في مالي.. أزمة تشتعلُ بنيران المسيّرات
دخان يتصاعد نحو التلاشي، مع نار تحتضر أمام عنفوان الريح.. آثار غارات جوية استهدفت موقعا عسكريا للجيش المالي وفيلق إفريقيا الروسي، في أغلهوك، بولاية كيدال، شمال شرقي دولة مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر.
تداول ناشطون أزواديون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها للهجوم، ولكن “صحراء ميديا” لم تتأكد من صحتها، ولكن الجديد في هذا الهجوم هو أنه قادم من السماء.
إنَّها حرب المسيرات التي بدأت في ضقيع أوكرانيا، وامتدت حتى وصلت إلى عمق الصحراء الكبرى على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف تسير هذه الحرب الطاحنة في شمال مالي؟
رواية أزوادية
جبهة تحرير أزواد التي تضم حركات تطالب بانفصال الشمال عن دولة مالي المركزية، أعلنت يوم الثلاثاء 24 مارس 2026، تنفيذ هجوم على موقع تابع للجيش المالي في مدينة أجلهوك الاستراتيجية، والتي تبعدُ حوالي 1000 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من العاصمة باماكو.
الجبهة أعلنت أنها استخدمت في الهجوم مسيرات مفخخة وصواريخ هاون، مشيرة في إيجاز مقتضب، إلى أن الهجوم استهدف مواقع الجيش المالي، ومساعديه من (فيلق إفريقيا)، التابع لوزارة الدفاع الروسية.
وفيما لم يعلق الجانب المالي بشكل مباشر على الهجوم الأخير، أصدر الجيش في نفس اليوم بيانا أعلن فيه تحديد مواقع لإطلاق طائرات مسيّرة انتحارية، على بعد حوالي عشرين كيلومتراً شرقي مدينة غاو، شمالي مالي.
بيان الجيش أشار إلى أن وحداته قامت على الفور بتمشيط محيط الموقع، قبل أن تدمر المعدات الانتحارية.
صراع جوّي
الاعتماد على المسيرات زاد مع ارتفاع حدة التوتر والتصعيد العسكري في منطقة كيدال، منذ أن استعادها الجيش المالي نهاية 2023، حيث أعلنت جبهة تحرير أزواد أنها نفذت هجوما يوم 18 فبراير الماضي باستخدام مسيرة انتحارية استهدفت قافلة للجيش المالي وفيلق إفريقيا الروسي بين أنيفيف، وأجلهوك في ولاية كيدال.
فيما أعلنت يوم 11 من مارس الجاري، تنفيذ “هجوم عنيف”، بواسطة 25 مسيرة انتحارية، على المطار العسكري داخل معسكر فيهرون أغ الينصار في مدينة غاو الواقعة في شمال البلاد، وتبعد عن باماكو أكثر من 900 كلم.
ومنذ العام الماضي، بدأت جبهة تحرير أزواد تغير من استراتيجيتها في الهجمات ضد الجيش المالي، وأصبحت تعتمد بشكل ملحوظ على المسيرات.
تكنولوجيا رخيصة
في هذا السياق، قال المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد مولود رمضان لصحراء ميديا: “في ظل التحولات التي شهدتها طبيعة النزاعات المسلحة خلال السنوات الأخيرة، أصبحت المسيّرات أداة حاضرة في العديد من ساحات القتال، خصوصاً في الحروب غير التقليدية التي تعتمد على المرونة والتكنولوجيا منخفضة الكلفة.”
وبخصوص اعتماد الجبهة على المسيرات، أوضح رمضان، أنه يمكن القول إن الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة، بما فيها المسيّرات، يأتي في إطار التكيّف مع واقع ميداني معقد، حيث تواجه قوى محلية إمكانيات عسكرية غير متكافئة. وبالتالي، فإن استخدام هذه الوسائل يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ”التطوير الذاتي للقدرات”، بالاعتماد على “الخبرات المحلية لشبابنا والموارد المتاحة.”
وتابع: “أما بخصوص مسألة التصنيع أو التوريد، فمن المعروف أن هذه التكنولوجيا أصبحت متاحة بشكل واسع على المستوى العالمي، سواء عبر الأسواق المدنية أو من خلال قنوات متعددة، وهو ما يجعل استخدامها من طرف جهات مختلفة أمراً غير استثنائي. ومع ذلك، تبقى الأولوية بالنسبة لأي فاعل مسؤول هي توظيف هذه الوسائل في إطار ما يعتبره دفاعاً مشروعاً عن النفس، مع الحرص على تقليل الأضرار الجانبية.”
سباق التسلح
مع تصاعد الهجمات بالمسيرات على مواقعه، يواصل الجيش المالي، تعزيز قدرات سلاحه الجوي، فيما يعلن من حين لآخر، عن تنفيذ ضربات جوية، على معاقل الجماعات المسلحة.
ومع تركيزه على العمليات الجوية، احتفى الجيش المالي نهاية يناير الماضي بقدوم دفعة جديدة من مسيرات من طراز “أكينجي”، سلّمها وزير الدفاع الفريق أول ساديو كامرا إلى رئيس أركان الجيوش، اللواء عمر ديارا، في القاعدة الجوية 200 بمدينة سيفاري.
و”أقينجي” هي طائرة مسيرة بدون طيار ذات قدرات عالية، طورتها شركة صناعة الدفاع بيكار ومقرها تركيا، وتزن أكثر من 5500 كجم، ومزودة بأنظمة اتصالات الأقمار الصناعية المزدوجة، ورادار جو-جو، ورادار تجنب الاصطدام.
ومنذ تولي العسكريين الحكم في مالي، بقيادة الجنرال آسيمي غويتا 2021، أصبح تطوير القدرات العسكرية للجيش وتحديث عتاده العسكري، أولوية قصوى بحسب الصحفي المالي مامادو مصطفى سنكاريه.
ويقول سنكاريه في تصريح لصحراء ميديا، إن نظام غويتا اعتمد سياسية مختلفة، تضمنت فض الشراكة عن فرنسا، والتوجه إلى روسيا، ما مكّن مالي من الحصول على عتاد عسكري غير مسبوق، شمل أنظمة دفاعات جوية متطورة، ومسيرات روسية وتركية وصينية، وقد حقق بموجب ذلك مكاسب ميدانية، أبرزها استعادة كيدال، يضيف سنغاريه.
توازن القوة
الأزمة في مالي مستمرة منذ سنة 2012، ولم تقتصر على ملف الانفصال وحده، ففي هذا البلد الإفريقي، تنشط عدة جماعات، أبرزها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة، بالإضافة إلى “تنظيم داعش في الصحراء الكبرى”، ويخوض الطرفان صراعًا قويا على النفوذ والسيطرة.
وخلال الوجود العسكري الفرنسي كانت الدراجات النارية هي السلاح الفتاك الذي أرهق الفرنسيين والماليين، بسبب خفته وسرعته وقدرته على الاختباء والاختراق، إلا أنه الفترة الأخيرة تراجعت الدراجات لصالح المسيرات.
لقد فرضت المسيرات نفسها في الحروب الحديثة كسلاح فعال متعدد المهام، بدون تكلفة باهظة، وتجنب خسائر بشرية مقارنة مع السيارات المفخخة التي كانت حتى وقت قريب إحدى أدوات تنظيم القاعدة لضرب المواقع العسكرية المحصنة.
يقول مدير معهد إنار للجيوسياسية والدراسات الاستراتيجية اعبيد سيدنا عمار، إن “الجماعات المسلحة تقتني المسيرات المدنية والتجارية البسيطة، وتطورها حتى تكون قادرة على الهجوم والاستطلاع والقيام بمهام خاصة”.
وأضاف أن هذه المسيرات يتم الحصول عليها من “أسواق حرة ومفتوحة، وبأسعار زهيدة جدًا”.
في المقابل يقول الباحث إن الجيش المالي، في المقابل، أصبح يمتلك أسطولا جويا من المقاتلات والمروحيات الروسية، بالإضافة إلى مسيرات تركية وأخرى من صنع روسي.
من جهته يقول مراسل “صحراء ميديا” في غرب أفريقيا إبراهيم الهريم، إن “الجماعات التابعة للقاعدة أو داعش في منطقة الساحل الأفريقي وحتى في منطقة غرب أفريقيا، بدأت تستخدم المسيرات كسلاح يوازي أو أخطر من العبوات الناسفة”.
وقال المراسل، إن هذه المسيرات “مكّنت المجموعات المسلحة من تنفيذ هجمات، كان من المستحيل نظريًا تنفيذها، حيث تسهم تكلفتها القليلة وقدرتها على الوصول إلى مواقع لا يمكن لعناصر هذه المجموعات الوصول إليها بسبب الفارق في القوة بينها مع الجيوش النظامية”.
وأضاف المراسل أن “نصرة الإسلام والمسلمين التي يقودها إياد آغ غالي، هي أكثر المجموعات استخدما للمسيرات، خصوصا في مالي، وتتبع هذه المجموعة تكتيكا ينم عن قدرات عسكرية متطورة، حيث عادة ما تعتمد على الهجمات المزدوجة، من خلال مسيرات مفخخة وعناصر مسلحة على الأرض، فيأتي الخطر من الجو والبر وتكون الخسائر كبيرة”.
وحسب بيانات مراكز بحث ومؤسسات تتبع أنشطة هذه المجموعات، فإن المسيرات بدأن تدخل في عقيدة واستراتيجية هذه المجموعات منذ 2023، لكن الاستخدام الكبير لها بدأ فعليا من 2025، حيث زادت وتيرة استخدامها في عدة هجمات دامية.




