فرنسا.. اليمين المتطرف يخسر المدن الكبرى ويضع الإليزيه نصب عينيه
لم يتمكن حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف في فرنسا من تحقيق الانتصارات الكبرى التي كان يطمح إليها في الانتخابات المحلية، إلا أن قياداته أكدت أنه نجح في بناء زخم على مستوى القاعدة الشعبية قد يدفعه للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وتعد انتخابات عام 2027 الرئاسية محطة حاسمة للاتحاد الأوروبي، إذ يُنظر إلى "التجمع الوطني"، المشكك في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بوصفه المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى قصر الإليزيه، وفقاً لمجلة "بوليتيكو".
وتخضع نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة لتدقيق كبير لمعرفة ما إذا كان الحزب المناهض للهجرة بزعامة مارين لوبان لا يزال القوة السياسية المهيمنة في فرنسا.
نتائج متباينة لليمين المتطرف
بوجه عام، كانت ليلة انتخابية مختلطة لليمين المتطرف. فقد جاء أكبر انتصاراته على ساحل الريفييرا، حيث فاز أحد حلفائه بمدينة نيس، خامس أكبر مدن فرنسا. كما خاض الحزب حملة قوية في مدن جنوبية بارزة مثل مرسيليا وتولون ونيم، وحقق نتائج جيدة فيها جميعاً، لكنه حل في المركز الثاني.
وشهدت المنافسة تقارباً شديداً في تولون ونيم، بينما حصل حزب لوبان على 40% من الأصوات في مرسيليا، وهي نسبة كبيرة في مدينة تُعد الثانية في فرنسا وتتميز بتنوعها وانفتاحها.
وفي محاولة لإبراز الجانب الإيجابي، شدد قادة الحزب على فوزهم في عدد كبير من المدن والبلدات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في معاقلهم الجنوبية مثل كاركاسون، وأجدي، ومينتون، إضافة إلى فوزهم في الجولة الأولى بمدينة بيربينيان الأسبوع الماضي.
وقال رئيس الحزب، جوردان بارديلا، لأنصاره في باريس إن اليمين المتطرف حقق "أكبر اختراق في تاريخه"، وإنه يكتسب "زخماً قوياً" يشير إلى "نهاية عالم قديم يفقد زخمه".
من جهتها، أشادت لوبان بـ"عشرات" الانتصارات الإقليمية، معتبرة أن "استراتيجية التمركز المحلي" تؤتي ثمارها.
قوة وطنية وضعف في المدن الكبرى
ويرى "التجمع الوطني" أن الأحزاب التقليدية، خاصة اليسارية، تظل قوية في المدن الكبرى، لكن هذه المدن لا تعكس بالضرورة الاتجاهات السياسية على المستوى الوطني، والتي تميل أكثر نحو اليمين.
فعلى سبيل المثال، حصل مرشح الحزب في باريس، النائب الأوروبي تييري مارياني، على نسبة هزيلة بلغت 1.6% فقط في الجولة الأولى في 15 مارس، رغم أن بارديلا لا يزال المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وأكد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "هاريس إنتراكتيف" بعد الانتخابات البلدية، تقدم بارديلا في سباق 2027، حيث من المتوقع أن يحصل على 35% من الأصوات في الجولة الأولى، متقدماً بـ17 نقطة على منافسه من يمين الوسط، رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب.
عقدة الجولة الثانية "مستمرة"
مع ذلك، من المرجح أن تعيد نتائج الانتخابات المحلية إثارة مخاوف داخل الحزب بشأن قدرته على الفوز في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، في ظل استمرار تقليد توحد القوى السياسية ضده، وهو ما أدى إلى هزيمة لوبان في انتخابات 2017 و2022.
وفي مدينة تولون الساحلية، بدأت مرشحة الحزب، لور لافاليت، بقوة في الجولة الأولى بحصولها على 42% من الأصوات، متقدمة بـ13 نقطة على رئيسة البلدية المحافظة جوزيه ماسي، لكن الأخيرة تمكنت من الفوز في جولة الإعادة بعد انسحاب مرشح محافظ آخر لصالحها.
وكان الحزب يأمل في كسر هذه "العقدة" خلال الانتخابات البلدية، إلا أن هذا الضعف المزمن، كونه الحزب الذي تتكتل ضده بقية القوى، لا يزال قائماً.
تحذيرات للمنافسين
ورغم إخفاقه في المدن الكبرى، لا يستخف خصوم الحزب بصعوده. فقد اعتبر جابرييل أتال، الطامح للرئاسة وزعيم حزب "النهضة" بزعامة الرئيس إيمانويل ماكرون، أن النتائج تعكس صعود "الأطراف"، في إشارة إلى اليمين المتطرف وحزب "فرنسا الأبية" اليساري المتطرف، الذي فاز في مدن مثل روبيه، وسان دوني.
وقال: "إنها إشارة تحذير.. المزيد من المواطنين يريدون التغيير، وبوتيرة أسرع".
أما حزب "الجمهوريين" المحافظ، فخرج بنتائج متباينة. فقد فاز برئاسة بلديات عدة مدن متوسطة مثل ليموج، وتول، وبريست، وكليرمون-فيران، كما احتفظ بمدينة تولوز بعد فوز جان-لوك مودانك على منافس يساري متطرف.
لكن الحزب مُني بخسارة في باريس، حيث هُزمت وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي أمام الاشتراكي إيمانويل جريجوار، كما خسر في مدينة ليون أمام عمدة خضراء بفارق ضئيل.
وأكد زعيم الحزب برونو روتايو أن اليمين التقليدي هو "القوة السياسية المحلية الأولى" في فرنسا، مقدماً نفسه كبديل قادر على مواجهة "التطرفين"، ومتهماً حزب التجمع الوطني بـ"الشعبوية".
وأضاف أن هناك "طريقاً فرنسياً" يرفض "الفوضى الاجتماعية" التي يمثلها اليسار المتطرف و"الاضطراب المالي" الذي قد ينجم عن برنامج اليمين المتطرف.
غير أن الحزب يواجه مشكلة تعدد الطامحين للرئاسة، دون آلية واضحة لاختيار مرشح موحد، ما قد يعقد مهمته في مواجهة بارديلا.
سباق مفتوح نحو الإليزيه
في المقابل، يسعى إدوار فيليب إلى تعزيز فرصه الرئاسية بعد فوزه في لوهافر، بينما يواصل بارديلا تقديم صعود حزبه نحو الرئاسة باعتباره مساراً حتمياً. وقدم بارديلا حزبه بوصفه "قوة هادئة"، مستعيداً شعار الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران في حملته عام 1981.
وقال: "نجاحاتنا ليست نهاية المطاف، بل مجرد بداية".





