فيلم “خلف أشجار النخيل”.. فضيحة الدعم السينمائي تكشف المستور في وزارة بنسعيد
لم يعد الجدل الدائر حول فيلم “خلف أشجار النخيل” مجرد نقاش عابر حول عمل سينمائي أثار استياء شريحة واسعة من المغاربة، بل تحول إلى عنوان عريض لأزمة أعمق تضرب منظومة الدعم الثقافي برمتها داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل التي يقودها المهدي بنسعيد.
فإحالة ملف الدعم العمومي الممنوح للفيلم على المفتشية العامة للوزارة، بعد تحرك المفتشية العامة لوزارة المالية، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مشكلة معزولة مرتبطة بشريط سينمائي واحد، بل مؤشراً على اختلالات متراكمة ظلت لسنوات بعيدة عن أي مساءلة حقيقية.
الحقيقة التي بات كثيرون يرددونها اليوم هي أن قضية “خلف أشجار النخيل” ليست سوى الشجرة التي غطت على الغابة. فالرأي العام لم يعد يتساءل فقط عن كيفية حصول فيلم معين على ملايين الدراهم من المال العام، بل كيف تُصرف أموال الدعم؟ ومن يراقب تنفيذ المشاريع بعد حصولها على التمويل؟ وما هي المعايير الحقيقية التي تحكم توزيع الملايين على عدد محدود من الأسماء والشركات؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط الاتهامات المتعلقة بمضامين الفيلم، وإنما كونها أعادت فتح ملف طالما أثير بشأن الدعم السينمائي في المغرب، وهو ملف الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالمغاربة الذين يساهمون من جيوبهم في تمويل هذه الأعمال من خلال الضرائب، من حقهم أن يعرفوا أين تذهب أموالهم، وما القيمة الثقافية والفنية التي تعود على المجتمع من وراء هذه الاعتمادات المالية الضخمة.
ومنذ تولي المهدي بنسعيد مسؤولية القطاع، ارتفعت الأصوات المطالبة بإعادة النظر في فلسفة الدعم الثقافي برمتها خاصة بعد تسليم الوزير مفاتيحه لفتى لاعلاقة له بالثقافة وحمل مسؤولية أكبر منه بكثير، غير أن الوزارة ظلت تفضل لغة البلاغات والتبريرات على فتح نقاش عمومي حقيقي حول مآل الملايين التي تُضخ سنوياً في مشاريع يظل أثرها الثقافي والجماهيري محل جدل واسع.
واليوم، وبعد دخول أجهزة الرقابة على الخط، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالحديث عن حالة استثنائية أو خطأ فردي، فالمطلوب هو افتحاص شامل لمنظومة الدعم السينمائي بكل تفاصيلها، بدءاً من لجان الانتقاء، مروراً بمساطر صرف الأموال، وصولاً إلى مراقبة مدى التزام الأعمال المنجزة بالمشاريع التي نالت على أساسها التمويل العمومي، علما أن مصادر من داخل منظومة الانتاج السنمائي تشكي من مسؤول يفرض عليها نسبة من الدعم.
إن الرهان لم يعد يتعلق بفيلم واحد أو بمخرج واحد أو بشركة إنتاج بعينها، بل بمصداقية السياسة الثقافية للدولة نفسها، فحين يتحول الدعم العمومي من أداة لتشجيع الإبداع وخدمة الثقافة الوطنية إلى مصدر دائم للجدل والشكوك، فإن الخلل يكون في المنظومة وليس في حالة منفردة، وعوض الاكتفاء بمعالجة نتائج الأزمة، تبدو وزارة الشباب والثقافة والتواصل مطالبة اليوم بالإجابة عن السؤال الجوهري: كيف وصلت منظومة الدعم السينمائي إلى مرحلة أصبح فيها كل ملف جديد يثير شبهة أو جدلاً أو اتهامات بسوء تدبير المال العام؟
قد تكشف التحقيقات الجارية الكثير من الحقائق حول فيلم “خلف أشجار النخيل”، لكن الأكيد أن المغاربة ينتظرون ما هو أبعد من ذلك: كشف حقيقة الغابة كاملة، لا الاكتفاء بالتوقف عند شجرة واحدة.





