فن العيش في علب السردين: دليل المواطن العماني لأنسنة الباطون
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
المهندس خالد بدوان السماعنة منذ أن قرر أحدهم أن يمنح الإسمنت رتبة “المواطن الأول” في العاصمة، وعمان تخوض معركة شرسة ضد الفراغ. الفراغ هنا ليس مفهوماً فلسفياً، بل هو تلك الأمتار القليلة التي كانت تفصل بين نافذة غرفتك ونافذة جارك، والتي كانت تسمح بمرور الهواء، أو على الأقل، بمرور إشاعة عابرة. اليوم، أصبحت النوافذ متلاحمة لدرجة أنك تستطيع استعارة ملعقة سكر من جارك دون أن تفتح باب بيتك، بل فقط بمد يدك عبر الشباك. تحولت المدينة، بقدرة قادر وبمباركة خطط تنظيمية بالغة “الذكاء”، من مدينة التلال السبعة إلى مدينة “الشقق الأربعة والمكرر”. أصبحنا نعيش في ما يمكن تسميته أدبياً بـ “المخازن العمودية الأنيقة”. تدخل إلى المبنى، فتجد شققاً متطابقة، وأبواباً متطابقة، وسكاناً تشابهت ملامحهم من فرط الذهول المروري. إنها العمارة التي لا تهدف إلى إيوائك، بل إلى “تخزينك” بصورة آمنة وموفرة للمساحة لحين موعد الدوام القادم. العماني اليوم لا يمشي في مدينته، بل “يتفادى” العوائق. الرصيف في عمان هو أسطورة إغريقية نسمع عنها ولا نراها؛ فهو إما موقف لسيارة دفع رباعي، أو امتداد لبسطة خضار، أو مجرد زينة حجرية لا تتسع لقدم طفل. وإذا ما قررت “أنسنة” نفسك والمشي، عليك أن تمتلك مهارات لاعبي السيرك لتنجو من حفرة غير متوقعة أو سيارة مسرعة تبحث عن مخرج من أزمة “الدوار الثامن”. ومع ذلك، دعونا لا نظلم التخطيط الحَضري؛ فهناك فلسفة عميقة وراء هذا التكدس. إنها فلسفة “التقارب الاجتماعي الإجباري”. الدولة، في حرصها الشديد على صلة الرحم والجوار، جعلتك تسمع صوت عطسة جارك في الطابق الثالث وتشم رائحة “طبخته” في الطابق الأول. هذا ليس ضيقاً في المساحة، هذا “تلاحم وطني” تجسده الجدران التي باتت أرق من الورق....


