقارنة في فرنسا وإسبانيا أثبتت أن هذا التكامل هو صمام أمان للعدالة ورافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

خاتمة

صفوة القول إن الإبقاء على حالة التنافي بصيغتها الحالية يعد عائقا أمام التنمية الفكرية والاقتصادية. إن حذف التنافي هو دعوة لمصالحة الجامعة مع محيطها المهني، وهو اعتراف بأن العلم لا يكتمل إلا بالتطبيق، وأن العدالة لا تستقيم إلا بعمق الفقه. لقد حان الوقت لتجاوز الهواجس الضيقة نحو أفق يخدم العدالة، ويخلق فرص الشغل، ويعيد للأستاذ الجامعي دوره كمهندس للحق والقانون في المجتمع.

حيث إن حذف حالة التنافي بين التعليم العالي والمحاماة هو انتصار للمنطق، وتكريس للأمن القانوني، وخطوة جريئة نحو تنمية شاملة تجعل من المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية جسدا واحدا.

ولذلك نناشد المشرع المغربي في لجنة العدل والتشريع تعديل المقتضيات المتعلقة بالتنافي، عبر النص صراحة على “استثناء أساتذة التعليم العالي في شق القانون من حالات التنافي، مع وضع ضوابط أخلاقية تضمن السير العادي للمرفق الجامعي، أسوة بما هو معمول به في الأنظمة القضائية الأكثر تقدما.

ظهرت المقالة جدلية التنافي بين أستاذية التعليم العالي ومهنة المحاماة: نحو رؤية تشريعية تخدم العدالة والتنمية أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤