فنزويلا تبحث عن الانتقال الديمقراطي
اتخذت الرئيسة المؤقتة في فنزويلا ديلسي رودريغيز، وحزب السلطة “الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي”، سلسلة من الخطوات البسيطة، لكنها ذات دلالة، لتحرير النظام السياسي في البلاد والتمهيد لإجراء انتخابات حرة في المستقبل.
وفي أعقاب العملية الخاصة الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال رئيس البلاد نيكولاس مادورو، مطلع العام الجاري، تجاهلت وسائل الإعلام إلى حد كبير الإصلاحات الجارية في فنزويلا، والتقدم الذي أحرزته المعارضة الداخلية بقيادة ماريا كورينا ماتشادو.
ويرى الباحثان الدكتور روبرت بوريل- زميل أبحاث أول بمعهد الأمن العالمي والوطني في جامعة جنوب فلوريدا- والدكتور هومر هاركينز- عضو هيئة تدريس في كلية الحرب لدولة الإمارات في أبوظبي- أنه من الواضح أن فنزويلا تتجه نحو الحرية والديمقراطية والازدهار الاقتصادي، “على الأقل في الوقت الراهن”.
تطورات واعدة
تقود فنزويلا حاليا الرئيسة المؤقتة رودريغيز، التي كانت تشغل منصب نائبة مادورو قبل توليها “المفاجئ” مقاليد الحكم في الدولة في أوائل يناير.
ويؤكد بوريل وهاركينز في تحليل نشرته مجلة ناشونال أنتريست الأمريكية أن رودريجيز تتمتع بدعم كبير بفضل جهود شقيقها خورخي رودريغيز، الذي يشغل منصب رئيس الجمعية الوطنية. ومازال الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي يهيمن على مقاليد الحياة السياسية بالجمعية، لكنه بدأ مسار تصحيح بعيدا عن جذوره “التشافيزية” (نسبة إلى الأيديولوجية السياسية اليسارية التي تعتمد على أفكار وبرامج الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز)، وذلك من خلال سلسلة من التغييرات التشريعية الأخيرة.
وكان أول تطور واعد هو تعديل قانون الهيدروكربونات العضوية، الذي أُقر في 29 يناي، ليسمح لشركات خاصة وأجنبية بالقيام بأنشطة استكشاف النفط وإنتاجه وتسويقه. وكانت الدولة تحتكر هذا القطاع في السابق.
أما التغيير الكبير الثاني فحدث في فبراير، مع إقرار قانون العفو من أجل التعايش الديمقراطي، وهو تشريع بالغ الأهمية، إذ يمنح عفوا عن معظم الجرائم السياسية خلال فترة حكم التشافيزية، من عام 1999 حتى 2026.
وأدى القانون في البداية إلى الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين، وعلى مستوى أعمق فإنه يمهد الطريق أمام إجراء انتخابات حرة، ويوفر قدرا من الحماية لرودريغيز وغيرها من قادة المعارضة الحاليين من القمع والمعاملة اللاإنسانية التي تعرض لها أسلافهم.
وحدث التغيير الثالث الشهر الماضي، عندما اتفقت الولايات المتحدة وفنزويلا على إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما، التي كانت مقطوعة منذ عام 2019. وأعيد فتح السفارة الأمريكية في كاراكاس، وأعلنت الخارجية الأمريكية أن واشنطن تدعم بشكل تام “الانتقال السلمي” الجاري في فنزويلا.
وأخيرا أقرّت الجمعية الوطنية الفنزويلية، بالإجماع في وقت سابق الشهر الجاري، تشريعا للتعدين يفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والخاصة للعمل في مجموعة واسعة من المعادن، بما في ذلك الذهب والعناصر الأرضية النادرة.
نشاط ماتشادو
بالتوازي مع هذه الإجراءات التشريعية نشطت حركة “فينتي فنزويلا” (تعال فنزويلا)، المعارضة بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، بالقدر نفسه، في الدعوة إلى التغيير منذ إزاحة مادورو.
وفي يناير الماضي زارت ماتشادو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض وقدمت له جائزة نوبل للسلام التي كانت فازت بها.
وخلال الربع الأول من عام 2026 شددت ماتشادو على ضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة في فنزويلا في أقرب وقت، بل وتعهدت بالعودة إلى البلاد في مارس الماضي.
لكن يبدو أن هذا الضغط القوي من أجل إجراء انتخابات فورية أثار استياء ترامب، الذي استدعى ماتشادو مجددا إلى البيت الأبيض الشهر الماضي، على ما يبدو لتهدئة حماسها والدعوة إلى التريث، خاصة في ظل انخراط الولايات المتحدة في الصراع مع إيران.
ورأت ماتشادو أن فنزويلا تسير في مسار انتقال ديمقراطي لا رجعة فيه، وفي الوقت نفسه تواصل تعبئة الجاليات الفنزويلية في إسبانيا وتشيلي والولايات المتحدة.
قضايا عالقة
بالنظر إلى المسار الحالي لفنزويلا يتوقع الباحثان بوريل وهاركينز إجراء انتخابات ديمقراطية في فنزويلا خلال الأشهر القليلة المقبلة، مع أخذ عدد من العوامل المتقلبة في الاعتبار.
وأول هذه العوامل أنه من الناحية الرسمية من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2030. وكان من المفترض أن يؤدي غياب مادورو، الذي “مازال رئيس الدولة بحكم القانون رغم وجوده في السجن بالولايات المتحدة ينتظر المحاكمة”، إلى إقامة انتخابات يوم 3 أبريل الجاري. ومع ذلك حتى ماتشادو دعت إلى تأجيل الانتخابات، مشيرة إلى أن تنظيمها يتطلب عدة شهور. كما أكدت الرئيسة رودريغيز أن الأولوية الآن هي الاستقرار الوطني وليس الانتخابات.
ويشير التحليل إلى عقدة أخرى تتمثل في أن عددا من قيادات الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي يواجهون اتهامات في أمريكا أو يُشتبه في ارتكابهم انتهاكات حقوقية. ومن بين هؤلاء فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي شغل منصب وزير الدفاع في السابق. وقد أقالته رودريغيز من منصبه الشهر الماضي، وعينت غوستابو غونزاليس لوبيز خلفا له.
ومن الشخصيات السياسية المثيرة للجدل أيضا وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، الذي تم رصد مكافأة 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه، عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بسبب تورطه في الاتجار بالمخدرات.
وبحسب بوريل وهاركينز سوف تمثل كيفية تعامل ديلسي رودريغيز مع كابيلو في الأسابيع والأشهر المقبلة، ورد فعله على احتمال مساءلته عن انتهاكات حقوق الإنسان، مؤشرا رئيسيا على مدى تقدم فنزويلا.
أما العامل الآخر المهم الذي سوف يؤثر على نزاهة الانتخابات فهو طبيعة التفاعل بين الحزب الاشتراكي الموحد وحركة “فينتي فنزويلا” على الصعيد الداخلي، حيث من المرجح أن يسعى الطرفان في المستقبل إلى الفوز بالحكم، أو الحفاظ على الاستحواذ عليه.
وفي نهاية المطاف يظل ولاء الجيش الفنزويلي عاملا حاسما في العملية الانتقالية، إذ اعتمد كل من مادورو وسلفه هوجو تشافيز على تعيين الضباط استنادا لولائهم السياسي، مع إقصاء المعارضين، أو سجنهم.
وبالإضافة إلى إقالة بادرينو لوبيز تم عزل سبعة من كبار القادة العسكريين وإجبارهم على التقاعد. ومع ذلك، وبعد 25 عاما من التوجيه السياسي والترقيات القائمة على الولاء للحركة التشافيزية، مازال مدى دعم الضباط لنظام ديمقراطي مستقبلي غير واضح.
مستقبل فنزويلا
في ما يتعلق بالمستقبل فيقول بوريل وهاركينز إنه بشكل عام يعكس مسار فنزويلا أوائل عام 2026 تقاربا سريعا ونادرا بين التحرر السياسي وإعادة هيكلة المؤسسات وإعادة الانخراط الدولي.
وتشير الإصلاحات التشريعية التي أقرتها الحكومة المؤقتة إلى قطيعة حاسمة مع العزلة الاقتصادية والسياسية التي اتسمت بها حقبة التشافيزية.
وفي الوقت نفسه برزت المعارضة بقيادة ماتشادو كقوة محورية في تشكيل التوقعات الداخلية والدبلوماسية الدولية، فقد ساهم انخراطها المستمر مع القيادة السياسية الأمريكية والمنظمات الدولية والجاليات الفنزويلية بالخارج في تعزيز الدعم الدولي لعملية الانتقال الديمقراطي، مع زيادة الضغط لإجراء انتخابات ذات مصداقية، وفي الوقت المناسب.
ورغم هذه التطورات فإن استدامة الانفتاح الديمقراطي في فنزويلا لم تُحسم بعد، حيث مازالت هناك تحديات هيكلية عميقة داخل جهاز الحزب الحاكم، بما في ذلك قضايا المساءلة عن الانتهاكات السابقة، والدور السياسي لشخصيات مثل ديوسدادو كابيلو، وعدم وضوح توجهات القيادة العسكرية التي تشكلت في ظل الأنظمة السابقة.
وفي ختام التحليل يقول بوريل وهاركينز إن مستقبل فنزويلا سوف يتوقف كثيرا على قدرة التوافق السياسي الناشئ على الصمود أمام ضغوط الجمود المؤسسي والتنافس بين النخب. وبينما يبدو أن البلاد تتجه نحو انتخابات ديمقراطية وانفتاح اقتصادي فإن نجاح هذه الثورة الهادئة يعتمد على مصداقية مؤسساتها، وتماسك قيادتها الانتقالية، واستعداد جميع الأطراف الرئيسية للالتزام بقواعد نظام سياسي تنافسي حقيقي.
The post فنزويلا تبحث عن الانتقال الديمقراطي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




