«في الساعة نفسها»: خمسة أعمال من زمن المحو
يستمر معرض «في الساعة نفسها» في دارة الفنون في عمان حتى نهاية أيّار القادم.
خلال العامين الماضيين كنا أمام إبادة هي الأكثر توثيقًا في التاريخ. خرجت الصور والشهادات من غزة بزخم هائل دون أن تقوى على التأثير على مجرى الأحداث، وإن عرّت من جديد المنطق الإبادي للاحتلال.
أحيانًا كان يبدو أن طريقة بث مشاهد العنف، مجزأة لمقاطع تمتد لثوانٍ معدودة، وإعادة إنتاجها على نحو متواصل عبر الفضائيات وشبكات التواصل، تشكل امتدادًا للعنف ذاته، حيث ساهمت في تطبيع المرور عنه. والنظر للأحداث بعدسة مجهرية يعيق قربها أحيانًا وضوح الرؤية ويسلخها عن سياقها.
تتدفق الصور بوصفها صدمات متتالية، تلتقط عنف اللحظة لكنها تعجز عن حمل زمنها، فتتحول إلى جزء من اقتصاد بصري يعيد إنتاج علاقات القوة التي يسعى إلى فضحها.
من داخل هذا المأزق يأتي معرض «في الساعة نفسها» في دارة الفنون. ويضمّ أعمال لاثنين وعشرين فنان وفنانة من جغرافيّات متعدّدة، اشتغل أغلبهم على أعمال خلال الإبادة تذهب إلى ما وراء الشهادة اللحظية، لتوثّق «ساعة» الإبادة، بوصفها لحظة تكثيف وذروةً لمسار استعماري ممتد يمارس عنفه في فلسطين والمنطقة والجنوب العالمي.
بعيدًا عن السعي لتقديم صورة راكدة للأحداث أو للزمن، يذهب المعرض لاستعراض لحظات حبلى، تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل، تكشف كيف تتشكّل ظروف ووعي جديدان في خضمّ تفكيك النُسُج الاجتماعية وتدمير المكان. وفي أكثر تجلياتها حميمية، تعيد بعض الأعمال في المعرض الاعتبار للرابط الوجداني ما بين المتلقي والحدث.
من بين هذه الأعمال، هذه خمسة تسعى جميعها للاستجابة لمكنونات وتشوّهات «ساعة» الإبادة. ما بين توثيق أرشيف المحو، وتفكيك لعين المراقب، وانشغال بالذاكرة، والحداد، تقدّم هذه الأعمال مقاربات متباينة للاشتباك مع الحدث، بوصفها كلّها أشكالًا مختلفة لإنتاج المعنى في زمن الإبادة.
خرائط (لإبادة جماعية)[1] جايس سلوم، 2025
يقدّم الفنان جايس سلوم صورةً ملتقطة لغزة عبر الأقمار الصناعية التابعة لشركة جوجل والمتاحة عبر الإنترنت من أحياء الرمال والشجاعية وبيت حانون وغيرها من العام 2024. وفي مقابلها فيديو بعنوان «غزة حبيبتي» للمصور سلامة يونس، يلتقط حيوية غزة كما صوّرها بين عامي 2020 و2022 من خلال السماء عبر طائرة مسيّرة.
في أعماله، كثيرًا ما يلجأ سلوم إلى استخدام صور ومواد أُنتجت لأغراض أخرى، ويعيد توظيفها خارج سياقها الأصلي، مسائلًا البُنى وعلاقات القوى التي تتيح إنتاج هذه الصور وتداولها. هنا، يواجه المتلقي مشهد الدمار الذي اعتاد رؤيته خلال الإبادة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن على هيئة مختلفة: صورة جدارية ضخمة تستعيد ما تم تقليصه وتسطيحه على الشاشات الصغيرة.

في الجدارية، تُظهر وسوم المواقع الخاصة بجوجل أسماء مدارس ومحالّ تجارية ونقاطًا أخرى لأماكن دُمّرت، وتبرز تفاصيل آثار القصف والآليات العسكرية بتفاوت حجمها في امتداد بصري واحد. نرى بحر غزة ومقبرة جباليا والأراضي الزراعية المنكوبة وقد وثقت من السماء بواسطة الأقمار الصناعية. فبينما كان القصف يستهدف الأسر والأفراد ويمحو أحياء ومؤسسات عامة وثقافية تحوي أرشيف غزة ما قبل الإبادة، كان يتشكل في المقابل أرشيف آخر موازٍ، تُنتجه آليات المراقبة وشركات التكنولوجيا، ويُوثَّق فيه فعل الإبادة ذاته.

تستمر الجدارية لتصل إلى أقصى شمال القطاع، ليظهر الشريط الحدودي مُشوَّشًا، حيث تخفيه شركة جوجل منعًا «للخروقات الأمنية»، وهنا يصبح تواطؤ شركات التكنولوجيا مرئيًا. فجوجل لا تكتفي بتحديد ما يُعرض وكيف يُعرض استجابةً للمخاوف الأمنية الإسرائيلية، بل تشارك أيضًا في توفير البنية التحتية لتخزين بيانات المراقبة في غزة والضفة الغربية، ما يربط الصورة المعروضة بشبكة أوسع من السيطرة والعنف.
يعرض سلوم هذه الصورة الخام من دون تدخل في تفاصيلها. ولا يخفف التأمل في هذه التفاصيل من وطأة سطوتها.

عنف على مدار الساعة، محمود الحاج 2023
إذا كان عمل جايس سلوم يضعنا في مواجهة التواطؤ التقني وهيمنة صورة المحو، فإن محمود الحاج يذهب نحو تبنّي عين الجلاد في رؤيتها للقطاع.
يأخذ الفنان الغزي المولود في مخيم خان يونس سنة 1990 هذه العدسة، ليفسح المساحة للهاجس الذي لازمه بتخيل غزة التي يعرفها بشوارعها وأزقتها من موقع «الحاكم العسكري»، فيتأمل كيف تُرى غزة من هذه العين التي تستبيح المكان وتعيد تشكيله ضمن دورة متواصلة من المراقبة والتدمير والحروب غير المتكافئة.

في «عنف على مدار الساعة»، يجمع الحاج أعمالًا أنتجها في مراحل ووسائط مختلفة ضمن عملٍ كان يعتزم عرضه أواخر عام 2023 قبل أن يَعلق خارج غزة بسبب الحرب. يضم العمل تدوينات لمشاهداته، مصحوبة برسوم يدوية بسيطة، وصورًا لغزة عُثر عليها بين الآليات العسكرية المتروكة إبّان الانسحاب الإسرائيلي عام 2005. كما يحتوي على أعمال رقمية مطبوعة على ورق فني يجسد فيها نظرة الحاكم العسكري لكل ما في غزة كخطر أمني وهدف محتمل. نرى في العمل صورًا مأخوذة من زوايا القنّاصة والطائرات: زاوية بيت تُرى عبر عدسة قنّاص، فتى يركض محتميًا بساتر حديدي. كما يضم العمل كتابًا فنيًا وفيديو يرويان مسيرة تطوّر تكنولوجيا العنف في غزة.

بين هذه المكوّنات، يجد المتلقي نفسه أمام متحف غير رسمي يوثّق أدوات العنف الإسرائيلي ضمن إطار تاريخي يقدَّم سردًا ذاتيًا مرويًا بلسان من عاش تحت وطأة هذه الأدوات. ومن خلال هذا المنطق البصري، ينتزع الحاج حقه في النظر نحو الجلاد الذي عادة ما يحتكر النظر بغرض المراقبة والإخضاع، من دون أن يصور الجندي والحاكم ذاته، بل من خلال تبني عينه وتفكيك منطقها من الداخل.

يستعرض الحاج أشكال العنف الإسرائيلي تجاه قطاع غزة منذ الثمانينيات، مرورًا بالحكم العسكري المباشر وحظر التجوال وأبراج الرقابة العسكرية. ومع الانسحاب العسكري عام 2005، ينتقل مركز السيطرة من الأرض إلى السماء، بوصفها حيزًا أكثر فاعلية لبسط الهيمنة في السلم والحرب عبر الطائرات المسيّرة. يقول الحاج إن التوسع في الرقابة من خلال الجوّ كان بمثابة «نسخة تجريبية لما يحدث اليوم، نسخة تجريبية لنجاعة أدوات العنف».
في تبنّيه عين الجلّاد، يمارس الحاج النظر في الاتجاه المعاكس ليحوّله إلى أداة تفكيك ومواجهة وفي الخلفية يتسرب إحساس بغضب «الحاكم العسكري» من فشل أدواته من إحكام السيطرة.
حقوق الإنسان، عدنان يحيى، 2006
في مقابل هذه الأعمال التي تنطلق من أدوات المراقبة الحديثة، يعود المعرض إلى لغة تشكيلية تستحضر الجسد بوصفه ساحةً مباشرة للعنف.
في لوحة «حقوق الإنسان»، يتصدّر جسدٌ ممزّق شاطئَ بحرٍ أزرق هادئ. على سطح المياه، يطفو لوح خشبيّ يستقر عليه رأس أحدهم بعينين مغمضتين وشفاه مسدلة ووجه يوحي بالسكينة. أعلى الرأس تطفو أرجل في الهواء: إحداها ممزقة ومثنية عند الركبة، تواجه قدمُها الملأ، فيما لم يتبق من الأخرى سوى الجزء السفلي، تتوسطه فجوة تنفتح على السماء. تتكئ القدم على أطراف الأصابع، في حركة توحي على نحو صادم بالرقص. وفي الخلفية، تمتد سماء خضراء مثقلة بالغيوم.

رغم قساوة المشهد، لا يسعى يحيى إلى إرباك المتلقي، بل يمنحه طمأنينة غريبة: هذا الجسد، رغم تمزّقه، سيبلغ شاطئ الأمان. وللحظة قد يبدو الجسد أشبه بتمثال رخامي، حاضر بزهاء، بفعل استخدام يحيى للون البيج، وميله إلى تجويف الثقوب ورسم الزوايا والنتوءات بحدّة وانسيابية معًا.
أُنجزت «حقوق الإنسان» عام 2006، وهي من أعمال الفنان الأردني عدنان يحيى (1960-2020) الذي كرّس مسيرته لتوثيق معاناة الشعوب العربية والمجازر التي تعرّضت لها، من قانا وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا، إلى مخيم جنين وحروب غزة السابقة. طوّر يحيى لغة بصرية تحاكي الألم وتمزج بين السوريالية والتكعيبية والتعبيرية، واضعًا الجسد في مركزها: أجساد ضحايا مكدّسة، أشلاء، مزاوجًا في لوحات عدة بين دمار البنى والجسد.
بقايا تستمر، رائد ابراهيم، 2025
في هذا العمل تحضر الذاكرة بوصفها مساحة تتكاثر عليها التجارب والأحداث لتنتج معانيها وندوبها الخاصة.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تنقلت ممارسة إبراهيم الفنية بين وسائط وخامات متعددة، مسائلةً السلطة المستترة في المشاهد العابرة وتمثيلات «اللحظات الكبرى». تبدو أعماله في ظاهرها سهلة الاستقبال، قبل أن تبدأ بدفع المتلقي إلى مواجهة حمولاتها المبطنة وتشريح قدرة الصورة والحدث على إنتاج سرديات تصبح سائدة.
في هذا العمل، يغيّر إبراهيم اتجاه العدسة من الفضاء العام إلى الداخل، كاشفًا كيف تستقر مشاهد الحروب والتهجير في كينونة الأفراد، وتتفاعل مع ذاكرتهم الخاصة لتنتج منظومات قيم ومعاني شخصية.

تكشف واجهة زجاجية عن صندوق حديدي يتكوّن من طبقات وغرف مصغّرة، لكل منها مشهديتها الخاصة. داخل هذه الغرف، تتجاور مجسمات صغيرة وخلفيات مضيئة، ومشاهد مألوفة وأخرى مبهمة: مبانٍ متكدسة، طائرات، قذائف، نساء في بيت عزاء، جموع تعبر البحر، جندي يوجّه سلاحه نحو ظلال عائلة، خنزير وردي في غرفة جرداء، نساء يعبرن جسرًا يفصل بين ضفتين، رجل يحترق واقفًا، ومجسم يحاكي معرض «تحت النار» الذي عُرض في الغرفة نفسها في دارة الفنون خلال الإبادة.
تستدعي بعض هذه المشاهد أعمالًا سابقة لإبراهيم مثل «أبراج» (2020)، الذي يجسد سيجارتين ضخمتين تعلوهما سحابة دخان، تقفان مقابل برجين أسودين، تحوم حول أحدهما طائرة، فيما يتوَّج الآخر بطوق ذهبي. كجزء من لغة بصرية تتطوّر عبر الزمن، وتعيد مساءلة الصور التي اخترقت الحيز العام مطلع الألفية، واستخدمت لتبرير المراقبة والملاحقة والحرب.
أسفل هذه المشاهد، خطوط تحصي الأرقام وتعدّ. ثم مجددًا، تظهر مشاهد مستوحاة من أعماله السابقة: رجال ينظرون نحو لوحات لمبانٍ سوداء مدمرة في فضاء كاتم، في إحالة إلى «مواقع حضرية» (2002)، وجمع من الناس يدخل مبنى صغيرًا في قرية مدججة بالأعلام الحمراء، تصطف فيها مجسمات ترتدي زيًا موحدًا أمام مبنى عام في محاكاة لعمل «دولة إسماعيل» (2002)، الذي كوّن فيه دولة افتراضية طور لها مراسيمها وأساطيرها، وأعلن عنها كأرض أجداده، معلنًا حقوقه التاريخية فيها، وداعيًا المهتمين للتقديم للمواطنة.



«بقايا تستمر»، عمل يدفع تلك الأعمال السابقة للحوار مع أعمال أخرى داخل صندوق يشبه «صندوق الفرجة». ويمكن للمتلقي أن يقترب للتأمل في كل عمل على حدة، أو أن ينظر له كوحدة واحدة. لكن بغض النظر عن شكل تناولنا للعمل، يظلّ أن إبراهيم يسلّط الضوء على عملية إنتاج غير مرئية تتشكّل في رمشة عين وتولد قيمها الخاصة رغم مساعي الهيمنة للسيطرة ولاحتكار عملية إنتاج المعاني.
الموت جزء من العملية، زارا جولويس، 2024
في الانتقال من العلني إلى الداخلي، ومن التوثيق إلى الأثر، يصل المعرض إلى مقاربة ترى في استحضار الذاكرة فعلًا حسيًا وطقسيًا.
تدعو الفنانة الجنوب إفريقية زارا جوليوس المتلقين إلى الجلوس في حضرة الأرشيف، والإصغاء إليه على نحو حسي. تقدم جوليوس شذرات مبعثرة من أرشيف النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا،[2] ضمن فيديو كولاج مبهم يُعرض على الجدران بالأبيض والأسود، تصاحبه أصوات خافتة تقدم شهاداتها في غرفة مظلمة. على أطراف الغرفة، تقف ستة أعمدة تنسدل من كلٍّ منها قطعة نسيج كروشيه بيضاء، تعلوها سماعة تبث موسيقى مهيبة.

ينقلُ العمل المتلقي إلى مكان مشحون عاطفيًا وحسيًا، بفعل عناصر التركيب المختلفة وحضور قطع القماش التي تضعه في حيز أنثوي حميمي ومربك، يستحضر ندوب الماضي وذاكرته بطريقة تحافظ على هالة الخصوصية.
ورغم أن هذا العمل، كما إنتاج جوليوس الفني عمومًا، يستند إلى الأرشيف التقليدي، إلا أنها تقدّمه بهيئة مختلفة؛ فيغدو أشبه بأرشيف متجسّد ينقل ثقل التجربة المعاشة، ويذكّر بأشباح حاول الحاضر لملمتها في ملفات محكمة وغرف نظيفة ومغلقة. يسود الحداد الغرفة، رغم أن العمل لا يشير صراحةً إلى أن الصور المبهمة في الخلفية توثّق مراسم دفن جماعية من فترة الفصل العنصري. والحداد موضوع متكرر في أعمال جوليوس إذ تنظر إليه بوصفه تجربة معاشة تستحضر الماضي بغضب وحب، يعجز الأرشيف «المحايد» عن احتوائهما.
تقول جوليوس إن هذا المشروع «يسائل معنى أن نواجه في آنٍ واحد الحزنَ الكامن في الأرشيف والحزنَ الملازم للعمل مع تواريخ مؤلمة لا يمكن حصرها أو إقفالها بإحكام في الماضي، لأنها ما تزال، إلى حدٍّ كبير، مستمرة ومفتوحة».

تستلهم هذه المقاربة في التعامل مع الماضي وندوبه من الشعائر التي تستخدمها الشعوب لاستحضار تاريخها بآماله وأحلامه، بشكل أدائي وجمعي، مثل الهتافات الشعبية وجنازات الشهداء، لما لها من قدرة على بعث الألفة في الجموع وإحياء طاقاتهم الكامنة.[3] كما تشتبك مع إرث معرفي تحرري يفكك إشكاليات الأرشيف، والتعامل الفني واليومي مع العنف والموت، طورته مفكرات سوداوات مثل كريستينا شارب وسايديا هارتمان.
أهدت جوليوس هذا العمل لأسرى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا والأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم.
-
الهوامش
يستند هذا المقال جزئيًا إلى حوارات مطوّلة مع قيّم المعرض خالد بشير.
[1] الاسم الكامل للعمل هو خرائط (لإبادة جماعية): لا يمكنك أن تسرق ألوان البحر، ولا أن تدفن نبض الحياة في الرمل، فتدفق نبض القلوب مستمر رغم الحصار. مشاهد لغزة من مخيم جباليا.
[2] من بحثها في أرشيفات مايوبي.
[3] See Diana Taylor, The Archive and the Repertoire: Performing Cultural Memory in the Americas (Duke University Press, 2003)





