في عامٍ تراجعت فيه أكثر من 100 دولة.. لماذا تقدّمت سلطنة عُمان في مؤشر حرية الصحافة؟
حصريٌّ لـ«الصحوة» – في وقتٍ وصفته منظمة «مراسلون بلا حدود» بأنه من أكثر الأعوام قتامة على واقع حرية الصحافة عالميًا، بعد تسجيل تراجع في أوضاع الإعلام بأكثر من مائة دولة حول العالم، سجّلت سلطنة عُمان حضورًا مختلفًا على خارطة المؤشر الدولي؛ بعدما تقدّمت 7 مراكز دفعة واحدة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، لتحل في المرتبة 127 عالميًا من أصل 180 دولة، مقارنة بالمرتبة 134 في نسخة 2025، والرابعة عربيًا بعد موريتانيا وقطر ولبنان.
ورغم أن الرقم في ظاهره يبدو تحسنًا سنويًا محدودًا، إلا أن قراءته ضمن المسار الزمني للمؤشر تكشف تحوّلًا أكثر وضوحًا؛ إذ انتقلت سلطنة عُمان خلال عامين فقط من المرتبة 146 عالميًا في 2023 إلى المرتبة 127 في 2026، أي بتقدّم إجمالي بلغ 19 مركزًا، وهو ما يضع سلطنة عُمان ضمن الدول العربية التي حققت منحنى صعوديًا ملحوظًا في هذا المؤشر خلال فترة وجيزة.
هذا الصعود لا يمكن التعامل معه باعتباره رقمًا عابرًا في تقرير سنوي، بل هو مؤشر يحمل في طياته دلالات مرتبطة بطبيعة التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي العُماني خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى البيئة التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي، أو على مستوى الممارسة المهنية، أو في ما يتصل بسلامة الصحفيين واستقرار المناخ العام الذي تعمل فيه المؤسسات الإعلامية.
◉ مسار خمس سنوات.. من التراجع إلى التعافي
بالعودة إلى نتائج سلطنة عُمان في آخر خمس نسخ من المؤشر، يتضح أن المسار لم يكن صاعدًا على وتيرة واحدة؛ ففي عام 2022 جاءت سلطنة عُمان في المرتبة 125 عالميًا، قبل أن تتراجع بشكل واضح في 2023 إلى المركز 146، وهو التراجع الذي عكس آنذاك ملاحظات دولية تتعلق بالحاجة إلى تطوير بعض الأطر المرتبطة بتنظيم العمل الصحفي، وتعزيز الوصول إلى المعلومات، وتوسيع المساحات المهنية التي تتحرك فيها المؤسسات الإعلامية.
لكن ابتداءً من نسخة 2024 بدأ المؤشر يسجّل تحسنًا تدريجيًا مع صعود سلطنة عُمان إلى المرتبة 143، ثم إلى 134 في 2025، وصولًا إلى 127 هذا العام، بما يعني أن سلطنة عُمان دخلت فعليًا منذ ثلاث سنوات في مرحلة تعافٍ تصاعدي مستمر، لا سيما أن هذا التحسن جاء في وقتٍ لم يكن فيه المؤشر العالمي نفسه يشهد انفراجًا عامًا، بل على العكس كان يسجل تراجعات متتالية في عدد كبير من الدول.
وهنا تبرز أهمية قراءة الرقم العُماني ليس فقط من زاوية «كم مركزًا تقدّمت سلطنة عُمان؟»، وإنما أيضًا من زاوية «في أي سياق عالمي حدث هذا التقدّم؟»؛ إذ إن تحسّن دولة في سنة عالمية صعبة على حرية الصحافة يمنح هذا التحسن وزنًا أكبر من مجرد انتقال عددي بين مرتبتين.
◉ لماذا التقط المؤشر هذا التحسن؟
تعتمد منظمة «مراسلون بلا حدود» في تصنيفها على خمسة محاور رئيسية تشمل: السياق السياسي، والإطار القانوني، والسياق الاقتصادي، والسياق الاجتماعي والثقافي، وسلامة الصحفيين. وبالتالي فإن أي صعود في الترتيب لا يرتبط بعامل منفرد، بل بحزمة من المؤشرات التي ترى المنظمة أنها تحسنت نسبيًا في الدولة المعنية.
وفي الحالة العُمانية، يبدو أن العامل الأبرز الذي أسهم في هذا المسار الصاعد هو الحراك التشريعي والتنظيمي الذي شهده القطاع الإعلامي مؤخرًا، وفي مقدمته صدور قانون الإعلام الجديد وما تبعه من لائحة تنفيذية، وهي خطوة مثّلت تحديثًا مهمًا للأطر القانونية الناظمة للمهنة في ظل التحولات المتسارعة التي فرضها الإعلام الرقمي، وتبدّل طبيعة صناعة المحتوى، وتوسع المنصات الجديدة.
فوجود بيئة قانونية أكثر وضوحًا للمؤسسات الإعلامية والصحفيين، وتحديد المسارات المهنية والتنظيمية بصورة أدق، يعد من النقاط التي تنعكس مباشرة على التقييم القانوني للمؤشر، خصوصًا أن المنظمة تنظر إلى التشريعات بوصفها أحد مفاتيح فهم مدى قدرة الصحفي على ممارسة عمله ضمن إطار معروف ومستقر.
إلى جانب ذلك، تستفيد سلطنة عُمان في هذا المؤشر من عامل لا يقل أهمية، وهو الاستقرار العام وارتفاع مستوى السلامة المهنية للصحفيين مقارنة بكثير من البيئات الإقليمية المضطربة. فالمؤشر يمنح وزنًا كبيرًا لسلامة العاملين في الحقل الإعلامي، ومدى تعرضهم لمخاطر العنف أو النزاعات أو الانتهاكات الميدانية، وهي جوانب لا تواجه فيها سلطنة عُمان مستويات حادة كتلك الموجودة في محيط إقليمي ملتهب، ما ينعكس إيجابًا على التقييم.
كما أن اتساع الإعلام الرقمي خلال السنوات الأخيرة، ونمو المنصات الإلكترونية، وظهور مساحات أكبر للنقاش والتحليل والمحتوى المتخصص، كلها عناصر تمنح المشهد الإعلامي المحلي قدرًا من الحيوية والتنوع الذي يرصده المؤشر ضمن سياقه الاجتماعي والثقافي.
◉ ماذا يقول الرقم عن الإعلام العُماني فعلًا؟
ومع ذلك، فإن القراءة المهنية للمؤشر تقتضي عدم الاكتفاء بالاحتفاء بالتحسن الرقمي، لأن المرتبة 127 عالميًا — رغم تقدمها — لا تزال تعني أن سلطنة عُمان في المنطقة المتوسطة المتأخرة من التصنيف الدولي، وأن الطريق ما زال مفتوحًا أمام مزيد من التطوير للوصول إلى بيئات إعلامية أكثر تقدمًا.
بمعنى آخر: نعم، هناك تحسن واضح، لكن المؤشر لا يقول إن المشهد الإعلامي العُماني بلغ مرحلة الاكتمال، بل يقول إن هناك منحنى إصلاح بدأ يُقرأ دوليًا، وأن ثمّة خطوات إيجابية التقطتها المنظمة في بيئة العمل الصحفي.
فالمؤشر في جوهره لا يقيس فقط وجود المؤسسات الإعلامية أو حجم المحتوى المنشور، بل يقيس مسائل أكثر عمقًا مثل: الاستقلالية التحريرية، وتعددية المنابر، وسهولة الوصول إلى المعلومات، ووضوح العلاقة بين الصحفي والقانون، وحجم الضمانات التي تحيط بالممارسة المهنية.
وهذه كلها ملفات لا تزال تمثل في كثير من الدول — بما فيها دول المنطقة — مساحات عمل مستمرة تحتاج إلى تراكمات زمنية حتى تنعكس على المؤشرات الدولية بصورة أكبر.





