في المغرب فقط.. وزير التواصل إلى مُبلّغ ضد الصحافة
في سابقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع حرية التعبير بالمغرب، تجد جريدة “عبّر.كوم” نفسها أمام هجوم رقمي متكرر يستهدف صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر تبليغات متواصلة بدعوى انتهاك “الملكية الفكرية” بسبب نشر صورة وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد.
الغريب في الأمر أن الأمر يتعلق بشخصية عمومية تتولى حقائب وزارية، وأن استعمال الصورة تم في إطار العمل الصحفي والإخباري، وهو ما يدخل ضمن ما يُعرف عالميا بـ”الاستخدام العادل” المعمول به في التغطيات الإعلامية والنقد السياسي والصحفي.
الأكثر غرابة أن وزيرا يفترض فيه الدفاع عن حرية الصحافة والتعدد الإعلامي، أصبح ـ بحسب ما تتعرض له الجريدة ـ طرفا في ملاحقة منصة إعلامية عبر آليات التبليغ الرقمي، بدل اللجوء إلى التوضيح أو التواصل المؤسساتي أو حتى المساطر القانونية الواضحة.
إن ما تتعرض له “عبّر.كوم” لا يمكن فصله عن مناخ متزايد من التضييق غير المباشر الذي تشتكي منه منابر إعلامية مستقلة لا تدخل ضمن دائرة “الرضى السياسي” أو الشراكات الإشهارية والامتيازات التي تُمنح لمنصات محسوبة على جهات بعينها.
وتسجل الجريدة، بكثير من الاستغراب، تزامن هذه الهجمات مع التحركات التي يشرف عليها الكاتب العام بالنيابة لقطاع الثقافة، صلاح الدين عبقري، الذي تم تعيينه في ظروف أثارت جدلا داخل القطاع، بعد إبعاد الكاتبة العامة السابقة وإلحاقها بالمكتبة الوطنية، حيث يعمد عبقري والمستشار السوري للوزير المسمى نزار عييد، على التبليغ بمنصات الجريدة عبر حسابات وهمية لأجل اغلاقها ومسح منشوراتها، وقد سخرا لهذا المهام الملايين من الأموال مجهولة المصدر.
إن أخطر ما في القضية ليس فقط استهداف صفحة إعلامية، بل الرسالة السياسية والأخلاقية التي تُبعث إلى الصحفيين، مفادها إما الاصطفاف والتصفيق، أو مواجهة الحصار الرقمي والتضييق الناعم، وهو ا يفهم من رسالة مستشار الوزير بنسعيد، الذي لايملك مؤهلات علمية فيما يملك شققا راقية في ظرف سنتين.
وإذا كان الوزير بنسعيد يقدم نفسه كوجه سياسي شاب وحداثي، فإن الممارسة على الأرض تكشف ـ وفق ما تعاينه الجريدة ـ نزعة متزايدة نحو التحكم في الصورة، وتضييق مساحة النقد، ومحاولة إخضاع الإعلام لمنطق الولاء بدل الاحترافية.
وعليه، فإن “عبّر.كوم” تُحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية لأي استهداف متواصل لمنصاتها الرقمية، وما قد يترتب عنه من أضرار مادية أو مهنية تهدد استمرارية المؤسسة، خصوصًا في ظل تكرار التبليغات التي تضرب الوصول الرقمي للجريدة ومحتواها.
إن الصحافة ليست جريمة، ونشر صورة مسؤول عمومي ليس قرصنة، والنقد ليس عداءً شخصيًا، أما تحويل آليات المنصات الرقمية إلى أدوات لمحاصرة الأصوات المزعجة، فهو انزلاق خطير لا يليق بوزير يحمل حقيبة “التواصل” في دولة تقول إنها تؤمن بحرية التعبير.




