في ذكرى رحيله العشرين.. كلمات محمد الماغوط لا تزال تنبض بالحياة وكأنها كُتبت اليوم
كان محمد الماغوط شاعراً ضدّ الطمأنينة، ضدّ اللغة المروّضة، وضدّ كل ما يُقال بسهولة، فكتب بقلقٍ واضح، وبسخريةٍ جارحة، حتى بدت نصوصه كأنها صفعات متتالية على وجه الواقع، لم يكن يبحث عن الجمال بقدر ما كان يفتّش عن الحقيقة، مهما كانت قاسية.
ومع حلول الذكرى العشرين لرحيله، تتأكد حقيقة أن الغياب لا يُقاس بالزمن، بل بمدى استمرار الأثر، والماغوط رغم رحيله، ما يزال حاضراً في وعينا ولغتنا، وفي تلك الأسئلة التي لم نجد لها إجابة بعد، فعلى الرغم من مرور السنوات، لا تزال كلماته تنبض بالحياة، وكأنها كُتبت اليوم، وما يزال صوته يرافق كل من يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الزيف.
منذ بداياته، لم يسلك الماغوط الطريق المألوف للشعراء، بل شقّ دربه الخاص، محمّلاً نصوصه بقلق الإنسان العربي، وبسخريةٍ سوداء تكشف التناقضات القاسية بين الحلم والواقع. كانت كلماته بسيطة في ظاهرها، لكنها مشبعة بمرارة التجربة، ومشحونة بطاقة احتجاج لا تهدأ.

ولم يقتصر حضور الماغوط على الشعر والنصوص النثرية، بل امتد إلى المسرح والسينما، حيث قدّم أعمالاً شكّلت علامة فارقة في تاريخ الكوميديا السوداء العربية، فكتب نصوصاً مسرحية خالدة تحوّلت إلى مرايا ساخرة تكشف الواقع السياسي والاجتماعي بجرأة لافتة، وقدّم من خلالها نقداً لاذعاً بذكاءٍ فني جعل الضحك وسيلةً للألم والتفكير معاً، كما أسهم في التأليف السينمائي، حاملاً أسلوبه الخاص إلى الشاشة الكبيرة، محافظاً على نبرته الساخرة والإنسانية في آن معاً.
ويعتبر مسرح الماغوط من المسارح التي تستدرج المتفرج إلى لعبتها عبر الكلمة القوية والخارجة للتو من الحناجر الهادرة بحقوقها في الحياة والحرية وسط غنائيات تتشبث بالأرض والكيان الشخصي والخوف من المجهولـ كما عبّر في السينما والدراما عن غربته وتمسكه حتى النهاية بالسهل الممتنع كأسلوب فني عالي النبرة لمخاطبة الجمهور.
من الفلاحة إلى الأدب
ولد الراحل في الثاني عشر من كانون الأول عام 1934 في مدينة سلمية بريف محافظة حماة، احترف الأدب السياسي الساخر وألّف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية التي يعتبر واحداً من روادها.
نشأ في عائلة شديدة الفقر وكان أبوه فلاحاً بسيطاً يعمل أجيراً في أراضي الآخرين طوال حياته، درس بادئ الأمر في الكتّاب ثم انتسب إلى المدرسة الزراعية في سلمية حيث أتم فيها دراسته الإعدادية، انتقل بعدها إلى دمشق ليدرس في الثانوية الزراعية في ثانوية “خرابو” بالغوطة، لكنه لم يكمل دراسته في الثانوية وعاد إلى سلمية.
عمل الماغوط فلاحاً وبدأت بوادر موهبته الشعرية بالتفتح فنشر قصيدة بعنوان “غادة يافا” في مجلة “الآداب” اللبنانية، بعدها قام بتأدية خدمته الإلزامية حيث كانت أوائل قصائده النثرية قصيدة “لاجئة بين الرمال” التي نُشِرَت في مجلة “الجندي” عام 1951.
خلف القضبان
كان اغتيال عدنان المالكي في 22 نيسان عام 1955 نقطة تحول في حياة الماغوط حيث اتُهِمَ الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله في ذلك الوقت، ولوحق أعضاء الحزب، وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم، فحُبس في سجن المزة، وخلف القضبان بدأت حياته الأدبية الحقيقية، تعرف أثناء سجنه على الشاعر علي أحمد سعيد إسبر الملقب بـ”أدونيس” الذي كان في الزنزانة المجاورة.
خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر كان الماغوط مطلوباً في دمشق، فقرر الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينيات، ودخول لبنان بطريقة غير شرعية سيراً على الأقدام، وهناك تعرّف على الشاعر اللبناني يوسف الخال الذي احتضنه في مجلة “شعر”، كما نشأت بينه وبين الشاعر بدر شاكر السياب صداقة حميمة، فكان صديق التسكّع على أرصفة بيروت، وفي بيروت أيضاً تعرّف الماغوط على الشاعرة سنية صالح التي غدت فيما بعد زوجته.
عاد الماغوط إلى دمشق بعد أن غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى “حزن في ضوء القمر” عام 1959، التي ألحقها بعد عام واحد بمجموعته الثانية “غرفة بملايين الجدران”
في العام 1961 أدخل الماغوط إلى السجن للمرة الثانية وأمضى في السجن ثلاثة أشهر، ووقفت سنية صالح وصديقه الحميم زكريا تامر إلى جانبه خلال فترة السجن، وتزوج الماغوط من سنية عقب خروجه من السجن، وأنجب منها ابنتيه شام وسلافة.
فترة صعبة
في السبعينيات عمل الماغوط في دمشق رئيساً لتحرير مجلة “الشرطة” حيث نشر كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان “الورقة الأخيرة”، وفي تلك الفترة بحث الماغوط عن وسائل أخرى للتعبير من أشكال الكتابة تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياته المتوالية “ضيعة تشرين” و”غربة”، وفيها أراد الماغوط مخاطبة العامة ببساطة من دون تعقيد، وهو واحد من الكبار الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه جريدة “تشرين” (الحرية حالياً) في نشأتها وصدورها وتطورها في منتصف السبعينيات، حين تناوب مع الكاتب القاص زكريا تامر على كتابة زاوية يومية، تعادل في مواقفها صحيفة كاملة في عام 1975 وما بعد، وكذلك الحال حين انتقل ليكتب “أليس في بلاد العجائب” في مجلة “المستقبل” الأسبوعية، وكان لمشاركاته دور كبير في انتشارها على نحو بارز وشائع.
خلال الثمانينيات سافر الماغوط إلى الشارقة وعمل في جريدة “الخليج”، لكن هذه الفترة كانت صعبة وقاسية، بدأت بوفاة شقيقته إثر نفاس بعد الولادة عام 1984، ثم وفاة والده عام 1985 نتيجة توقف القلب، وكانت أصعب ضربة تلقاها هي وفاة زوجته عام 1985 بعد صراع طويل مع المرض، ثم كانت وفاة أمه عام 1987 بنزيف حاد في المخ.
من عمق معاناته كان إبداعه المتواصل يتفجر وتتنوع وسائل التعبير لديه فكتب سيناريوهات أفلام “الحدود” و”التقرير” و”المسافر”، كما كانت قد ظهرت مسرحية “شقائق النعمان” ومسلسلات تلفزيونية مثل “حكايا الليل” و”وين الغلط” و”وادي المسك”.
في ظهيرة يوم الاثنين 3 نيسان عام 2006، رحل محمد الماغوط عن عمر ناهز الـ73 عاماً بعد تعرضه لجلطة دماغية في منزله بمدينة دمشق.





