فشل سياسة التشغيل في المغرب يدفع الشباب نحو البدائل الرقمية والهجرة ويفجّر أزمة بطالة متصاعدة
يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً في سلوك الشباب تجاه سوق العمل، حيث يتزايد الإقبال على الأنشطة الرقمية والعمل عبر الإنترنت، في ظل انسداد آفاق التشغيل التقليدي وتراجع فرص الإدماج المهني داخل الاقتصاد الوطني.
هذا التوجه نحو العمل الرقمي، رغم ما يعكسه من دينامية جديدة مرتبطة بالعولمة والتحول التكنولوجي، أصبح في نظر كثير من الشباب ليس خياراً طوعياً بقدر ما هو بديل اضطراري فرضته محدودية فرص الشغل وفشل السياسات العمومية في خلق مناصب عمل كافية.
فبينما تتحدث الحكومة عن برامج لدعم التشغيل وتحفيز الاستثمار، تشير معطيات وتقارير رسمية إلى أن نسبة إنجاز الوعود المعلنة في هذا المجال لم تتجاوز عتبة الربع، ما يثير تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات الحكومية ومدى قدرتها على مواجهة البطالة المتفاقمة، خصوصاً في صفوف حاملي الشهادات.
في هذا السياق، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام واقع صعب، يدفعهم إما إلى البحث عن بدائل ذاتية عبر العمل الرقمي الحر في ظل انعدام فرص التشغيل، أو التوجه نحو الهجرة كحل نهائي للهروب من أزمة بطالة مزمنة، أو حتى الانخراط في أعمال غير مستقرة تفتقد إلى الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.
ورغم أن توسع الاقتصاد الرقمي يفتح بعض الآفاق الجديدة في مجالات مثل التسويق الإلكتروني، البرمجة، التصميم وإدارة المحتوى، إلا أن هذا التحول يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة المنظومة التعليمية والتكوينية، التي لا تزال غير قادرة على مواكبة الطلب المتزايد على المهارات الرقمية المتخصصة.
كما يطرح هذا الواقع أسئلة حادة حول مسؤولية الحكومة في تأخر تفعيل سياسات التشغيل، وضعف أثر البرامج الموجهة للشباب، مقابل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يعزز لدى فئات واسعة شعوراً بالإحباط وفقدان الثقة في الوعود الرسمية.
وفي ظل هذا الوضع، لم يعد النقاش مقتصراً على خلق فرص الشغل فقط، بل امتد إلى إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه، حيث أصبح جزء من الشباب يفضل الاستقلالية المهنية والعمل عن بعد بدل الوظيفة التقليدية، ليس اختياراً استراتيجياً فقط، بل نتيجة مباشرة لغياب بدائل داخل السوق المحلي.
ويرى متتبعون أن استمرار هذا الوضع دون إصلاحات جذرية في السياسات الاقتصادية وسوق العمل قد يفاقم من ظاهرة الهجرة ويعمّق الفجوة بين تطلعات الشباب وقدرة الدولة على الاستجابة لها، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي.




