فراس النعسان : على حافة هرمز
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/04/20 - 01:01
501 مشاهدة
يبدو المشهد عند مضيق هرمز اليوم
معقداً إلى حدود لم يكن في خيال أحد أن يتصوره، فالمضيق ببساطة لم يعد مجرد
ممر مائي تختنق فيه الناقلات، بل عنق زجاجة تختبر فيه الإرادات الكبرى
حدودها القصوى. التصريحات المتقابلة، من واشنطن إلى طهران، لا تُقرأ وفق
سياقها اللغوي أو التعبيري المعتاد، بل كإشارات متقدمة على أن السياسة
نفسها بدأت تفقد لغتها، وتستعير مفرداتها من قاموس القوة.
ما يجري يتجاوز لعبة الضغط التقليدي. حين تعلن إيران إغلاق المضيق، فهي
لا تهدد خصماً بعينه، بل تضع الاقتصاد العالمي في مرمى التوتر. وحين تلوّح
الولايات المتحدة بخيارات عسكرية وتُفعّل غرف عملياتها، فهي لا تفاوض فقط،
بل تعيد رسم حدود الردع. في هذه المنطقة الرمادية بين التفاوض والتصعيد،
يصبح كل تحرك محسوباً على حافة خطأ قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها
بسهولة.
التناقض الظاهر بين الحديث عن «تقدم» في المفاوضات وبين التصعيد
الميداني ليس تناقضاً بقدر ما هو تعبير عن طبيعة الصراع نفسه. فالمفاوضات
هنا لا تُدار على الطاولة فقط، بل في البحر أيضاً، وفي التصريحات، وفي
الإشارات الرمزية. كل طرف يحاول تحسين شروطه لا عبر النصوص، بل عبر
الوقائع. ولهذا، يبدو أن الدبلوماسية باتت مجرد واجهة لميزان قوى يتشكل
تحتها ببطء، ولكن بثقل كبير.
المعضلة الجوهرية تكمن في سؤال السيادة مقابل الضمانات. واشنطن تريد
اتفاقاً يحدّ من قدرات إيران النووية ويضعها تحت رقابة صارمة، بينما ترى
طهران في ذلك مساساً بجوهر استقلالها الاستراتيجي. وبين هذين الموقفين،
تتكاثر التفاصيل التي تبدو تقنية، لكنها في حقيقتها سياسية بامتياز. من
يملك اليورانيوم؟ من يراقب؟ ومن يضمن أن الاتفاق لن يتحول إلى أداة ضغط
مستمرة؟ هذه الأسئلة هي التي تؤخر الحسم، وتدفع الأطراف إلى اختبار بعضها
البعض في الميدان.
الوساطة الباكستانية تضيف طبقة أخرى من التعقيد، لكنها في الوقت نفسه
تعكس إدراكاً بأن القنوات التقليدية لم تعد كافية. ومع ذلك، فإن أي وساطة،
مهما كانت نشطة، تبقى رهينة قرارين سياديين لم ينضجا بعد، قرار أمريكي
بتقديم تنازل حقيقي، وقرار إيراني بقبول قيود تُترجم عملياً على الأرض.
الخطير في اللحظة الراهنة ليس فقط احتمال عودة الحرب، بل شكل هذه الحرب
إن اندلعت. فإغلاق هرمز، ولو جزئياً، يعني إدخال العالم في أزمة طاقة
فورية، ويعني أيضاً أن أي اشتباك لن يبقى محصوراً بين طرفين. هنا، تتحول
المواجهة إلى حدث دولي بامتياز، تتداخل فيه المصالح وتتصادم فيه الحسابات.
في النهاية، يقف المشهد عند مفترق حاد: إما أن تنجح السياسة في استعادة
لغتها، فتُنتج اتفاقاً يخفف من حدة التوتر، أو أن يستمر الانزلاق نحو منطق
القوة، حيث تصبح الحرب ليست خياراً، بل نتيجة شبه حتمية لسلسلة من القرارات
المتراكمة. عند حافة هرمز، لا تُقاس المسافة بالأميال البحرية، بل
بالخطوات التي تفصل العالم عن شرارة قد تغيّر ملامح المرحلة بأكملها.



