في حضرة البندقية… ذكرى استشهاد القائد خليل الوزير (أبو جهاد)
في مثل هذا اليوم، لا نستحضر ذكرى عابرة، بل نستدعي روحًا ما زالت حيّة فينا، تسكن تفاصيل النضال، وتتنفّس في وجدان كل فلسطيني حر. إنه القائد الشهيد خليل الوزير، الذي لم يكن مجرد اسم في سجل الثورة، بل كان نبضها، وعقلها المدبّر، وضميرها المقاوم.
لم يكن أبو جهاد رجل مرحلة، بل رجل وطن. حمل فلسطين في قلبه مشروعًا لا يسقط، وآمن أن الثورة ليست بندقية فقط، بل وعيٌ وتنظيمٌ وإرادة. كان أحد أعمدة حركة فتح، ومن أوائل من خطّوا درب الكفاح المسلح، فكان مهندس العمليات النوعية، وقائد الانتفاضة الأولى، وعرّاب العمل الشعبي الذي وحّد الشارع خلف هدف الحرية.
في زمنٍ كثرت فيه الحسابات، ظلّ أبو جهاد ثابتًا كالجبل، لا يُساوم على الثوابت، ولا يُراهن إلا على شعبه. كان يعرف أن الطريق إلى القدس لا يُعبّد بالكلمات، بل بالتضحيات، وأن الكرامة لا تُسترد إلا بالفعل المقاوم المنظّم.
اغتاله الاحتلال في جريمة غادرة في تونس عام 1988، في عملية جبانة استهدفت العقل الذي كان يُربك حساباتهم، والقلب الذي كان يُشعل جذوة الثورة. لكنهم لم يدركوا أن القادة الكبار لا يُغتالون، بل يتحوّلون إلى فكرة، والفكرة لا تموت.
إن ذكرى استشهاد أبو جهاد ليست للبكاء، بل للمراجعة. ليست للوقوف عند الماضي، بل لاستنهاض الحاضر. فهل ما زلنا أوفياء لنهجه؟ هل ما زالت حركة فتح التي أحبها قوية موحّدة كما أرادها؟ أم أننا بحاجة إلى وقفة صادقة نعيد فيها ترتيب البيت الداخلي، ونستعيد روح الانضباط والالتزام التي زرعها فينا؟
يا أبناء فتح… يا من تحملون إرث الثورة، إن أبا جهاد لا يريد منكم شعارات، بل وحدة. لا يريد خطابات، بل فعلًا. لا يريد تفرّقًا، بل صفًا مرصوصًا كالبنيان. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأبقى من الخلافات، وأسمى من المصالح الضيقة.
في ذكراه، نكتب له لا لنرثيه، بل لنجدد العهد:
أن نبقى أوفياء لفلسطين،
أن نصون دم الشهداء،
أن نعيد للثورة بريقها،
ولـحركة فتح وحدتها،
وللشعب كرامته التي لا تُساوم.
سلامٌ على روحك يا أبا جهاد…
يوم وُلدت من رحم القضية،
ويوم استُشهدت واقفًا كالسنديان،
ويوم تبعث فينا كلما نادانا الوطن.
المجد للشهداء… والحرية لفلسطين.



